أفكار

من مفوضية باريس إلى قابضة عابدبن..

حكاية غزل المحلة بين طلعت حرب وأصدقائه الأربعة

طلعت حرب خلال تفقده لمصنع الصوف الذى تم افتتاحه عام 1939

فى 26 أغسطس عام 1927 صدر المرسوم الملكى بدار المفوضية الملكية المصرية بباريس لتأسيس شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى تحت اسم "شركة مصر لغزل ونسيج القطن" بناء على دعوة من رجل الاقتصاد العظيم طلعت حرب باشا.
 

صوره نادرة لأول مصنع للنسيج الميكانيكى بشركة غزل المحلة

وفى عام 2007 تمت الإطاحة بآخر مجلس إدارة منتخب لقلعة الصناعة الأولى فى مصر والشرق الأوسط وتعيين مفوض عام من قبل الشركة القابضة الكائن فى 7 شارع الطاهر بأرض الفوالة بحى عابدين من أجل إدارة وتسيير دفة أمور الشركة. 
ومابين قرار التأسيس.. وفرمان الشركة القابضة المخالف للقانون، كان هناك العديد من الأحداث والتحديات والنجاحات لا يعلمها الكثيرون، وتحولت بمرور الأيام والسنين لفشل وإخفاقات وإضرابات واحتجاجات باتت تهدد أعظم وأهم صرح اقتصادى بناه طلعت حرب بسواعد عمال المحلة المخلصين وجهود أبنائها الوطنيين.. فما هى حكاية غزل المحلة التى باتت الآن فى نظر البعض تمثل صداعا فى رأس الحكومة، بعد أن كانت صرحا يمثل فخرا لسمعة النسيج المصرى وشهرته وقدرته التنافسية على مستوى العالم وبداية الحكاية كانت عندما سعى طلعت حرب وبصحبته عدد من أصدقائه الذين اقتنعوا بفكرته وحلمه من رجال المال والأعمال على رأسهم عبد الحى باشا خليل وشقيقه محمود بك خليل وأحمد السحلى الشهير "بأحمد المحلاوى" وكان تاجرا شهيرا للجوخ ثم اتجه لتجارة الأراضى والعقارات وأصبح أكبر سمسار فى الوجه البحرى وهو والد الصحفية الشهيرة "نوال المحلاوى" مدير مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام، ونعمان باشا الأعصر عمدة المحلة وأول نائب لها بمجلس الشيوخ عام 1924 الذى وافته المنية قبل أن يرى ثمرة جهده، حيث لعب الأربعة دورا بارزا فى تحقيق الحلم بأن قاموا بتوفير كل الأراضى والمساحات التى كان يحتاج إليها طلعت حرب من أجل بناء شركات ومصانع ومنافسة الشركات الأجنبية ومنع احتكارها للمحاصيل الزراعية والتعامل مع مصر على أنها بلد زراعى فقط والأهم أن إنتاجها سوف يحمل الطابع المصرى الخالص.. وكان طلعت حرب قد وقع اختياره على أربعة مدن لتحقيق هذا الهدف والحلم وهى أبوكبير شرقية، وسخا بكفر الشيخ، وسمنود بالغربية، ثم المحلة الكبرى ووضع عدة شروط لابد من توافرها لبدء المشروع فيها أهمها توافر مساحات كبيرة من الأرض وأخرى للتوسعات المستقبلية وتفوقت المحلة على الجميع بعد أن وضع نعمان باشا وعبد الحى خليل معظم أملاكهم الزراعية التى كانت تمتد من المحلة حتى حدود قرية محلة أبو على تحت تصرف طلعت حرب حيث بلغت المساحة الكلية للشركة بعد ذلك 600 فدانا شغلت الأقسام الإنتاجية منها 340 فدانا والباقى منشآت اجتماعية ورياضية وثقافية وترفيهية بجانب مستشفى ومطاعم ومساكن للعمال، وزاد من تفوق المحلة التقرير الذى أعده الخبير البولندى "جيرالد هيبتون" بأن المحلة يتميز جوها بأعلى نسبة رطوبة بين محافظات مصر وهو ما يشجع على نجاح تلك النوعية من الصناعات بها بجانب شهرتها كأقليم زراعى حقق أكثر من مرة الفوز بأعلى معدلات إنتاج القطن وكان خيرها كله يذهب لمحالج الشركات الأجنبية فضلا عن انتشار قاعات النسيج اليدوى داخل حوارى وبيوت أهل المحلة مما أفرز عددا كبيرا من العمال المهرة، بجانب وجود مدرسة النسيج المصرى بها التى افتتحها بنفسه الخديو عباس حلمى الثانى عام 1914 لإعداد الكوادر المؤهلة علميا.. ونتيجة للإقبال المتزايد من الدول الأوروبية على منتجات الشركة.. كان المنادون يطوفون على القرى المحيطة بالمحلة الكبرى مرغبين أبنائها فى العمل بالشركة قائلين: "بنك مصر عمل مصنع يغزل القطن اللى انتوا بتزرعوه ويعمل منه القماش اللى انتم بتلبسوه، كنا زمان بنزرع القطن ليأخذه منا الإنجليز.. إحنا النهاردة بنزرع القطن وهانحوله لقماش، إحنا اللى هنزرع القطن وحنغزله وحننسجه عشان يبقى كل شىء من مصر صناعة وطنية، ابعتوا ولادكم يتعلموا صنعة جديدة وهاياخدوا أجر كويس"..
 

طلعت حرب باشا يلقى خطبة نيابة عن العمال أمام الملك فؤاد خلال حفل افتتاح شركة غزل المحلة عام 1931

وعلى مساحة 32 فدانا تم إنشاء شركة غزل المحلة وافتتحها الملك فؤاد الأول الذى نزل ضيفا على المحلة يوم 24 أبربل عام 1931 حيث انطلقت سواعد ألفى عامل معلنة عن بدء الإنتاج رسميا داخل الشركة من خلال مصنع واحد للغزل ضم 12200 مغزل، وصالة واحدة للنسيج بها 404 نولا آليا وكان ذلك الحدث فى حضور السفير الإنجليزى بالقاهرة وعدد من شيوخ الأمة ونوابها يتقدمهم طلعت حرب الذى أنعم عليه الملك فؤاد بلقب الباشاوية فى هذه الزيارة تقديرا لجهوده العظيمة فى تمصير الاقتصاد المصرى، بالإضافة لرجال المال والصناعة.
 

فؤاد ملك مصر وطلعت حرب باشا والسفير الإنجليزى بالقاهرة فى طريقهم لافتتاح شركة غزل المحلة عام 1931

ورغم أن الشركة كان يعمل بها فى البداية أكثر من 400 خبير إنجليزى لأن إنجلترا كانت الدولة الموردة لكل الأجهزة والمعدات والمشرفة على عمليات التشغيل وسلامة الإنتاج وتدريب العمال إلا أن طلعت حرب باشا حرص على تعيين مدير عام مصرى للشركة وهو عبد الرحمن حمادة باشا الذى تولى المسئولية عام 1935 واختار نائبا نابغا له هو المهندس مصطفى عفت وشهدت الشركة فى عهدهما طفرة صناعية واجتماعية ورياضية كبرى حيث زادت عدد المغازل إلى 337 ألف مغزل تدور فى ثمانية مصانع تنتج 45 ألف طن غزل سنويا، وعشرة مصانع للنسيج تضم 1500 نولا آليا يبلغ إنتاجها السنوى 100 مليون متر تغطى300 نوع من أقمشة المنسوجات المختلفة و1500 طن منسوجات وبرية بجانب 8 مصانع للملابس الجاهزة بالإضافة لأكبر مصنع فى الشرق الأوسط لإنتاج القطن الطبى والغيارات الجراحية والأربطة الشاش، كما قامت الشركة بإنشاء مصنع كاملا للصوف عام 1939 أشرف عليه مستر "لينى" الإنجليزى الجنسية وكان يعشق المحلة ووقع فى غرام عاملة ملابس تدعى صفية وتزوجها بعد أن أشهر إسلامه وجعل منها أول لاعبة للتنس فى مدينة المحلة، كما أسهم فى نشر لعبة كرة القدم بين العمال من خلال إقامة دورى مصغر بين أقسام الشركة على كأس مهداة من سلطان بك رئيس قسم الورش واستغل أرض فضاء بجوار مصنع الصوف لٌإقامة أول ملعب ترابى كان يستضيف من خلاله فرق القوات الإنجليزية الموجودة بمعسكر الجلاء بالإسماعيلية للعب مع منتخب الشركة الذى تم تكوينه تحت قيادة المهندس توفيق عبد الفتاح كابتن الفريق ورئيس قسم السلندرات بالشركة وهو ما دفع المدير العام عبد الرحمن حمادة باشا لإنشاء أكبر مدينة رياضية عام 1948 ضمت ملعبا ضخما للكرة تسع مدرجاته 35 ألف مشجع.
 

طلعت باشا يتفقد عنابر الشركة مع شيوخ الأمة ونوابها

على الناحية الأخرى ظل طلعت حرب مهموما بأى عقبات أو مشاكل تواجه العمال أو الشركة حتى آخر أيامه واستعان بالإيطالى مستر "فيرارى" وكان من أشهر الفرازين فى مجال القطن وصاحب خبرة كبيرة حيث أسند إليه مسئولية فرز القطن الذى تجلبه شركة مصر وتحديد رتبته، بل أن طلعت حرب كان شديد الحرص على متابعة صحة العمال وتفقد نوعية الطعام الذى يقدم لهم بأجر رمزى وكانت هناك تعليمات صارمة بتقديم زجاجات اللبن المبستر لهم مجانا من خلال شركة مصر للألبان وذلك قبل دخولهم إلى العنابر من أجل حماية الجهاز التنفسى من الشوائب وغبار ماكينات الغزل.. وكان هذا الحرص والدقة فى كل شىء سواء للعامل أو الماكينة وراء منافسة الشركة للدول الصناعية الكبرى فى مجال الغزل والنسيج حتى أن مدينتا مانشستر ولانكشاير وكانا من أهم المدن فى صناعة المنسوجات بالعالم قد صممت مغازلهما على أساس صناعة غزل القطن المصرى القادم من شركة المحلة الذى يتمتع بخاصية عالمية فى طول التيلة ونعومتها ولمعانها بالإضافة إلى أنه يغزل حتى نمرة 300 وهى خيوط رفيعة جدا كخيوط الحرير ويصنع منها أرقى وأغلى الأقمشة فى العالم.
 

طلعت حرب يختبر جودة الطعام الذى يتم تقديمه للعمال بأجر رمزى

ولكن بعد تأميم الشركة وإهمال زراعة القطن بدأت المصاعب تعرف طريقها إلى العمال والشركة دون تفريق حتى أن صاحب العزة عبد الحميد بك حمدى الذى تولى مسئولية مدير عام المصانع خلفا لعبد الرحمن حمادة باشا تعرض للسجن بسبب خلاف فى وجهات النظر مع رجال الثورة عام 57 ولم ينقذه سوى الملك محمد الخامس ملك المغرب الذى اصطحبه معه هناك ليكون سببا فى النهضة التى تجنى المغرب ثمارها حتى الآن خاصة فى مجال الصباغة والتجهيز.
 

                                         عبد-الحى باشا خليل أحد-المؤسسين لشركة غزل المحلة وعضو مجلس إدارة بنك مصر

وأصبحت الإضرابات تعرف طريقها إلى "المكنجية" أو "الشركاوية" كما كان يطلق عليهم أهل المحلة زمان، وتسببت سياسة الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات إلى تراجع مبيعات الشركة نتيجة ظهور قوى منافسة من دول شرق آسيا وعمليات تهريب الأقمشة والملابس الجاهزة التى أثرت بالسلب على السوق المحلية أيضا حتى أن العمال اضطروا لبيع "الأفارولات" للإنفاق على أسرهم بسبب ضعف الأجور.. وجاء عام 75 ليشهد أكبر إضراب عمالى ضم 25 ألف عامل حيث خرج العمال للتظاهر فى شوارع المحلة هاتفين "بنبيع البدلة بأيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه.. وهما بياكلوا حمام وفراخ وإحنا الجوع دوخنا وداخ ".
 

ماكينات نسيج الكتان بمصانع المحلة وترى أحد العمال بملابسه الريفية يشرف على الماكينة

ورغم تكرار المظاهرات بين حين وآخر للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين الخدمات الصحية ومستوى المعيشة حيث حمل العمال نعشا للرئيس المخلوع حسنى مبارك عقب قيامه بإلغاء منحة المدارس عام 88 واعتصموا داخل المصانع لمدة يومين إلا أن أقوى هذه المواجهات وأخطرها ما حدث فى شهر أغسطس الحالى حيث استمر الإضراب عن العمل لأكثر من أسبوعين وتم اتهامهم بالعمالة من جانب بعض وسائل الإعلام وتعمد استفزازهم بتصريحات من بعض المسئولين لكن عمال المحلة فطنوا للفخ المعد لهم والتزموا ضبط النفس والسلمية فى تحركاتهم.. ويخطئ من يعتقد أن غضبة العمال كانت بسبب مطالبهم الشخصية فقط وإنما بسبب السياسات الخاطئة التى تنتهجها الشركة القابضة منذ سنوات عديدة بداية من عدم السماح بوجود مجلس إدارة منتخب يدافع عن حقوق العمال منذ عام 2007 حيث يدير الشركة مفوض عام فقط يتم اختياره بالتعيين من قبل الشركة القابضة وهو ما يعد مخالفة صريحة للقانون الذى لا يجيز استمرار المفوض سوى لمدة 3 شهور فقط فى حين تكالب على الشركة 7 مفوضين حتى الآن شهدت فى عهدهم أسوأ فترات حياتها بعدما أكد آخر تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات والصادر بتاريخ 30 / 6 / 2016 أن جملة خسائر الشركة بلغت 4,034 مليار جنية أي ما يعادل 3,3 مثل رأس مال الشركة البالغ 1,240 مليار جنيه وهو ما يستوجب تطبيق إعمال أحكام المادة 38 من القانون رقم 203 لسنة 91 بشأن استمرار الشركة من عدمه وأوضح التقرير أن سبب الكارثة المالية التى تواجه الشركة يرجع إلى بيع معظم منتجات الشركة بأسعار أقل من التكلفة وعدم استغلال الطاقة الإنتاجية للمصانع بالشكل الأمثل ونقص الخامات وعدم توافر أوامر تشغيل بجميع مراحل الشركة وانخفاض كفاءة الماكينات فى بعض الأقسام وتقادم خطوط الإنتاج وبطء تصريف مخزون الإنتاج لضعف إدارة البيع فى أداء عملها وانخفاض العمالة رغم زيادة الأجور بفارق 28 مليون جنية عن العام السابق.
 


وهو ما يؤكد أن صرخات واستغاثات العمال لإنقاذ هذا الصرح كانت فى محلها، خاصة أنهم يعانون من سوء خامات القطن التى تقوم الشركة القابضة باستيرادها من الصين وبوركينا فاسو وبنين مما أساء لسمعة منتجات الشركة ودفع العملاء الأوروبيين إلى التوجه لدول شرق آسيا التى تستحوذ على النصيب الأكبر من صفقات تصدير القطن المصرى صاحب الجودة والسمعة العالية حيث يقومون بغزله داخل مصانعهم باستخدام آلاتهم الحديثة وبيعة للأسواق الأوروبية بجودة عالية.. ورغم وعود المسئولين بوجود خطة للتطوير والتحديث وضعها مكتب "وارنر" الأمريكى حيث كان آخر تحديث لماكينات شركة غزل المحلة فى عام 1992 إلا أن تلك الوعود التى يسمع عنها العمال منذ سنوات مازالت حبرا على ورق.. وبات لديهم قناعة بأن "وارنر" لا يمكن أن يكون طلعت حرب.. وأن طلعت حرب مش راجع تانى .
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع