أفكار

من الميلاد إلى البعث.. لماذا يقدس اليابانيون "زهرة الكرز"

حظيت زهرة اللوتس بمكانة مقدسة لدى الحضارات القديمة فى كل من مصر والهند، وترمز هذه الزهرة وبتلاتها الخمسة إلى الأطراف الأربعة للإنسان ورأسه. كذلك الحواس الخمسة.. والأصابع الخمسة لليد الواحدة.. وتشبه الهرم وأيضا الجهات الأربعة للبوصلة.
وكانت زهرة اللوتس، رمز الخصب كما هو وارد فى الرسوم القديمة فى مصر والهند، تبرز من المياه وتفتح بتلاتها الخمسة كى تشعر بدفء حرارة الشمس ويتم تخصيبها.

ففى مصر تظهر زهرة اللوتس الزرقاء فى الرسومات الجدارية للأسرة السادسة فى هرم سقارة المدرج وكافة لوحاته الجنائزية، حيث تظهر فى شكل هدية للموتى تحملها الأيدى وكأنها تحمل فى طياتها القدرة على إعادة الموتى إلى الحياة من جديد ونجد هذه الزهرة ضمن الكنوز الجنائزية – التى عثر عليها بمقبرة الملك توت عنخ آمون- منحوتة على حجر اللازورد السماوى إلى جانب الصقر الذهبى والشمس، وكلاهما يرمز إلى الإله حورس.

ومنذ الرسومات الأولى لهذه الزهرة على الأحجار فى "سانشى" فى القرن الأول قبل الميلاد فى الهند، ارتبطت زهرة اللوتس فى الأذهان بـ"سرى" إلهة الخصوبة التى تحولت فيما بعد إلى "لاكشمى" إلهة الغنى والنماء التى يعبدها البوذيون واليابانيون والهندوس على حد سواء.
وقد ترسخت عقيدة تقديس الطبيعة والتعايش معها على سطح كوكب اليابان، وطغى هذا المبدأ على جميع جوانب الثقافة اليابانية. ويمكن أن نراه في كل شيء من تصميم الحديقة، الذي غالبا ما يحاكي مشاهد الطبيعة أو يقوم حتى بدمج صور الطبيعة المحيطة بها "مشاهد مستعارة" (شاكّيئي)، إلى الهندسة المعمارية المحلية العادية، باستعمال أوراق "شوجي" التي يمكن فتحها لمحو الحدود بين الداخل والخارج، ثم غلقها دون أن يمنع صوت الرياح والحشرات. بالنسبة لليابانيين فإنهم كانوا دائماً يعتبرون كل ما يخص الطبيعة في مظاهرها المتنوعة من الأصوات والروائح وحتى الإحساس (بالحرارة والبرودة) نعماً إلهية.
وترجع جذور هذا التقديس للطبيعة إلى مفهوم السكان الأصليين حول الغابات باعتبارها أماكن مقدسة تسكنها الآلهة أو تزورها. و"هيموروغي" وتعني الغابة البدائية ويتم تقديسها بشكل كامل، ولكن من بين ذلك يتم تقديس أقدم الأشجار وأضخمها بوجه خاص، حيث يؤمن اليابانيون بأنها تجسيد للإله. ويمثل هذه الفكرة شجرة كاموو نو أوكوسو (معبد كاموو هاتشيمان)، شجرة كينومييا ساما نو أوكوسو (معبد سوغيهوكوواكين نو ميكوتو)، وشجرة ريوجين بوكو (معبد تسيتسيبو إيماميا) وغيرها.
 
 
 
وتتماثل وتتجسد فكرة زهرة اللوتس كفكرة رئيسية تمثل دورة الميلاد ثم الموت والبعث بعد ذلك بكل معانيها فى زهرة الكرز"الساكورا"، التى تتميز بأن لها العديد من الألوان النقية وأن كان الأغلب هى البيضاء والوردية والمهجنة فيما بينهما، فهى رمز يستلهم اليابانيون منه عبرة قصر الحياة كون هذه الزهرة تتفتح أيام قليلة فقط ثم تتساقط ، فالساكورا تمثل الجمال المتألق والموت السريع ولهذا يتم ربطها بالفناء ومن أجل هذا السبب اكتسبت الساكورا كل هذه الرمزية فى المجتمع اليابانى لأنها تذكرهم بإنسانيتهم وفنائهم.
حيث كانت تزهر فى العصور القديمة فى الجبال فتأصل فى ذهن اليابانى إن آلهة الجبل - كانّابي“ هي الجبال الشامخة أو رائعة الجمال والتي تعامل على أنها مقدسة وتعبد باعتبارها آلهة في حد ذاتها. لعبت الجبال دورا بارزا في الديانة اليابانية منذ عصور ما قبل التاريخ. واعتبرت الجبال الشاهقة أماكن عدائية خطيرة للإنسان لا ينبغي المغامرة فيها. وفي الوقت نفسه، كانت تبجل باعتبارها مصدراً للجداول التي تهب الحياة وللأنهار التي تتغذى عليها المزارع والقرى الموجودة في سفوح هذه الجبال، أو قد تغمرها بالمياه عندما تفيض ضفتاه.- تسكن فى بتلات أزهار الكرز، وأن آلهة الجبل تزور القرى فى موسم حصاد الأرز (فى فصل الخريف) ثم تعود إلى الجبال مرة أخرى بعد الحصاد (فى فصل الربيع) حيث تزهر أزهار الكرز.
وتفتح زهور الكرز يبدأ فى "أوكيناوا" فى شهر فبراير ويصل إلى "كيوتو وطوكيو" فى نهاية مارس أو بداية شهر أبريل - مُعلنةً بذلك بدء "هانامي" أو موسم مشاهدة الزهور- وبعد ذلك تواصل موجة أزهار الكرز تفتحها فى الشمال وصولا إلى هوكايدو بعد بضعة أسابيع. وتختلف فترة ومدة تفتح زهور الكرز باختلاف المنطقة والطقس كل عام. وفى الأرخبيل اليابانى الذى يمتد من الشمال إلى الجنوب تسير "موجة تفتح زهور الكرز"بالعكس من الجنوب إلى الشمال، ومن مستوى الأرض إلى الأماكن المرتفعة كالهضاب والجبال، حيث تبدأ بـ "هيكان" بمحافظة أوكيناوا فى شهر يناير وينتهى بـ" إيزوياما" فى هوكايدو فى شهر مايو. وفي بعض السنوات تزهر أشجار الكرز في "طوكيو" قبل إزهارها في "كيوتو" المتواجدة على بعد ما يقارب الـ ١٠٠٠ كيلومتر جنوب غرب العاصمة. كما أن توقيت ومدة الإزهار يختلفا من عام إلى آخر إلى حد يثير الدهشة، وحتى بالنسبة لنفس الأشجار.
 
وعندما تتفتح زهور شجرة ساكورا معينة تتم الإعلان عنها فى الأخبار، ثم يتم بعد ذلك الإعلان عن حالة التفتح مثلا التفتح 10 % والتفتح 50% والتفتح الكامل. 
ويقال إن اليابانيين في عصر "نارا" (٧١٠-٧٩٤) كانوا يستمتعون بمشاهدة تفتح زهور المشمش الياباني والتي أتت من الصين في ذلك العصر. ولكن في عصر "هيّأن" (٧٩٤-١١٨٥) بدأ الناس ينقلون أشجار الساكورا البرية إلى العاصمة ويستمتعون بمشاهدة تفتح زهورها. وبالتدريج بدأ النبلاء في ذلك العصر في إقامة حفلات وولائم تحتها. 
وفي ذلك الوقت كان لزهور الساكورا شعبية كبيرة جداً إلى درجة أن كلمة "زهرة" كانت تشير إلى الساكورا.
 وقد أحب اليابانيون زهور الساكورا التي تتفتح وتسقط في فترة قصيرة كـزهرة تعبر عن الجمال قصير العمر ونظم النبلاء شعر ياباني "واكا" تحدث عن الساكورا كثيراً.
 
أما في عصر" إيدو" (١٦٠٣-١٨٦٨) فقام الشوغون-الحكومة وقتئذ- بغرس أشجار الساكورا في كل مكان في العاصمة إيدو ودعا إلى الاحتفال بمشاهدة زهور الساكورا، وهذا كان سببا في انتشارها بين عامة الشعب. كما أصبحت الاحتفال بمشاهدة تفتح زهور الساكورا موضوعا لـ"الراكوغو" الذي كان بمثابة الشيء المسلي بين عامة الشعب من حينها حتى الآن حيث يقوم اليابانيون بإفتراش الحدائق أو على ضفاف الأنهار التي تتفتح على جانبيها زهور الساكورا ويستمتعون بالأكل والشرب مستمتعين بالمناظر الخلابة لتلك الزهور البديعة. وفي هذه الولائم يشرب اليابانيون أنواعاً من الكحول مثل البيرة والساكي أو الشووتشوو (مشروب كحولي قوي) مع فول الصويا الأخضر والدجاج المقلي والسوشي وكرات الأرز أو الاستمتاع بحفلات شواء اللحم.
كما أن مشاهدة زهور الساكورا المضاءة بالليل أصبح أمراً له رواج وشعبية كبيرة في الآونة الأخيرة. توقعات توقيت تفتح الأزهار هي نوع من ألعاب الرياضة والتكهن في اليابان. 
وأصبحت هذه العادة سمة مميزة من سمات الربيع في اليابان. وهناك معلومات تشير إلى أن ٦٠٪ من اليابانيين يقومون بمشاهدة زهور الساكورا المتفتحة كل عام.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع