أفكار

في ظلال رحلة الرئيس..

من إفريقيا خرج الإنسان الأول وإلى مصر تعود أصول دياناتها

ثمة ربط بين قصات الشعر الإفريقية والقدماء المصريين

فى إفريقيا كان البدء، فمنها خرج الإنسان الأول ـ كما هو معروف حتى الآن ـ ومنها خرجت أول وأعظم حضارة إنسانية راقية عرفها البشر هى الحضارة المصرية، وفيها تمدد نهر النيل ليربط بين شعوب إحدى عشرة دولة هى دول حوض النيل كأطول شريان مائي، ليجرى فيه دم الحياة فى جسد واحد، فكانت هذه الشعوب الأقرب لبعضها البعض معيشيا وثقافيا وحضاريا.
 
فيه انتشرت الديانات المصرية القديمة ووصلت إلى أعماق القارة، ولا تزال فى منطقة البحيرات العظمى رواندا وبوروندى وأوغندا ومناطق أخرى من تنزانيا وكينيا تعيش أبقار الأنكولى واتوسى والتى سبق أن كتبنا عنها هنا فى "بوابة الحضارات" التى استأنسها المصريون القدماء منذ ستة آلاف عام وعبدوها باسم الربة "حتحور"، ربة السماء والحب والجمال والأمومة والسعادة والموسيقى والخصوبة، وانتشرت صورها ومنحوتاتها فى كثير من المعابد الفرعونية، وقد وضع القمر بين قرنيها باعتبارها الربة الأم التى تحيض كل ثمانية وعشرين يوما وهى فترة الشهر القمرى .
المتتبعون لتاريخ هذه البقرة يقولون إنها هاجرت مع مالكيها المصريين إلى الحبشة منذ ما قبل ألفى عام قبل الميلاد، ومن هناك انتشرت فى باقى دول حوض النيل، وهى الآن بقرة متوجة فى هذه الدول، لمكانتها وجمال خصالها لدرجة أنهم يكتبون فيها شعرا، ويتعاملون معها باحترام شديد . 
 
 مالا يعرفه الكثيرون أن ثمة شغفا كبيرا فى دول حوض النيل للربط بين الفراعنة وبين ممالكهم القديمة، خصوصا فى رواندا وأوغندا، ففى رواندا يربطون بين الملك رمسيس الثانى وبين محاربيهم القدامى، فى محاولة لتثبت انتماءه إلى هذه المنطقة من إفريقيا، مستندين فى ذلك على التشابه بين تقاطيع الوجه، وتشريح الجسد، وتسريحات الشعر، ليس هذا فحسب بل هناك من يرى أن الفراعنة هم امتداد لمنطقة البحيرات العظمى معتمدين فى ذلك على كل ما سبق، بالإضافة إلى أصول مفردات تعود إلى مصر القديمة ولا تزال مفردات تولدت منها مستخدمة حتى الآن.
 

المعبودة حتحور خرجت من مصر إلى دول حوض النيل

شرق إفريقيا
ليست دول البحيرات العظمى التى ترى ارتباطها بالحضارة المصرية القديمة، ولكن مناطق أخرى عدة فى شرق السودان، مثل قبائل البجا وأخرى فى شرق إفريقيا، ويأتى استناد البعض فى إثبات ذلك إلى أقوال بعض المؤرخين ومنهم المؤرخ اليونانى ديودور من صقلية فى كتابه "التاريخ العالمي" إن أكثر من مائتى ألف من المصريين القدماء غادروا مصر مهاجرين باتجاه إثيوبيا وشمال شرق إفريقيا بعد الغزو الأوروبى والآسيوى فى أواخر أيام الإمبراطورية المصرية فى القرن السادس قبل الميلاد، ويرى أن قبائل شرق إفريقيا كالصوماليين والعفر، فضلا عن قبائل التوتسى فى رواندا وبوروندى وغيرهما من دول حوض النيل لديهم ثقافة المصريين القدماء نفسها، ولغاتهم قريبة من اللغة المصرية القديمة .
الإشعاع الحضارى المصرى لم يتوقف عند العقائد، بل تخطاها إلى النشاط البشرى من بيع وشراء وتبادل تجاري، خصوصا مع دول شرق إفريقيا منذ التاريخ القديم، حيث كانت تجارة البخور والخشب والصمغ والذهب والجلود وغيرها، فى عهد الملكة حتشبسوت مزدهرة وحاضرة دائما .
 


الحضارة المصرية فى شمال وغرب إفريقيا..
شمس الحضارة المصرية القديمة لم تتوقف على الإشعاع فى دول حوض النيل وشرق إفريقيا فقط، بل عمت الشمال الإفريقى كله بما فيه بلاد الأمازيع، وشاركت دول هذا الشمال المصريين دياناتهم وعباداتهم ومنها عبادة آتون "قرص الشمس"، وعبادة الكباش، بل امتدت عبادة إيزيس جنوبا إلى قبائل الدوجون الذين يسكنون هضاب باندياجارا فى مالي، و أكثر النظريات تداولا، التى تتعلق بوجود هذه القبيلة تقول إن الدوجون مصريون، نعم مصريون هاجروا من مصر القديمة عبر ليبيا وصولا إلى موريتانيا وغينيا, ثم مكانهم الحالى فى منحدرات باندياجارا فى إقليم موبتى وسط مالى قبل حوالى 3200 عام قبل الميلاد هربا من الغزاة أو الجفاف أو ربما لأسباب أخرى .
أما لماذا الميل إلى كونهم مصريين، فيكمن فى معرفتهم العظيمة بالفلك خصوصا فيما يتعلق بنجم الشعرى اليمانية المعروف باسم "سيريوس"، الذى كان معروفا لدى الفراعنة بنجمة إيزيس " Sothis "، وكانوا يعتمدون عليه فى التقويم الخاص بفيضان النيل والزراعة .
 
ويفترض الباحثون والمهتمون بثقافة الدوجون بأنهم أى الدوجون عندما هاجروا من مصر إلى هذه المنطقة فى مالى فإنهم جلبوا معهم المعرفة المقدسة من مصر، فى شكل تقاليد شفوية تعود فى أصلها إلى كهنة مصر القديمة خصوصا تعاليم عبادة إيزيس وعلاقتها بالنجم سيريوس، وكذلك معرفتهم بتابعه الذى يدور حوله فى حركة بيضاوية "سيريوس ب" الذى تحدثوا عنه منذ القدم وقبل سنين طويلة من اختراع التليسكوبات.
 

عبادة الكباش كما كانت في مصر وجدت في المغرب

ديانات مصر القديمة لا تزال حية.. 
كثير من الباحثين فى علم المصريات يربطون بين ديانات غرب إفريقيا " التقليدية " وبين الديانات المصرية القديمة، بل هناك من يردها إلى أصولها المصرية من خلال الكثير من الملامح، مثل عبادة "أوريسا "، خصوصا لدى قبائل اليوروبا فى نيجيريا، وقبائل الأشانتى فى غانا. 
ليس الدوجون فقط الذين يردهم الباحثون إلى مصر القديمة، ولكن قبائل أخرى عدة هاجرت من مصر، ونقلت معها الحضارة المصرية، ولا تزال هذه القبائل فاعلة فى محيطها ومنها على سبيل المثال قبيلة الفولانى التى تنتشر فى عدد من دول غرب إفريقيا، حسب قول المؤرخ السنغالى " شيخ أنتا ديوب " وباحثين آخرين مثل س . ك . ميك , وشونتر ( (Shantre وبروكا ( ( Broca، اللذان ينسبانهم إلى الفلاحين المصريين .
 

لاتزال هذه البقرة بقرونها المميزة منتشرة في دول حوض النيل

الفترة المسيحية والإسلامية.. 
لم يتوقف الإشعاع المصرى عند الفترات الفرعونية المتتالية، ولكنه ظل فاعلا وبقوة فى الفترات اللاحقة، ففى الفترة المسيحية نجحت الجغرافيا فى توطيد علاقات وثيقة بين مصر وإثيوبيا، وأولها الروابط الدينية التى جمعت بين البلدين،‏ والممثلة فى علاقة كنيسة الإسكندرية المصرية وكنيسة إثيوبيا منذ اعتنقت إثيوبيا المسيحية فأساقفة إثيوبيا كانوا يرسمون من كنيسة الإسكندرية حتى بداية ستينيات القرن الماضى .
وتعود العلاقة بين الكنيستين المصرية والإثيوبية إلى النصف الأول من القرن الرابع الميلادى حين قام بابا الإسكندرية أثناسيوس الرسولى بسيامة أول أسقف لإثيوبيا وهو الأنبا سلامة فى عام 330م.
ومنذ ذلك الحين جرى التقليد بأن يكون رأس الكنيسة الإثيوبية أسقفا مصريا يرسله بابا الإسكندرية وبذلك تعتبر كنيسة الإسكندرية الكنيسة الأم لكنيسة إثيوبيا التى أصبحت جزءا من كرازة مارمرقس الرسول، واستمرت كنيسة الإسكندرية فى سيامة وإرسال مطران كرسى إثيوبيا حتى عام 1959 حين توجت كنيسة الإسكندرية الأنبا باسيليوس كأول بطريرك إثيوبى للكنيسة الإثيوبية بعد مراحل من المفاوضات بين الكنيستين استمرت من عام 1941 إلى عام 1959.
وخلال تلك الفترة الطويلة من الزمن لعب أساقفة الأقباط دورا مهما فى إثيوبيا فى تنظيم الكنيسة ورعايتها وفى تشكيل تقاليد الكنيسة الاحتفالية والتعبدية، وعن طريق مصر أيضا امتدت المسيحية إلى السودان والدول المجاورة .
 
أما فى الفترة الإسلامية، فكانت مصر كما هو معروف بوابة نشر الإسلام فى إفريقيا عبر طريقى الغرب والجنوب، فتوغل الإسلام وانتشر فى دول شمال القارة ودول الساحل والصحراء وما دون الصحراء، ومنها خرج الإسلام جنوبا وشرقا إلى السودان ودول شرق إفريقيا، أما فى العصر الحديث، وليس فى هذا جديد، هو أن مصر عبدالناصر هى التى قادت ثورات التحرر فى معظم دول إفريقيا، وأصبحت قبلة قادة التحرر فى إفريقيا من غربها إلى شرقها إلى وسطها بل وجنوبها حيث حرص الزعيم نيلسون مانديلا على مقابلة عبدالناصر وجاء إلى القاهرة من أجل ذلك، ولكنه غادر ولم يقابله، ليقبض عليه بعد ذلك ويسجن لمدة 27 عاما.
 
وتبقى مصر دائما، قلب إفريقيا النابض قديما وحديثا، حضاريا وثقافيا، وعلى كل الأصعدة، ولكنها فى الوقت نفسه حينما كانت كذلك، كانت قوية، وكان يقودها قادة أقوياء وليس أدل على ذلك من فترة جمال عبدالناصر التى جمعت كل قادة التحرر فيها من شرقها فى تنزانيا إلى غربها فى غانا وغيرها من دول غرب القارة، ولكن للأسف فى فترة ما تكاسلت مصر عن القيام بدورها تجاه إفريقيا، فأدارت إفريقيا ظهرها لها، ولكن اليوم بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، تنهض مصر من جديد، وتدرك أن لها عمقا هو إفريقيا، بعليها أن توطد علاقاتها بكل دوله ومكوناته، وهاهو الرئيس فى رحلته الأخيرة إلى تنزانيا ورواندا وأوغندا والجابون يرسخ من جديد لدور مصر الحضارى تجاه أشقائها فى القارة، ويعيد وصل ما انقطع، ويؤكد من جديد انتماء مصر للقارة السمراء، ويطلق من جديد هذا الإشعاع الحضارى الذى امتد إلى إفريقيا عبر آلاف السنين، فمصر الآن بإمكانها أن تقدم الكثير مما كانت تقدمه من قبل فى إطار قوتها الناعمة، عبر الأزهر بمنحه لأبناء القارة، أو المنح التعليمية من الجامعات المصرية، أو الخدمات الطبية، بما اشتهر به أطباؤها من مهارة، فضلا عن التواصل الثقافى وغيره من الأدوات التى تمتلكها البلد، فإفريقيا هى الأقرب إلى مصر حضاريا وثقافيا ومعيشيا، وترى فى مصر البديل عن كثر يتحركون فى ساحتها الآن من أجل كسب مواقع لهم، يؤسسون عليها مبادلات تجارية أو منافع اقتصادية وغيرها من سياسات نفعية . 
 

(36 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع