أفكار

المرأة وقضايا الحِسبة..

مكيال الإيمان المتأرجح

هيباتيا

اتفق رجال الأديان على أن يختلفوا إلا فيما يخص المرأة. يُمسكون بالمكيال يقيسون به درجة إيمانها، فإن انخفضت درجة تكون وثنية كافرة، وإن زادت درجة أو أكثر اعتبروها مهرطقة ومشعوذة ساحرة، والعقوبة واحدة فى الحالتين وهى التقتيل؛ أى القتل بأن يجتمع عليها صنفان من العذاب أو أكثر حتى الموت.. ففى الإسكندرية وغير بعيد عن مكتبتها القديمة، قتل الغوغاء من المؤمنين الجُدد"هيباتيا"، التى قال عنها كارل ساجان: "هيباتيا، آخر بريق لشعاع العلم من مكتبة الإسكندرية"، وتكون هيباتيا أول شهيدة للعلم فى أول قضية من قضايا الحسبة، لأنها وعلى الرغم من علمها وثقافتها، لم ترقَ إلى مرتبة الإيمان المطلوبة بمكيالهم. وبعدها بسنوات عديدة، وفى مكان آخر، لقت عذراء أورليانز "جان دارك" حتفها فى قضية حسبة من نوع آخر، فقد فاق إيمانها الدرجات المسموح بها حتى فاض المكيال وطغى..
 
هيباتيا السكندرية، وعذراء أورليانز؛ دارك، نموذجان لكفاح المرأة، ليس من أجل عمل يوفر لقمة العيش اليومي، ولكنه كفاح العقل والقلب حينما يتجاوزان حدود الجسد إلى سماوات أخرى، يتجاور فيها العلم والدين جنبا إلى جنب، وهذا لا يدركه رجال الدين. آمنت "جان دارك" بوطنها، وتوالت عليها الرؤى تعلمها وتتعلم منها وتقودها إلى غايتها فى تحرير وطنها، ولكن كيف يسمح رجال الدين بذلك؟ فهل تأتى النساء بخير، أو هل يوحى الرب للنساء؟! وأدركته "هيباتيا" عندما آمنت بالعلم وأنه لا تناقض بينه وبين الإيمان ، فكانت ترى أن من الأفضل أن نصل إلى الله بقلب عالِم، أفضل من الوصول إليه بعقل جاهل.
 


"الله معرفة ونور، وهو إذا كان قد أودع نوره فى قلوب الرسل والأنبياء، فذلك ليقتبس الإنسان النور منهم، ويدرك أن فى وسعه بهذا النور أن يفكر بعقله المستقل، ويتصل بنور الله نفسه. فالفلسفة لا تعترض الدين إذ أن الدين عاطفة وضمير، والفلسفة بحث فى أصل هذه العاطفة وهذا الضمير.. وهذا إعلاء لشأن الإنسان، وتمكينا له من فهم سر وجوده، ومعالجة شئون دنياه، والجمع بين ضميره الدينى وعقله البشرى فى وحدة داعية ورائعة ترمز إلى الوحدة الكاملة الكبيرة التى هى الله".
 
هيباتيا (370 - 415م) ابنة الفيلسوف "ثيون" آخر زملاء متحف الإسكندرية «السيزاريوم»، عالمة الفلك والرياضيات والفيزياء ورئيسة المدرسة الفلسفية الأفلاطونية، عاشت إبان العهد الرومانى مع بداية انتشار الدين المسيحى فى العالم، كانت تُدرس الطلاب من مختلف الأجناس, بغض النظر عن كونهم يهود أو مسيحيين أو وثنيين، تقدم العلم للجميع، تعلمهم السمو فوق اختلافاتهم وخلافاتهم. تعلمهم أنه لا تعارض بين المعرفة والدين، أو بين الفلسفة والدين فكلاهما فى نظرها نوع من التنوير أو الكشف المعرفي. ولكن هيباتيا التى مثّلت رمزاً للعلم والمعرفة فى حينها كانت تمثّل بالنسبة لرئيس الأساقفة رمزاً للوثنية والإلحاد، فهو يرى أن العلم فى الكتاب المقدس فقط، ولا يوجد أى دور للعقل أو شيء اسمه العلم، إلى جانب أنه اعتبرها عائقا كبيرا يقف فى وجه انتشار الدين الجديد بسبب صداقتها بحاكم الإسكندرية الذى رفع من شأنها وجعل لها منزلة عالية إجلالا لعلمها.
 


 وكما ينتقل الوباء سريعا، تربى فى حِجر رجال الدين جيل من (الدواعش) يعتقدون أنهم رجال الله المتحدثين باسمه، خرجوا ، يقطعون على هيباتيا الطريق بينما كانت فى طريقها إلى العمل، جرّوها من داخل العربة التى تقلّها، سحلوها فى الأزقة القريبة من مكتبة الإسكندرية، مزّقوا ثيابها، وبأصداف البحر قشروا لحمها عن جسدها، ثم حرقوا بقايا جسدها مع كتبها ومؤلفاتها العلمية فى 8مارس عام 415م. وتذهب هيباتيا شهيدة العلم، بأيدى دواعش الفكر الذين رأوها قليلة الإيمان، وثنية تستحق التقتيل على مكيالهم المتأرجح، ويسدل الستار تماما على عصر الحضارة الهيلنيستية.
 
ولم تكن قلة الإيمان هى التهمة القاتلة الوحيدة ، بل كانت زيادة معدل الإيمان تهمة أيضا !! فإذا كانت تهمة الفيلسوفة السكندرية هيباتيا قلة الدين وأنها وثنية، فقد كانت تهمة "جان دارك" الفرنسية زيادة التدين عن المعدل المسموح به على مكيال رجال الغفران.
 
وإن كانت "هيباتيا"آمنت بالعلم، فقد آمنت "جان دارك" ابنة الثالثة عشر ربيعا بوطنها، حتى باتت تسمع أصواتا تحثها على الدفاع عنه بكل الطرق وتدعوها إلى تحرير بلدها من الاحتلال الإنجليزي، ارتبطت عندها محبة الوطن بتعاليم السماء فكانا رسالتها فى الحياة. بعد محاولات أقنعت "جان دارك" الملك وابنه بعزمها محاربة الإنجليز وتنصيب تشارلز ملكا كما رأت فى رؤياها، فوهبها الملك اثنا عشر ألف جندي، قادتهم إلى أورليانز لتحريرها، وكتبت رسالة إلى ملك بريطانيا قائلة: 
"أرسلنى المتعالى ملك السماوات والأرض لطردك من أراضى فرنسا، التى انتهكتَ سيادتها وعثت فيها فساداً… لو أطعتني؛ فسأرحم رجالك وأسمح لهم بالذهاب إلى ديارهم، وستذهب المملكة إلى الملك تشارلز، الأحق بالإرث… وإلا سنشعلها حرباً ضروساً لم ترَ فرنسا مثلها منذ ألف عام".
 


ووقعت الحرب، وانتصر الجيش بقيادة الصبية المؤمنة بوطنها وتتحرر أورليانز ويتم تنصيب تشارلز ملكا شرعيا. ولم تكتف جان دارك بذلك، بل واصلت الزحف فى اتجاه باريس ومن نصر إلى آخر، حتى سقطت ضحية الخيانة،ويتم بيعها، لينتقم منها الإنجليز تحت ستار الدين،لأنهم أدركوا أن أى تهمة أرضية لجان دارك لن تفلح فى التخلص من محبة الناس الذين انساقوا وراء إيمانها العميق بأن لها رسالة على الأرض لابد أن تنجزها. ولذلك كانت تهمتها السحر، وهى التهمة المساوية للكفر، لن تنجو منها الفتاة أبدا، فالتهمة تتضمن طردا من ملكوتهم الأرضي، والملكوت السماوى الذى بات مرتهنا بكلمة من مخلوق بشرى سمح لنفسه أن يقنن معايير الإيمان . وقـُدمت جان إلى محكمة كنسية فى 21 فبراير من عام 1431، وتعقد أولى جلسات محاكمة عذراء أورليانز، وتجلس على كرسى صغير غارقة فى أصفادها أمام خمسة وأربعين من رجال الكنيسة على رأسهم الكاهن(كوشون) .وتستمر الجلسات، والكهنة مصممون على إثبات تهمتهم الرائجة وقتها"الهرطقة والشعوذة".وأخيرا وبعد أشهر من السجن والعذاب، أعتُبرت جان دارك بموجب قرار المحكمة ملحدة ومرتدة وهو ما ترتب عليه حرقها حية فى 30 مايو1431 م وهى فى التاسعة عشر من عمرها. 
 


وأحرقت عذراء أورليانز حية، واستمتع المشاهدون برؤيتها تتعذب مثلما فعلوا بهيباتيا حين تلذذوا بنهشها بأصداف البحر باسم الدين أيضا. إن اختلف النهاشون فالموضوع واحد؛ بشر ظنوا أن الله فوضهم ونصبهم أربابا، يمسكون بمكيال الإيمان فيحكمون على هذا بدخول الملكوت ويطردون ذاك منه... وتمر السنون وتتحول جان دارك إلى قديسة، وتؤلف عنها الكتب، وتنسج عنها المعجزات الخارقة، وتصبح شفيعة. ولكن ما جدوى أن تتحول إلى قديسة بحكم محكمة قد أصدرت حكم إحراقها من قبل؟ وما جدوى أن تتناولها الأقلام، والأفلام، والتى يقال أنها تعدت المائة فيلم إن لم ندرك مغزى الواقعة نفسها فى خطورة أن يتولى البشر مسئولية الآلهة على الأرض؟ 
 

من رسم الألماني هيرمان أنطونيو عام 1843
وما جدوى أن نقرأ عن هيباتيا أو أن نشاهد أفلاما عنها؟ وعلى سبيل المثال، الفيلم الإسبانى "أجورا" تم إنتاجه عام 2009، وأخرجه المخرج التشيلى الإسبانى أليخاندرو آمينابار، وشارك فى كتابته أيضاً مع الروائى ميتيو جيل، وقام ببطولة الفيلم راشيل وايز وماكس مينغيلا، شاهدنا فى هذا الفيلم فترة القرن الرابع الميلادى ومدى التطرف الدينى الذى عاشته الإسكندرية، حين أصبحت المسيحية الدين الرسمى للإمبراطورية الرومانية، وما حدث من اقتحام المعابد الإغريقية والرومانية، وقيام الجماعات المتطرفة باقتحام مكتبة الإسكندرية وهدم التماثيل وتحطيم الرموز الفنية وحرق الأبحاث العلمية والوثائق والخرائط بدعوى انتمائها للتراث الوثني، وقيام أحد الأساقفة بالإسكندرية ويدعى "سيرل" بضرورة التنكيل والفتك باليهود المقيمين فى الإسكندرية ونهب ممتلكاتهم وقتلهم، كذلك الدعوة لمنع عمل النساء، وضرورة عودة المرأة وبقائها فى المنزل وحظر عملها بالتدريس أو الفكر وعدم الاستماع إليها، والتحريض على قتل هيباتيا كونها وثنية وساحرة تضلل البشرية بعيدا عن طريق الرب، كل هذا شاهدناه وأكثر فى "أجورا" والسؤال الآن، ما جدوى مشاهدتنا لهذا الفيلم وغيره إن لم ندرك خطورة تفريخ الدواعش فى أحضان رجال الدين فى كل زمان ومكان؟
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع