أفكار

التاريخ الإنسانى للسد العالى..

مقدمة (2) : السخرة ومخايلات التاريخ

من بين كل من قابلتهم ممن عملوا فى السد العالى لم يضعنى فى مأزق سوى عامل تراحيل.. هذا الرجل تجسيد لرحلة طويلة من التاريخ التحتى المسكوت عنه، بكل ما يحويه من قهر واستخفاف بالإنسان. هو وقد عمل فى الوسية بالسخرة خلال أربعينيات القرن الماضى، تسيطر عليه روح السخرة بكل ما تحمله من مشاعر متضاربة.. وكعادة المصريين إما أن يحولها إلى سخرية أو يحيلها إلى الأسطورة.
 
عربى أبو عبد الله؛ عامل التراحيل علمنى أنا الحاصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ معنى جملة وليم فوكنر الروائى الأمريكى "التاريخ لايموت".. هذا الرجل وعبر ترحيله تسلم أخرى تنقل مشياً على قدميه – كان عمال التراحيل الصعايدة ينتقلون من ترحيلة إلى أخرى مشياً على الأقدام – من الأقصر إلى العريش ومنها إلى السودان، ومنها إلى أسوان رحلته الأخيرة حيث عمل فى السد العالى كعامل حجار؛ كان عمله يبدأ بعد التفجير حيث يتم ربطه من وسطه بالحبال وعليه معالجة الأحجار التى تشرخت ولم تسقط، وذلك بواسطة وضع سن العتلة فى الشرخ والضغط إلى أن يسقط الحجز أسفل الجبل. هذه المهنة كانت من أشق المهن، فمن يسقط من ارتفاع خمسين متراً مصيره محتوم، وقد سقط العديد من العمال.

المأزق الذى وضعنى فيه أنه تكلم كثيراً عن الرئيس جمال عبد الناصر، ولم يكن هدفى جمع تاريخ الحاكم فهو متوفر بكثافة. كما لم يكن مناسباً أن أقاطعه أو أفرض رأيى عليه. كانت الأمانة تقتضى أن احترم ما يراه دون حذف أو إضافة. بعد تأمل وجدت أن لديه ولو بعض الحق على الأقل، فلولا الإرادة السياسية الصلبة لما تحقق المشروع. ودون القدرة على التحدى من القيادة السياسية ما انتقل هذا التحدى إلى العمال الذين كانوا يصارعون الزمن لإتمام العمل فى موعده.. لفت نظرى أيضاً إلى: كيف يرى الرجل البسيط العادى معنى الزعامة بعيداً عن سفسطة المثقفين . كانت كلماته التى ستأتى إليها فيما تبدو ساذجة، لكن لو تأملناها قليلاً فسنجد أنها عميقة الدلالة.



فى أول الحوار قال لى: " هما فى الأول لما ابتدوا فى السد كانوا عايزين يعملوه بالكرابيج ". وحين سألته: هل رأيت الكرابيج ؟. أكد أنه رآها فى المخازن. ثم انتفض وقال: " بس الرئيس جمال عبد الناصر الله يفتح عليه قال : لا متضربوش الناس، كتروا الورادى وكتروا الفلوس والناس حتشتغل". رحت اتقصى الأمر لكن الجميع أكدوا أن ذلك لم يحدث.. وفى حوار مع أحد الموظفين الذين عملوا فى العلاقات العامة فى السد قال لى: أنا رأيت فعلاً هذه الكرابيج فى المخازن، لكنها لم تكن للعمال. قبل أن يبدأ العمل أثناء فترة الرفع المساحى كان المهندسون يستخدمون البغال لأن الطرق الممهدة لم تكن موجودة. هنا توقفت طويلاً أمام ثقل التاريخ، فالرجل بمجرد أن رأى الكرابيج قفز إلى ذهنه تاريخ طويل من السخرة، خاصة أن المشروعات الكبرى منذ عصر محمد على تمت بالسخرة .
 
ربما كان من المفيد أن يلخص لنا أجواء العمل،  يحكي: " ابتدينا الشغل كان فى حاجه اسمها محطة ضغط الهوا، دا كان يمد جميع الآلات اللى بتشتغل بالهوا ويمد شركة الأسمنت يدفع الهوا يمشى الأسمنت فى المواسير. وكانت شركة الأسمنت عاملة كسارات من الحجر منه فيه وتشتغل الخرسانة. راحو طلعونا الورش المركزية دى كانت حاويه من كل شىء؛ فى حل المواتير والدولم والمارش يتنصف فى أفران غسيل بالكهربا والبوطاس يطلع الموتور والدولم والمارش فوق فى ورشه ويتركبوا ويطلع جاهز على ورشة التشغيل.. فى كمان ورشة المقصات دى كانوا يجيبوا الصاج اللى قد الحيطة يقصه المقص، مقصات تخاف منها. فى ورشة الحدادين فيها أفران بحجم البيت 3 مرات يجيبولها العمدان بتاعة مكن البوركيشن اللى هو بتاع التخريم. العمود داله وجهين يخش الفرن يطلع مولع فى ونش بكلاب يروح ماسكه ويطلعه على الصاج، الصاج يوديه تحت المندانه تسحبه وتشتغل تك تك تطرقه على أربع نواحى. دا ما كانش يقدر يشيله 5 أنفار من التقل ويركبوه، المكنه دى كانت تعمل أخرام فى الجبل،  والعربيات تروح بالبلاميت ( الديناميت )يتفرغ. 



الخرم يشيل عربيه كامله، طبعاً التفجير له ناس، وقبل التفجير فى صفاره تضرب تطلع هوا فوق بالنفس عاليه تخرم ودنك، كله يسيب الميدان. بعد ما تضرب الضربه كان أحياناً الحجاره توصل للمستعمرات على بعد 2 كيلو، لأنه كان يضرب من الشرق يعدى للغرب. كان الجبل بعد ما تضرب الضربه أحيانا ما يتاخدش للآخر يعنى الضربه متخلصش، فى مكن اسمه المزنر. ياخد اللى تحت يطلعوه ويمشى زى المدافع يشتغل فى الجبل،  لما يوصل الذخيره أحياناً يكون فيها جزء راكد يروح ضارب ياخد اللى فى وشه.. كان فى ناس تقعد معلقة فى الجبل،  ضربها ومحدش قادر يجيبها. تقعد تشابى بالصندوق لما ما تقدرش تجيبه تروح الكراكه ضاربه الجبل من تحت، تقعد تهز الجبل يروح نازل مع الجبل إن كان كتير ولا قليل يلموهم بتوع تركيبات الخرسانه.

التركيبات دى كانت تتصمم بره سياخ جامده تتحمل على مقطورات ويشيلها الونش تطلع على البغل ؛ البغل دا زى عيون الخزان تلقاهم عاملين بوايك. عربيات الرولزرويس والجوندرال تحمل الحجارة وترمى فى الخلف.الجوندرال دا له اتنين شكمان واتنين سرينه وجوه فى الكابينه سرير ودولاب لعفش السواق ومطرح للشاى والأكل والشرب وطفايه. وبعدين العجل فيه فنطاس ضغط هوا من داخله يتنفخ ويتعبى منه فيه محدش يقدر يحله، لأن العجل كبير أعلى من البنى آدم. وفى شكل تانى يودى الجبارات ودى زى الصنادل تفتح وتقفل لوحدها تفضى وتقفل،  دى جابوها من بره وبعد كدا المصريين عرفوا تصميمها وصمموها هنا. كان فى ورش لكل حاجه ؛ ورش البرادة والخراطة تخرط أى قطعة غيار،  الموتور اللى يتحرق يدخل ورشة لف المواتير. فى ورش اسمها ورش الأكسجين،  ورش الاسطوانات ورش التبريد،  ورش الحامض،  ورش غسيل العربيات،  ورش الصاج، بطن العربية لما يحمت (يتآكل) من كتر الحجر يعملوله تبطين بالصاج مفيش حاجة تيجى من بره. سألته عن أجواء مستعمرة عمال التراحيل قال: " بلوكات عبارة عن عنبر طويل له فتحة وشبابيك وتخش فى طرقه وسراير معمولة بالصبة، كتلة واحدة من الجهتين. انت لما تخش تمشى وسط الاتنين وكل سرير تحته باب بقفل تحط حاجتك،  وكل سرير عليه مرتبة وبطانية. كل عنبر فى خمس فتحات وكل بلوك يشيل 50 نفر يعنى 5 فتحات × 50 يبقى 250 نفر. والبلوك يتكتب على نفر يكون مسؤل عنه، وكل بلوك قدامه اكتر من 20 دورة ميه على جنب، الدورة على اتنين واحد دش وواحد للاستعمال كدورة ميه. كل بلوك آخر النهار جنبنا الكناتين والحلاقين والجزارين وكافيتريا زى ميز تبيع أى حاجة لحمه كرشه كوارع، وجنبنا الفرن والسينما وكذا نادى وساحة شعبيه للى عايز يلعب كورة أو سلة أو يشيل حديد. وفى حمام سباحة مصبوب صبه زى الحوض، وكان فى شادر كبير من دورين الدور الأول مسقوف بالأسمنت المسلح والدور التانى مسقوف جمالون اسبستوس عامل زى بتاع المحطة مفتوح من الناحيتين. دا فيه كل حاجه من ملابس وجزم باتا وكل حاجة تحتاجها بدل ما تنزل أسوان.. وفى الليل الصعايدة يجيبوا الطبل ويبتدى لعب العصا، والمدرجات اللى فوق يجوا فيها الجماعة الكبارات. جنبنا نقطتين شرطة ومخليين جوه عندنا أمن للعمال من داخل الشغل وبعدين البوابه العامة عليها حراسة الرطة العمومية للى طالع يتفتش والعربية تقف وممنوع على العمال العنابر اللى فيها سكان حريم."



الخرم يشيل عربيه كامله، طبعاً التفجير له ناس، وقبل التفجير فى صفاره تضرب تطلع هوا فوق بالنفس عاليه تخرم ودنك، كله يسيب الميدان. بعد ما تضرب الضربه كان أحياناً الحجاره توصل للمستعمرات على بعد 2 كيلو، لأنه كان يضرب من الشرق يعدى للغرب. كان الجبل بعد ما تضرب الضربه أحيانا ما يتاخدش للآخر يعنى الضربه متخلصش، فى مكن اسمه المزنر. ياخد اللى تحت يطلعوه ويمشى زى المدافع يشتغل فى الجبل،  لما يوصل الذخيره أحياناً يكون فيها جزء راكد يروح ضارب ياخد اللى فى وشه.. كان فى ناس تقعد معلقة فى الجبل،  ضربها ومحدش قادر يجيبها. تقعد تشابى بالصندوق لما ما تقدرش تجيبه تروح الكراكه ضاربه الجبل من تحت، تقعد تهز الجبل يروح نازل مع الجبل إن كان كتير ولا قليل يلموهم بتوع تركيبات الخرسانه.
 
التركيبات دى كانت تتصمم بره سياخ جامده تتحمل على مقطورات ويشيلها الونش تطلع على البغل ؛ البغل دا زى عيون الخزان تلقاهم عاملين بوايك. عربيات الرولزرويس والجوندرال تحمل الحجارة وترمى فى الخلف.الجوندرال دا له اتنين شكمان واتنين سرينه وجوه فى الكابينه سرير ودولاب لعفش السواق ومطرح للشاى والأكل والشرب وطفايه. وبعدين العجل فيه فنطاس ضغط هوا من داخله يتنفخ ويتعبى منه فيه محدش يقدر يحله، لأن العجل كبير أعلى من البنى آدم. وفى شكل تانى يودى الجبارات ودى زى الصنادل تفتح وتقفل لوحدها تفضى وتقفل،  دى جابوها من بره وبعد كدا المصريين عرفوا تصميمها وصمموها هنا. كان فى ورش لكل حاجه ؛ ورش البرادة والخراطة تخرط أى قطعة غيار،  الموتور اللى يتحرق يدخل ورشة لف المواتير. فى ورش اسمها ورش الأكسجين،  ورش الاسطوانات ورش التبريد،  ورش الحامض،  ورش غسيل العربيات،  ورش الصاج، بطن العربية لما يحمت (يتآكل) من كتر الحجر يعملوله تبطين بالصاج مفيش حاجة تيجى من بره. سألته عن أجواء مستعمرة عمال التراحيل قال: " بلوكات عبارة عن عنبر طويل له فتحة وشبابيك وتخش فى طرقه وسراير معمولة بالصبة، كتلة واحدة من الجهتين. انت لما تخش تمشى وسط الاتنين وكل سرير تحته باب بقفل تحط حاجتك،  وكل سرير عليه مرتبة وبطانية. كل عنبر فى خمس فتحات وكل بلوك يشيل 50 نفر يعنى 5 فتحات × 50 يبقى 250 نفر. والبلوك يتكتب على نفر يكون مسؤل عنه، وكل بلوك قدامه اكتر من 20 دورة ميه على جنب، الدورة على اتنين واحد دش وواحد للاستعمال كدورة ميه. كل بلوك آخر النهار جنبنا الكناتين والحلاقين والجزارين وكافيتريا زى ميز تبيع أى حاجة لحمه كرشه كوارع، وجنبنا الفرن والسينما وكذا نادى وساحة شعبيه للى عايز يلعب كورة أو سلة أو يشيل حديد. وفى حمام سباحة مصبوب صبه زى الحوض، وكان فى شادر كبير من دورين الدور الأول مسقوف بالأسمنت المسلح والدور التانى مسقوف جمالون اسبستوس عامل زى بتاع المحطة مفتوح من الناحيتين. دا فيه كل حاجه من ملابس وجزم باتا وكل حاجة تحتاجها بدل ما تنزل أسوان.. وفى الليل الصعايدة يجيبوا الطبل ويبتدى لعب العصا، والمدرجات اللى فوق يجوا فيها الجماعة الكبارات. جنبنا نقطتين شرطة ومخليين جوه عندنا أمن للعمال من داخل الشغل وبعدين البوابه العامة عليها حراسة الرطة العمومية للى طالع يتفتش والعربية تقف وممنوع على العمال العنابر اللى فيها سكان حريم."



سأضع خطوطاً تحت بعض الجمل التى توقفت أمام دلالاتها،  فجملة ( بارك الله فى الرجل البشوش والسؤال الحسن،  توكلنى خروف ووشك مكشر ) تقدم تصوراً لكيفية رؤية الرجل البسيط لشخصية الرئيس فى صورة مجردة دون أى رتوش. على أن إدخال التاريخ فى الأسطورة وذلك المشهد لفقد الأب يقدم رؤية شعبية لنظرية المجتمع الأبوى دون ادعاء ( ياراجل الواد اللى بيرضع يبكى ويقول يابايا، البت اللى متعرفش تمشى تقول يابايا، محدش لمؤاخذه قال ياجمال إلا يابايا يابايا ياحزننا من بعدك ) شىء يشبه صورة لولى من أولياء الله وليس لرئيس.. أما جملة ( طب ايش حال لما يكون احنا قريبنا رئيس الجمهورية ) بقدر ما تبدو الجملة أقرب إلى الكاريكاتير إلا أن قليلاً من التأمل يحدد بعدها الإنسانى العميق، خاصة إذا ربطناها بالجملة الأخيرة ياحزننا من بعدك). الجملة الأخيرة ( لأن هما حاطين عقيدة وواخدين منه كلمة.. إلى آخر الجملة) فتترجم العلاقة الشفاهية ؛ فكلمة عقيدة تطلق فى الشفاهى مرتبطة بالعقيدة الدينية.
لم أرغب فى كثير من الثرثرة والتحليل فالكلام واضح جلي، آثرت ألا اتدخل إلا للربط، وأن أترك للرجل حق البوح فهو صاحب التاريخ وهو الشاهد وابن الحدث. 

فى الحلقة المقبلة:
مقدمة (3) : السد العالى نظرة بين الماضى والمستقبل
 

اقرأ ايضاً

(15 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع