أفكار

التاريخ الإنسانى للسد العالى..

العرق الذهبى للتاريخ

تبدأ "بوابة الحضارات" فى نشر كتاب "التاريخ الإنسانى للسد العالى" لمؤلفه الكاتب الجنوبى الكبير يوسف فاخورى، وفيه ينتصب السد العالى كائنا حيا يستعيد سيرته الأولى الحقيقية التى طمرتها كتب التاريخ، كما يعيد الاعتبار للإنسان العرق الذهبى للتاريخ كما يراه مؤلف الكتاب الذى بذل مجهودا ضخما من جمع شهادات العمال والفنيين والمهندسين والسياسيين فى تلك الفترة، حتى خرج بهذا الشكل الذى ينقلك عند قراءتك له إلى تاريخ وسنوات بناء السد لتعيش بين سطوره فترة بناء السد.
 
ونبدأ بالمقدمات التى أوردها المؤلف فى بداية الكتاب. وإليكم المقدمة الأولى:
العرق الذهبى للتاريخ
 
 
لطالما شغلنى العرق الذهبى للتاريخ / ( الإنسان )؛ فهو الفاعل الأصيل والمفعول به، يتوارى فى كتب التاريخ ليبرز الحكام كأبطال أو كأنذال.. وفى صمت تنسحب ذاكرة الأمة إلى أفراد شاء القدر أن يتصدروا المشهد كأن البشر صانعو الحدث كتلة صماء.. فى طفولتى عشت حدثاً غير روح الحياة فى مصر وحول مصائر، وقلب موازين مجتمع عاش لسبعة آلاف عام كمجتمع زراعى يردد المثل الشعبى (أهى أرض سودة والطاعم الله).
 
كان السد العالى حدثاً فريداً فى حياة من عملوا فى الموقع – عدد من عملوا فى السد 34 ألفاً بالإضافة إلى 1700 خبير روسى – وفى حياة النهر الذى لن نرى دمار فيضه وغرق الأراضى ابتداء من عام 1964، وفى واقع الحياة على الأرض حتى الآن، وإلى مدى غير منظور.. طوفان البشر الذى اجتاح مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها على 35 ألف نسمة جعل المدينة خلية نحل لا تهدأ.. تحولت مصائر عمال زراعيين إلى (أسطوات) حرف عبر التدريب التحويلى الذى تم لهم فى مراكز تدريب افتتحت خصيصاً لهم؛ أولئك العمال لم يكن لديهم بطاقات شخصية وحين راحوا يستخرجونها كان البعض منهم له سابقة قانونية، ولحاجة العمل إلى عمالة كثيفة أصدر رئيس الجمهورية قراراً بألا يعتد بالسابقة الأولى. وباتساع حركة التعليم المجانى تعلم أبناؤهم وأصبحوا محامين ومهندسين وارتقوا إلى مناصب عليا فى الدولة.. أصبح العامل الزراعى ابن المدينة وقد اكتسب صفاتها وتعايش مع سلوكها، ونسى جريمته الأولى ليصبح مواطناً كامل الأهلية.
 
هذا العامل لأول مرة يجد السكن بالقرب من مكان العمل والعلاج فى حالة الإصابة وأندية رياضية وسينما ومسرحا، ولأول مرة يأتى إليه المطربون والفنانون للترفيه عنه – حفل أضواء المدينة – ولأول مرة يمنح ميدالية يوم تحويل مجرى النيل، ويجد مدرسة للأبناء وأتوبيسات للنزول من الموقع إلى المدينة والعودة.. شهدت حركة التجارة رواجاً غير مسبوق، وصعد البعض من طبقات أدنى إلى طبقة أعلى وتنامت حركة المعمار بشكل هائل.
 
هذا المشروع هو المشروع الوحيد الذى تم عليه استفتاء شعبى فمنذ استطاع (أدريان دانينوس) المصرى اليونانى الأصل أن يقنع مجلس قيادة الثورة بالمشروع فى أكتوبر 1952 بدأت الدراسات بتكليف الشركات الدولية المتخصصة فى السدود (هوختيف) الألمانية و(مارسيليا) الفرنسية ثم البنك الدولى، واستدعت الحكومة المصرية أكبر خبير فى السدود فى العالم الأمريكى (كيرزاكي). 
بدأت الحكومة المصرية فى عمل ندوات فى المدارس والجامعات والأندية والمصالح الحكومية ومراكز الدراسات والنقابات ؛ لشرح أبعاد المشروع وما سينتج عنه من فوائد أو عوارض وكيفية علاجها، وحين بدأ العمل كان كل عامل أو مهندس أو فنى يدرك حجم المشروع ويفهم دوره جيداً. 
 
حكى أحد العمال "كان رتم العمل ، واحد وكانت كل الناس فاهمة إيه الهدف من بناء السد العالى من خلال أغنية عبد الحليم حافظ ، حتى الندوات اللى بتتعمل مكناش محتاجينها. أنا كنت بقبض 12 جنيها فى الشهر، فى يوم قالوا نروح نقبض الإنتاج بتاع الشهر اللى فات، فوجئت الصراف بيدينى 60 جنيها قلت له أنا لى شهر بس. قاللى الكراكه اللى أنت شغال فيها كان إنتاجها عالي، وحسيت أن المجموعة اللى شغالة فى الكراكة من السواق للمساعد للعاملين اللى بيمسكوا الكابل بتاع الكهربا لأن قوته 6000 فولت، الكل عايز الكراكة بتاعتهم تحقق أكبر عمل ممكن".


إدريان دانينوس
 
كان (دانينوس) رجلاً طموحاً لديه الكثير من المشروعات التى قدمها للحكومة المصرية، لكنه لم يلق استجابة. منها على سبيل المثال إقامة محطة لإنتاج الكهرباء من خزان أسوان ، وكانت حكومات ما قبل الثورة تعلن فى خطاب العرش أنها ستعمل على بناء محطة خزان أسوان دون أن ينفذوا شيئاً.
 
واللافت للنظر أن رئيس الجمهورية فى اليوم السابق لوضع حجر الأساس للسد العالى كان يفتتح محطة خزان أسوان لتمد موقع العمل فى السد ومصانع كيما بالطاقة الكهربائية.. كما قدم مشروعات لاستصلاح الأراضى وتوزيعها على صغار الفلاحين، ودعا لإقامة مصنع للصلب. فى عام 1948 توصل دانينوس بالاتفاق مع المهندس الإيطالى لويجى جاليولى لوضع تصميمات لبناء قناطر وخزان فى أسوان يمكن أن يختزن كل فيضان النيل، مع دفع مستمر للمياه قادر على توليد ستة عشر مليار كيلو وات ساعة. وقدم دانينوس دراساته للمجمع العلمي، وراح يتصل برئيس الوزراء ووزير المالية ؛ إلا أن أحداً لم يعره اهتماما.. بعد قيام ثورة 52 عاوده الأمل وظل يتردد على مجلس قيادة الثورة، وراح يعرض مشروعه، وأحيل المشروع إلى مجلس الإنتاج لدراسته. وجدت لجنة مجلس الإنتاج المشروع أكبر من مجرد دراسة، وبدأت الدراسات تتوالى واتضحت جدوى المشروع وتم اتخاذ القرار بالتنفيذ.


الخبير الإيطالي لويجي جاليولي يسلم الرئيس محمد نجيب أول فكرة له عن مشروع السد العالى

هذا المشروع فرض نوعاً مختلفاً من التعليم . كانت الحاجة ماسة لعمالة كثيفة ولم يكن هناك عمالة مدربة ، كما لم يكن جائزاً تفريغ المصانع من عمالها أو استيراد عمالة من الخارج فصدر قرار لطلبة الدبلومات الفنية بالعمل فى السد العالى على أن يأخذوا شهاداتهم من الموقع. هذا النوع من التعليم العملى خلق طبقة من الفنيين المهرة اقتربت من مستوى المهندسين ولأول مرة يعرف العمال تلك الآلة الجبارة (الكراكة) ومكان التخريم (البوركيشن والبى وان) كانت بالنسبة لهم نوعاً من الاختراع، ولم يكن أحد منهم يعرف كيفية قيادتها سوى الخبراء الروس. تم تدريب البعض فى الموقع وأرسل البعض إلى الاتحاد السوفييتى للتدريب. هنا نتوقف قليلاً أمام العلاقة بين الخبراء الروس والعمال المصريين؛ فالعامل الذى لا يقرأ ولا يكتب يستطيع فهم الخبير الروسى بالإشارة أو بكلمة روسية التقطها أثناء العمل أو بكلمة عربية التقطها الروسى. ويفسر أحد المهندسين الأمر كالأتي: "الروس زى المدرس الغلبان اللى أقرب لتلميذه من الناحية الاجتماعية البحتة مش من ناحية العلم، فى العلم هو يفوق تلميذه وعلشان كدا هو يقدر يعلمه" ربما كانت العلاقة الدافئة بين الخبراء الروس والعمال المصريين سبباً فى تكوين طبقة من الفنيين استفادت منها مصر كثيراً فيما بعد. يذكر هذا المهندس مشهداً لأحد الخبراء ويروى: " لن أنسى أحد الخبراء الروس؛ كان بيشرف على تدريب العمال الفنيين المصريين على الرشكتة اللى بتخدش لقمة كرسى الضغط لحماية الكرسى من إنه يتحرق. لأن الضغط الكبير والوزن الواقع على اللقمة عبارة عن وزن المولد + العمود + التوربينة تحت + ضغط المية الواقع على التوربينة. كل دا يتحول على 14 لقمة. اللقمة دى لو كانت ناعمة قوى ومفيش زيت يسهل الحركة ممكن تتحرق.. الراجل دا كنت أشوفه قاعد مقرفص والعمال حواليه يعلمهم، وفين لما يقف يولع سيجاره يحرق نصها ويطفى النص الباقى ويشتغل من تانى ولا يتكلم أو ينطق، فقط يراجع الشغل لمدة وردية كاملة على هذا الوضع".



يوماً قلت لنفسي: هذا هو التاريخ الحى المهدر من ذاكرة التاريخ. وعبر سنتين رحت أسجل شهادات صمتت عنها الكتب، قابلت خلالها عمال ومهندسين وفنيين وموظفين وكل من استطعت الوصول إليه ممن عملوا فى المشروع، وكانت شهاداتهم عفوية بشكل مذهل. كل من تحاورت معهم تحدثوا عن السد العالى ككائن إنسانى حي، وكانت جملة " أنا ابن السد العالي". جملة افتتاحية لبداية الحوار من الجميع على اختلاف تخصصاتهم . لم أشأ أن ألجأ إلى نظريات تاريخية أو تحليلات تسترجع من التاريخ دلالات. كان اهتمامى الأساسى أن أسجل الأحاسيس البينية لمشاعر بين العامل والحجر والنهر؛ عن العلاقة بين المهندس والعامل والآلة والموقع، باختصار التاريخ (بعبله). توقفت طويلاً أمام عبارات قد تبدو عابرة ، وقد تبدو عاطفية. لم أرها كذلك؛ لأن دلالاتها الإنسانية والتاريخية تتجاوز العابر والعاطفي.

توقفت أمام جملة قالها لى أحد العمال، وقد عمل فى السد العالى طفلاً ضمن عمال مقاول الباطن. قال "رحت اشتغلت فى السد لأن كان نفسى اشترى قميص. فى الوقت دا كان القميص بربع جنيه ويوميتى ربع جنيه بياخد منها المقاول قرشين صاغ.. كنا بنقبض كل 15 يوما.. فى أول قبض اشتريت كل اللى نفسى فيه وبقى معاى فلوس، بس الأهم إن أبوى  بقى يعاملنى كراجل بعد ماكنت مهمل. صمت قليلاً وقال: تعرف لما اشتغلت فى السد اخواتى البنات عرفوا الألوان قلت: ماذا تعنى؟، قال : يعنى الفقيرة تقضى السنة بجلابية سودة ، الأسود ستار.. الألوان فضاحة"...لا تعليق.

حدثت إصابات كثيرة فى موقع العمل ومات كثير من العمال. ذات مرة انهار سقف النفق وسحق كل من كان داخله، ولايزال فى جسم السد بعض أشلاء العمال. وهناك إصابات حدثت نتيجة سوء تقدير من العامل فى أخذ عامل الأمان أثناء التفجير.. يحكى أحد العمال عن الإصابات والموت ." كان فى عمال أول ما يسمعوا صفارة الإنذار يروحوا يستخبوا ورا الحجارة اللى حتنفجر، أو يستخبى فى جردل الكراكة اللى حتنزل عليها الحجارة.. طبعاً كان فى ناس تضربها عربية وهى ماشيه بسرعة، فى واحد يكون نايم تحت اللودر أو عربية وهو راجع يطحنه، واحد يكون نايم فى عربية من عربيات قطار الرمل اللودر يشيل الرملة ويدلقها فى العربية يندفن تحت الرمل. وكان ساعتها فى كلام وارد ومتدوال (المرحوم كان غلطان) حتى مش بس قدرة الإنسان على الحجر، حتى قدرته على تقبل الموت. يعنى صحيح الموت له رهبه، عارف المثل اللى بيقول (ميتة الجماعة عرس). كنت اتفرج على واحد بيشيله الإسعاف ميت أو مصاب والشغل بيستمر.. يعنى الشغل أقوى من الموت وأقوى من الجرانيت والبر والحر". 


 
تتعدد القصص حول أسباب الموت والإصابات؛ وأغلبها يدور حول هذه الأسباب.. والمتعارف عليه أن المشروعات الكبرى لها نسبة خسائر لابد منها، إلا أن الخسائر فى السد العالى لم تكن كبيرة. كانت الرعاية الطبية التى يلقاها المصاب كفيلة بإنقاذ حياته فى كثير من الأحيان.. يحكى أحدهم:" كان الاهتمام بالعامل المريض غير عادى، أذكر سنة1967 كان فى نظام كتلة أسمنت خليط بيصبوه علشان يتحط على الأنفاق، الأسمنت دا بينزل على خوص.. وفى فنى معاه مسدس فيه مسمار بيطلقه يخش فى الخوص ويمسك علشان يبقى زى جانش . وهو بيضرب الطلقة مدخلتش فى الخوص والأسمنت يبدو جات بعيد فصدت وضربته فى دماغه المسمار دخل دماغه وقفل. نقل المريض بالطائرة للقاهرة ، الجراح طلب وقتها 2000 جنيه فقالوله خد شيك على بياض. الطبيب استدعى زميلا له من لندن وتم إجراء العملية خلال 3 أيام واتشال المسمار ومازال حى يرزق " .
 
كان العمل فى السد العالى منظومة متكاملة فيها العمل مقدس وفيها الترفيه والرياضة وحتى الغذاء.. يحكى أحد العمال :" كنت أروح ساعة الغدا ادفع 3 صاغ ويدينى الموظف تذكره آخذ صينية مقسمة عيون أمر على الرجل بتاع الخضار وبعدين أرز وحتتين لحمة أو ربع فرخة، والتانى يدينى الفاكهة والعيش ونقعد على الترابيزة الوردية كلها عمال ومهندسون وحتى لو فى ضيوف ياكلوا معانا".. أما عمال المقاول وكان هناك الكثير من مقاولى الباطن يستخدمون عمالاً باليومية فقد كان لهم كافيتريات منتشرة فى الموقع بها كل أنواع المأكولات والمشروبات.
يحكون عن وزير السد العالى (صدقى سليمان) الذى نسف الروتين الحكومى تماماً. كان له سلطات رئيس الجمهورية بحيث يتصرف بشكل فورى فى أى احتياجات تخص العمل متجاوزاً عراقيل البيروقراطية المزمنة..
يحكى أحد العمال:  " مكنش فى وقت معين يمر فيه، ممكن تلاقيه الفجر فى النفق، العمال يقولوله أنت الريس تؤمنا فى الصلاة، وممكن الضهر أو العصر ممكن تبص وراك تلاقيه قاعد على كوتش عربية بيتنافس مع المهندسين. ولما يسافر القاهرة كان مدى تعليمات إن أى حد من السد العالى جاى يستأذن من السكرتارية ويدخل مفيش حاجه اسمها انتظار.. لأن فى المرحلة الأولى بالذات طبيعة العمل كانت متغيره بشكل يومى، اللى الناس تشوفه فى شهر من الشهور ممكن يلاقوه اختفى أو غرق، الشغل كان 24 ساعة ".
فى ذلك الزمن لم يكن العمل من المكاتب ، كان تعبير (الموقع)؛ وكأنه ساحة حرب حقيقية أمام الزمن والإنجاز وكان اختيار شخصية الوزير يمر باختبارات دقيقة. ترى هل نحتاج لروح ذاك الزمن. 
 
فى الحلقة المقبلة:
مقدمة (2) : السخرة ومخايلات التاريخ

(15 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع