أفكار

المستشار الثقافى الصينى: ملتقى دولى للترجمة وتقديم منح دراسية للأساتذة..

كانت مفاجأة سارة بالنسبة لنا عندما صافحنا السيد شى يوه وين مرحبا بنا فى غرفة الاستقبال قائلا بلغة عربية فصحى: أهلا بجريدة "الاهرام" العظيمة فقد كنت هنا فى القاهرة منذ 25 عاما ولم يكن يمر يوم دون أن أطالع هذه الصحيفة المهمة العريقة.
لم نكن نتوقع أن تأخذنا هذه الحفاوة وتلك العبارة إلى بداية طريق من الحوار مع المستشار ومدير المركز الثقافى الصينى وأجبرنا على الدخول معه فيما يمكن أن يسمى بوصف مصر بالصينى.
فالرجل الذى جاء خلفًا للدكتورة تشن دونج يون. ليتسلم مهامه قبل أيام مديرا للمركز الثقافى رغم أنه غاب 25 عاما قضاها متنقلا بين عواصم عربية عدة من بينها دمشق وبغداد والرباط والجزائر، إلا أنه يعتبر عودته إلى مصر بمثابة العودة لوطنه الثانى حسب تعبيره، حيث مازال يفخر بأن القاهرة شهدت أولى الوظائف التى تقلدها بعد تخرجه إذ قضى فيها ثلاثة أعوام أوائل التسعينيات عاملًا فى السلك الدبلوماسى الصينى للشئون الثقافية.
وعن الفترة ما قبل ربع قرن من الغياب وبعده كان من الطبيعى أن تكون بداية حواره مع "بوابة الحضارات".. 

 فكيف رأى شى يوه وين القاهرة بعد كل هذا الغياب، ما الذى تغير والإيجابيات والسلبيات التى يراها؟ وما الذى يحمله فى جعبته العامرة ليواصل دفع عجلة التعاون الثقافى بين البلدين والشعبين إلى المزيد من التقدم. 

تلك هى زيارتك الثانية لمصر بعد غياب نحو ربع قرن.. ما الذى تغير فى قاهرة 2017 عن تلك التى عهدتها فى التسعينيات؟ 
فاجاب: تسلمت مهام منصبى فى القاهرة منذ نحو 20 يومًا وكنت أعمل قبلها فى الرباط المغربية وقبلها فى الجزائر. وهى زيارتى الثانية للقاهرة بعد نحو 25 سنة، حيث أول عمل لى بعد تخرجى فى الجامعة كان فى القاهرة التى قضيت فيها ثلاثة أعوام ما بين 1991 وحتى خريف عام 1994. وهناك بالتأكيد العديد من مظاهر التغير التى لاحظتها من بينها أن المواطنين المصريين فى الوقت الحالى صاروا لديهم مساحة أكبر من حرية التعبير والقدرة فضلًا عن الرغبة فى التعبير عن أنفسهم حتى للأجانب. وهناك أيضًا الكثير من مظاهر الحداثة طرأت على الشارع المصرى ويمكنك ملاحظة ذلك منذ دخول مطار القاهرة الذى صار أوسع وأكثر تنظيمًا وأجمل عما كان عليه قبل 25 عامًا. أيضًا السيارات الحديثة وخاصة سيارات التاكسى أحد ملامح هذا التغيير ومواكبة القاهرة لأحدث أنظمة التوصيل التى تعتمد على الطلب الإلكترونى وهو نفس ما حدث فى الصين منذ ثلاث سنوات. وهو ما يدل على أن مصر تسير فى ركاب العالم على جانب آخر لاحظت أيضًا أن المصريين وخاصة الشباب صاروا أكثر إتقانًا للغة الإنجليزية، كما يوجد عدد ليس بقليل مقارنة بما كان عليه الأمر قبل 25 عامًا يتقنون اللغة الصينية. فعلى سبيل المثال هناك نحو سبعة موظفين فى المركز الثقافى الصينى يجيدون اللغة الصينية بشكل احترافى وهو أمر رائع. وهناك تغييرات أيضًا فى البنية التحتية وشبكات الطرق. 



من الصعب على عندما أنظر إلى القاهرة ولا أفكر  أنها وطنى الثاني
 ـ وهل هناك على الجانب الآخر سلبيات لاحظتها فى زيارتك الحالية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 25 عامًا فى مصر؟
من الصعب على عندما أنظر إلى القاهرة ومصر سوى التفكير فى أنها وطنى الثاني، فهى أول بلد أعمل فيه بعد تخرجى فى أوائل التسعينيات لذلك فمصر عزيزة جدًا على قلبي، لكن إذا كان على أن أتطرق إلى جوانب سلبية فلعل الاهتمام بالبيئة هو الأمر الأساسى حيث لاحظت زيادة نسبة التلوث بشكل كبير وهو أمر له آثار خطيرة جدًا، كذلك مستوى نظافة الشوارع العامة فى بعض الأحياء ربما يحتاج إلى إعادة نظر وهو ما أشعر به يوميًا من خلال تجولى فى الشوارع القريبة من مقر المركز الثقافى الصينى فى شارع الهرم، وهناك تلوث الهواء بشكل كبير أيضًا مقارنة بما كان الوضع عليه قبل ربع قرن وهو أمر يمكن ملاحظته مع اقتراب الطائرة من سماء القاهرة. لكن ذلك بالتأكيد لا يفسد الإيجابيات الكبيرة التى حدثت فى مصر خاصة مع الوضع فى الاعتبار أن الكثير من تلك الأمور التى قد تعد من السلبيات غير موجود فى محافظات أخرى بعيدة عن العاصمة، لكن بشكل عام مصر والقاهرة شهدت تقدمًا كبيرًا خلال ربع قرن. 
 
الكثير من الصينيين يرغبون فى زيارة مصر للتعرف على حضارتها 
 ـ ما ملامح السياسة الثقافية للسفارة والمركز الثقافى الصينى فى القاهرة فى الفترة القادمة خاصة بعد الاحتفال بمرور 60 عامًا على العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية العام الماضي؟
العلاقات الثقافية بين البلدين تسير جنبًا إلى جنب مع العلاقات السياسية وما بين مصر والصين شراكة إستراتيجية شاملة تأتى الثقافة فى القلب منها. فى العام الماضى نجحنا بشكل كبير فى الاحتفال بذكرى مرور 60 عاما على العلاقات المصرية الصينية من خلال تنظيم عدد كبير من الفعاليات والتظاهرات الثقافية التى أسهمت وتسهم فى التعارف بين الجانبين، فالشعب الصينى والمصرى شعبان صديقان وكلاهما يتطلع إلى التعرف على ثقافة الآخر وكلاهما أصحاب حضارات كبيرة بل أن مصر تسبق الصين بنحو 2000 سنة حضارة وهناك الكثير من الصينيين يتطلعون للتعرف على حضارة مصر الحالية والقديمة على حد سواء.
 
ـ ما الطرق المثلى برأيك لتعريف الشعب الصينى بالحضارة المصرية؟ 
هناك الكثير من الطرق من بينها تشجيع السياح الصينيين على زيارة مصر ورؤية مصر بأعينهم بشكل مباشر، لكن هناك أيضًا الأواصر الثقافية التى تتم من خلال التظاهرات والفعاليات الثقافية، على سبيل المثال تقديم مصر لأوبرا عايدة فى أكبر المسارح الصينية فى بكين عام 2008 على يد فنانين مصريين شهد احتفاء كبيرا ليس فقط من الجمهور الصينى وإنما أيضًا من وسائل الإعلام والصحف فى الصين. كما يوجد أيضًا أشكال مختلفة من تبادل الأنشطة الرياضية بين البلدين وهى أنشطة مهمة بسبب شعبيتها الكبيرة. أيضًا المركز الثقافى المصرى فى الصين ينظم العديد من الفعاليات والأسابيع الفنية السينمائية والمسرحية والغنائية وغيرها. على الجانب الآخر هناك الكثير من المهرجانات التى تتم فى الكثير من المدن والمحافظات المصرية التى يشارك فيها فنانون صينيون وبالتأكيد يعود هؤلاء الفنانون بانطباعات إيجابية جدًا إلى الصين. 



أفضل خمسة مقاصد سياحية يرغب الصينيون زيارتها بمصر 
 ـ ما هى أهم المقاصد السياحية الأكثر جاذبية للصينيين فى مصر والتى تحظى بتفضيلهم؟
من خلال متابعتى للصحف ولبرامج التبادل السياحى فى السفارة أعتقد أن القاهرة والأهرامات والمتحف المصرى والأقصر وأسوان وأبو سمبل والإسكندرية من أكثر مناطق الجذب السياحي، وهناك أيضًا الغردقة. هناك بالتأكيد تنوع فى رغبات السياح، وهناك عدد من السياح يأتون إلى مصر بدون شركات سياحة ويفضلون السياحة الشاطئية والغوص والشعب المرجانية، لكن من المؤكد أن المواقع التاريخية والثقافية فى مصر هى الأكثر جاذبية وشهرة على مستوى العالم.
 
زيادة المنح المقدمة من الجامعات الصينية لدارسى وأستاذة اللغة الصينية فى مصر ـ على الرغم من انتشار أقسام تعليم اللغة الصينية فى بعض الجامعات المصرية فى المحافظات إلا أنه تنقصها الخبرات الصينية التى تساعد على صقل مهارات تعلم اللغة فلماذا برأيك؟ 
اعتقد أن وزارة التربية فى الصين أسهمت بشكل كبير جدا فى تشجيع الأجانب على تعلم اللغة الصينية فى كل مكان من أنحاء العالم ومن خلال خبرتى أيضًا فى دول عربية مختلفة. ربما ضخ عدد كبير من الخبرات الصينية فى الجامعات لا يتناسب مع الإمكانات البشرية التى يمكننا تقديمها لكن على الجانب الآخر فإن المنح المقدمة من الجامعات الصينية لدارسى وأستاذة اللغة الصينية فى مصر والتى يمكن دائما زيادتها ربما تكون أكثر فاعلية فى زيادة عدد متقنى اللغة الصينية فى مصر لأن مدرس واحد سيدرب الكثيرين. وهناك خطة للاجتماع قريبًا برؤساء بعض الجامعات المصرية التى تتضمن أقساما لتدريس الصينية لبحث سبل تطوير التنسيق بيننا من بينها كلية الألسن بجامعة عين شمس، وكذلك جامعة القاهرة والمنيا والأقصر وبالتأكيد لو هناك حاجة ملحة لزيادة عدد الخبراء الصينيين فى أقسام تعليم اللغة الصينية فى مصر فسيتم دراسة ذلك بالتعاون مع وزارة التربية الصينية.
 
ـ هناك ملاحظة أخرى وهى أن الجهود التى تبذل لترجمة الكتب العربية إلى اللغة الصينية بما فيها الأدب لا توازيها جهود على نفس المستوى لترجمة الأدب الصينى الحديث إلى اللغة العربية وهو ما يجعل إطلاعنا ومعرفتنا بتطور الفكر والأدب الصينى منقوصًا؟ 
صحيح وقد لاحظت هذا الأمر بنفسى فأذكر على سبيل المثال أننى قرأت رواية الأيام للدكتور طه حسين مترجمة إلى الصينية عندما كنت تلميذًا فى المدرسة، وهناك العشرات بل المئات من الكتب المصرية لأدباء مصريين كبار تترجم إلى اللغة العربية منذ قبل 50 عامًا. لكن على الجانب الآخر هناك قلة فى الترجمة من الصينية إلى العربية ربما لقلة المترجمين المحترفين، لكن أظن أن الوضع يتغير فهناك مبادرات مهمة تجرى لترجمة الأدب الصينى إلى العربية فى الوقت الحالى نأمل فى أن تتواصل، وقد استحدث المركز الثقافى الصينى منذ عام ملتقى المترجمين العرب التقينا من خلاله بأكثر من 30 مترجمًا عربيًا متميزًا أظن أن مثل هذه الجهود على قدر كبير من الأهمية لكنها تحتاج إلى المزيد والمزيد، وعلينا ألا ننسى أن الصين كانت قبل 40 عامًا بلدًا مغلق الأبواب أى أن تاريخ انفتاح الصين على العالم بدأ فى منتصف السبعينيات فقط. وأعتقد أن الانفتاح على مؤسسات صحفية وثقافية كبيرة مثل مؤسسة "الأهرام" والتعاون فيما بيننا سيكون له دور كبير فى الدفع بتلك الجهود إلى الأمام بوتيرة أسرع. فمصر دورها الثقافى الرائد فى المنطقة كبير جدًا وحضارتها العظيمة تحترم. وآمل أن أنقل من خلال إصداركم المحترم تحياتى الخالصة لجميع أفراد الشعب المصري. 



 فكرة مبادرة ملتقى الترجمة لـ"بوابة الحضارات " فكرة رائعة وواعدة 
في هذا الإطار تتقدم "بوابة الحضارات" ممثلة لـ"مؤسسة الأهرام" بمبادرتين إحداهما تتعلق بملتقى للترجمة بين اللغتين العربية والصينية بالتعاون بين "مؤسسة الأهرام" والمركز القومي للترجمة والمركز الثقافي الصيني يهدف إلى طرح قضايا الترجمة والنشر والحوار التاريخي والحضاري بين الثقافتين. أما المقترح الثاني فيتعلق بتعزيز فكرة النهر كمشترك ثقافي وحضاري مهم بين الدولتين ويتمثل في تأسيس ملتقى واسع عن "حضارة النهر" ما بين القاهرة ودندرة وأسوان يبدأ من مصر وينتهي في الصين. 
 
أؤيد بشدة كلتا المبادرتين، وبالنسبة للمبادرة الأولى وهي ملتقى الترجمة بين المركز الثقافي الصيني و"مؤسسة الأهرام" والمركز القومي للترجمة فأراها فكرة واعدة جدًا وأدعو على الفور للبدء في تحويلها إلى أمر واقع في ديسمبر من هذا العام 2017. أما بالنسبة لملتقى حضارة النهر فهي فكرة جيدة جدًا وسوف أسعى لدعوة مؤسسات ثقافية صينية ذات صلة لبحث الفكرة بالتعاون معكم ولعلها تكون مسار تنفيذ خلال العام المقبل. 


تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع