أفكار

ذكرت خمس مرات..

مصر في القرآن.. رؤية مختلفة

أنتَ تقولُ إننى مُجَدِّفٌ حينما كتبتُ وقلتُ:
"للذين يقولون لكِ الله يا مصر، وللذين يعوِّلون على حضارةِ سبعة آلاف سنة، وللذين يتحدثون عن النسيج الواحد، وللذين يَتخيلونَ أن اللهَ كائنٌ على عرشِه مَشغولٌ بحمايةِ مصرَ وحراستِها دون بلادِه كلها لأنها مذكورةٌ فى كتابِه القرآن (آه أُمّال إيه!) لكل هؤلاءِ ولغيرِهم: مصرُ فى طريقِها للخراب.. ولسوفَ تَذكرونَ ما أقولُ لكم ما دامَ ذلك وعيكم، وتلك ثقافتكم.. الناسُ هُم الذين يَحمونَ بلادَهم وأنفسَهم بالعِلم والمعرفة والقوة، وليس بالجهلِ والخرافة والدُّعاء، ولا باستدعاءِ المُقَدَّس، ولا بالحنينِ إلى الماضى والتعزى بالإنشاء وترضيةِ الخواطِر!!".
 
وتَرى أننى صادقٌ فقط فى التعريضِ بحضارة السبعة آلاف سَنَة، وتتفق معى فى ضرورةِ الأخذ بأسبابِ العِلم والمعرفةِ والقوة، لكنك تَستغفِر اللهَ لى فيما أتيتُه أنا مِن إثمٍ وذنبٍ وكبائرَ فى إشارتى بتكذيب التنزيل الذى ذَكَر مصرَ وأثنَى عليها، وليْتَ شِعرى أين هو تكذيبي؟ هل قُلتُ إن اللهَ لم يَذكر مصرَ فى تنزيلِه الحكيم؟ أنا أشيرُ فقط إلى أن التواكُلَ على ذلك فيه ما فيه من خرابٍ لمصر ... لكننى أريدُ هنا أن أناقِشَ معك مسألةَ "مصر مذكورة فى القرآن" التى ترفعونَها سيفًا مُصَلتًا ليس فى وجوهِنا فقط بل تحتَ رقابِنا لنسكتَ ونَستسلِم!!.
 
لعلّك تَعرف يا صديقى أنهم أجمَعوا أو كادوا على أن مصرَ ذُكرِت فى التنزيل خمسَ مراتٍ صريحةً واضحةً بلفظِها، وأنهم غالوا – تقديرًا منهم لمكانة مصرَ وقيمتِها فى أوهامِهم وتصوراتِهم – فذهَبوا إلى أنها ذُكِرت أكثرَ من ثمانى وعشرين مرةً فى رواية، وأكثرَ من ستين مرةً فى رواية أخرى بتعريضٍ وكنايات كانت مِصرُ فيها هى المقصودة أيضًا دون لفظٍ صريح، مما يدل عندَهم على أهميتِها عند اللهِ سبحانَه وتعالى، وعلى حمايتِه لها، ولعلّك تعرف أكثر منى تلك الأحاديثَ التى راحوا ينسبونَها إلى النبى الكريم عن جُندِ مصرَ وأهلِ مصرَ ونساءِ مصر، فضلا عن آلاف الروايات التى تُنسَبُ إلى الصحابة والتابعين.. ولعلّك لستَ فى حاجة لمعرفةِ موقفى من الأحاديث المنسوبة للنبى الكريم، فلن نقِف عندَها ولا عند تلك المنسوبةِ للصحابة والتابعين.. ولننظر فقط فى التنزيل الحكيم مُحتكِمين إليه لنتأمّل كيف ذَكَرها اللهُ فيه، ولتبيّن أنت لى أين مواضعُ التكريم، ومِن أين جاءت تلك القَدَاسة لمصر، وكيف تكون مَحميةً ومحروسةً فقط لمجرد ورودِها فى السياق!!
 
لاحِظْ معى ملاحظةً مهمةً مَبدئية: أن المراتِ الخمسَ التى وردت فيها مصرُ فى التنزيل لم تَرِد إلا فى سياقات الحديث عن بنى إسرائيلَ وأنبيائِهم، ثلاثَ مراتٍ مع موسى وفرعون، ومرتيْن مع يوسف ... فكيف ترى ذلك السياقَ الأول؟ لا ذِكر لمصرَ ولا وجودَ لها عند الله إلا فى معرض الحديث عن أنبياءِ بَنِى إسرائيل!! ألا يشير ذلك عندكَ إلى أى شيء؟؟! حَسَنًا لنتأمّل الآياتِ معًا:
(الموضع الأول):
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) - البقرة 61
الآيةُ هنا تتحدثُ عن خيرٍ موجودٍ فى مصرَ من طعامٍ ونبات، متعلقٍ بالزراعة وبطبيعةِ الأرض المصرية وبطبيعةِ معرفة المصريين للزراعة، أوَ لو كانوا سألوا موسى عن شيء آخرَ بعيدًا عن الزراعة وعن النبات أليسَ دالَّهَم ومرشِدَهم عن بلدٍ آخر؟ ما القيمةُ هنا وما الأفضلية فى أن يكون ثمةَ طعامٌ ونباتٌ فى مصر؟ هل قالت الآية مثلا "إنا كتبنا على مصر أن تكون خيرًا للعالمين" مثلا فتكون أنت وغيرُكَ مُحِقينَ فى أن التنزيل ذَكرَها كذلك؟؟ الآيةُ تاريخيةٌ تتحدث عن فترةٍ بعينِها لا أظنك تكابِرُ فى أن التاريخَ بعد ذلك أثبتَ أن مصرَ التى عرَفَت الزراعة، وأن المصريين الذين هُم أول مَن عرَفوا النيلَ والزراعة أضاعوهما معًا !!
 
(الموضع الثاني):
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) – يونس 87
الآيةُ هنا كسابقتِها تمامًا، يوحِى اللهُ لموسى أن يتخِذَ فى مصرَ بيوتًا، ولو كان موسى فى بلدةٍ أخرى لأمرَه الله الأمرَ نفسَه... يمكن هنا الزعمُ بالاستدلال على أن مصرَ عرَفت البناءَ، وهو ما لا نُنَازِعك فيه.. لكن أين الفضلُ الدينى المقدس هنا؟ مِن الطبيعى أن يتخذ موسى وأخوه وقومُه بيوتًا للسكنَى والإقامة ليتهيأ لرسالة ربِّه، ليس فى الآية ما يشيرُ مِن قريبٍ أو بعيدٍ لتكرمةٍ إلهية لمصرَ هنا دونَ غيرِها من البلاد!!
 
(الموضع الثالث):
(وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلا تُبْصِرُونَ) – الزخرف 51
الآيةُ هنا فى سورة "الزخرف" تتحدثُ عن مصرَ التى يَمتلِكُها فرعون، أو لِنقُل عن مصرَ التى يَحكمُها فرعون، وتشير الآياتُ إلى مباهاتِه وفخرِه بالعز والترف الذى يَحياه، وليس شرطًا على الإطلاق أن نَفهمَ قولَه "وهذه الأنهار تجرى من تحتي" بالمعنى الحقيقى المباشِر، فلعلّه مَجازٌ فيه مِن المُبالَغة والمباهاة مِن قِبل فرعونَ ما يشير إلى البغدَدَة التى كان يَحياها الطاغيةُ المستبِد، كما أننا لا نَعرِف فى مصرَ إلا نهرًا واحدًا، فليس مِن سبيلٍ لأخذ "الأنهار" فى الآية على أنها أنهارٌ حقيقية. والخلاصةُ أن الآيةَ – على لسان فرعون – لا تشيرُ من قريبٍ أو بعيدٍ لفضلٍ ولا لقيمةٍ لمصرَ.. وحَسبُنَا أنها تحتَ فرعونَ لنصمتَ قليلا ونَستحي!!
(الموضع الرابع):
(وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) – يوسف 21 
 
(الموضع الخامس):
(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) – يوسف 99
أمَّا آيتا سورةِ يوسف فها هُما أمامَك، رَجلٌ مِن مصرَ يشترى غلامًا، ولو كان الرجُل من العراق، أو مِن الشام لمَكَّن الله ليوسفَ حيث يختار له؛ لأن اللهَ غالِبٌ على أمرِه كما تقول الآية 21 ولكان علَّمَه من تأويلِ الأحاديث ما شاءَ له أن يُعَلِّمَه، ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون !! أتكون الآيةُ تكشِف عن أخلاق الرجُل المصرى وفضائله "أكرمى مثواه" ومِن ثَم تَنسحِبُ أخلاقُه تلك على المصريين جميعًا؟!!! أيكونُ الأمرُ كذلك فى تصورِك.. لو كان ذلك كذلك فيا ضيعةَ العِلم ويا سوءَ المنقلَب!!
أمَّا الآية 99 فلا شيء يمكن الوقوفُ عنده فيها إلا قوله تعالى على لسان يوسفَ "ادخلوا مصرَ إن شاءَ اللهُ آمِنين"، وهى الآيةُ التى يُتَاجِر بها الحُكام والطغاةُ والمستبِدون، ورجالُ الأعمال والمتاجِرون، وذوو اللحى والذقون - متى شاؤوا – فضلا بالطبع عن فقهاء السلطان والعامة والسابلة والدهماء الذين يَنظرونَ للجُملَةِ على أنها قانونٌ ثابِت.. مِصرُ آمِنةٌ بشهادة اللهِ سبحانَه وتعالى القائل "ادخلوا مصرَ إنْ شاءَ الله آمِنين" أيكون بعدَ كلامِ الله كلامٌ آخر؟ نَعَم يكون.. لكن ليسَ بعدَ كلامِ الله، وإنما بعدَ كلامِكم أنتم وفهمِكم أنتم وتصوّرِكم أنتم لكلام الله.. يوسفُ يتحدث هنا عن أمنِ مصرَ الذى وفّرَه هو بعدَ القضاءِ على المَجاعة، وبعد أن اسْتَتبَّ الأمرُ له فى مصرَ ولمصر، فأصبحتْ دولةً آمنةً لا جوعَ فيها ولا خوف، فمَن يَدخلُها – خاصةً مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا يرِدون إليها للطعام – يكون آمِنًا تمامًا. ولو كان تصورك وتصورُ الآخرين بأنّ "ادخلوا مصرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنين" قانونٌ إلهى ثابِت ما تعرّضت مصرُ للشدة المستنصرية التى كان المصريون فيها يأكل بعضُهم بعضًا، لو كانت الآية قانونًا ما تَعرّضت مصر لطوفان القتل والخراب والتدمير على يدِ الغُزَاةِ والطامِعين، لو كانت الآية قانونًا ما شَهِدتَ أنت بنفسِك المذابحَ والمَجازر التى ارتكَبها – وما يزال – يرتكِبها الإرهابيون فى حق مصرَ والمصريين!! 

الغريب أنه رغم ذلك يمكن فهْم الآية فهمًا آخر مغايرًا تمامًا، إذ يمكن أن يشير قوله "ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ" إلى عكس ما قلناه من توفر الأمن، حيث إن جملة "إن شاء الله" يمكن أن تشير إلى وجود خوف هناك لكن مشيئة الله وترتيبه سوف تضمن أمنًا ما هنالك، ألا ترانى إذا دعوتك الآن مثلا لزيارة سوريا مثلا وهى فى حالة حربها واشقاق أهلها بينما أنت خائف مذعور فأقول لك "ادخلها إن شاء الله آمنًا".. ألا تلاحظ دلالة تقديم المشيئة؟!!
 
وأنا أريدُ أن ألفِتَ نظرك الثاقبَ الوهاج الملتقِط أنه لو كانت المسألةُ مسألةَ ذِكرٍ وورودٍ كثيرِ ومتكرر فى التنزيل لكنا نحن أولى مِن بنى إسرائيل – لأننا مؤمِنون بالتنزيل – بالزهو والفخر بموسى، لأنه بمنطقِك ومنطقِهم فى الاستدلال بعدد مرات الذِّكر والورود ورَدَ نبى اللهِ موسى أكثرَ من 30 مرة فيما يقارب 34 سورة من سوَر القرآن، أيكونُ موسَى أفضلَ مِن النبى محمد بسبب كثرة ذِكرِه وورودِه؟ أتكون مصرُ أفضلَ بلادِ اللهِ بسبب كثرة ورودِها ودورانِها فى التنزيل؟
 
لنترك هذا جانبًا، ولتتأمل معى يا صديقى موقفَ التراث الدينى الإسلامى من مصر
فى المَعنَى والدلالةِ والإحالة، لو تأملتَ ستجد عَجَبًا، ستجِدُ انتصارًا لكل ما هو يهودى توراتى ضد كل ما هو مِصري، فموسَى لم يُنقِذ قومَه فقط مِن فرعون، بل أنقذ المصريين أيضًا من الطاغية المستبد، فالشكرُ والامتنان لنبى الله موسى، حيث نجَا النبى التوراتى وغرقَ الفرعونُ المصرى !! ويوسفُ عليه السلام أنقذَ مصرَ مِن مجاعةٍ كادت تَفتِكُ بها وبالمصريين، فضلا عن شرفِه وكرمِه وخوفِه من الله برفضِه الانصياعَ لزوجة العزيز التى تُمَثل نساءَ مصر كلهن!! يمكنك أن تقارن بين أُم موسى وأُخته ومريم بنت عمران من ناحية، وبين امرأة العزيز المصرية من ناحية أخرى!! وقِصةُ فرعونِ مصرَ مع إبراهيمَ عليه السلام وكيف تَم تصوير الفرعون المصرى بأنه زيرُ نساء يأخُذُ كلَّ امرأةٍ غَصبًا وكيف احتال إبراهيمُ عليه!!؟ هذه هى مصرُ يا صديقي، وهؤلاءِ هُمُ المِصريون فى التنزيل وفى المأثورات التى مهما قُلنَا لك ولغيرك إنها مأثوراتٌ أسطوريةٌ ومنتحَلَة – المأثورات وليس التنزيل - تُضِيف لليهود وللإسرائيليين وتَخدمهم أكثرَ مِما تُضيف للإسلام أو لمصر ما صدَّقتَ وما صدّقوا، وكيف تُصَدّقون وقد جعلتموها جزءًا من التنزيل وجزءًا من الثقافة الإسلامية؟!
 

(1 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع