أفكار

محنة المبدع في صعيد مصر

على مدار التاريخ المصرى القديم والحديث تميز الصعيد بخصائص جغرافية وطبيعية أثرت فى حياة وطبائع سكانه؛ فالصعيد البعيد والنائي، القريب من السماء بارتفاع أرضه، الفقير فى موارده الاقتصادية والثقافية قد أتاح دومًا لبعض أبنائه فائضًا من الوقت دفعهم إلى الخروج من أسر فقر وضيق الواقع وتناقضاته بطلب العلم والقراءة والتأمل والتفكير العميق فى وضعية الإنسان على الأرض وعلاقته بالله والمجتمع وكل ما حوله. 
 
وكان لا بد أن تنطلق مع طول هذا التأمل تجربة دينية وفلسفية وحسًا دراميًا وشعريًا بالحياة، يختلف فى درجة عمقه والتعبير عنه من إنسان لآخر، ويستهدف محاولة الإجابة على التساؤلات التى تدور فى ذهن الإنسان الصعيدى المهتم دائما بفكرة البطولة والمثل الأعلى، المشغول بالبحث عن معنى لحياته وقيمة لوجوده، وعن تحقق أكثر فاعلية لقدراته وأحلامه. 
وقد عبر الشاعر الراحل أمل دنقل(1940 – 1983م) عن خصوصية الإنسان الصعيدي، فقال: " فالجنوبى يا سيدى يشتهى أن يكون الذى لم يكنه / يشتهى أن يلاقى اثنين: الحقيقة والأوجه الغائبة ".
 

امل دنقل
مفارقة الصعيد الكبرى ..!
مفارقة الصعيد الكبرى، أنه بيئة منتجة للسمات النفسية والذهنية والروحية العامة للمبدع بكل تجلياته، كالمفكر الباحث عن المعرفة، الشاعر، الأديب، الفنان، ولكنها بيئة طاردة للمبدع فى الوقت ذاته؛ فالميلاد والنشأة فى الصعيد بسماته وخصائصه الجغرافية والتاريخية، تُضاعف من وعى الإنسان بذاته وبالعالم من حوله، وتهبه حسًا حادًا ومرهفًا، وتُطلق العنان لخياله وتأملاته، فيدرك التناقض فيما حوله بين ما هو كائن وما ينبغى أن يكون، ويتأسس لديه ما أطلق عليه الفيلسوف الألمانى هيجل " الوعى القلق"، نتيجة مقارنته بين واقعه وعالمه الجنوبى الضيق والفقير، وبين العوالم والآفاق التى كشفتها له قراءاته وتأملاته وخياله. وعندما يعجز عن حل إشكالية التناقض بين عالمه الفقير وتلك العوالم الثرية، ويحقق ذاته فى أرضه وبين أهله يرحل عنها ليبحث عن آفاق وأرض جديدة.ويبدو أن ظاهرة رحيل بعض أبناء الصعيد النابهين عنه لرؤية العالم، والبحث عن الذات ومدينة الأحلام، ليست ظاهرة جديدة، فقد تكررت عبر الزمن " حكاية الصعيدى الذى هده التعب، فنام تحت حائط الجامع القديم "، التى كتبها يحيى الطاهر عبدالله (1938 -1981)، ليحكى قصة الصعيدى الذى رحل عن أم القرى التى تلم عظام أجداده، ليبلغ أم المدن، بحثًا تارة عن مصدر للرزق، وتارة أخرى عن فضاء للروح والعقل، حتى يضيع عمره، وهو يبحث عن حلمه. 
 
ولكن التجسيد الأكبر لتلك الحكاية نجده فى سيرة وحياة ثلاثة من أبناء الصعيد الموهوبين، صنعوا أسطورتهم الإنسانية والأدبية، وأسسوا لغواية الرحيل شمالًا لدى النابهين والموهوبين وأصحاب الطموح الثقافى والأدبى من أبناء الصعيد، وتلك بعض تفاصيل الأسطورة.
أسطورة الغواية ..!
 
المكان: مدينة قنا فى صعيد مصر. الزمان: نهاية عام 1959. الحدث: لقاء تعارف يتم لأول مرة بين ثلاثة فتيان لم يتجاوز عمر أكبرهم العشرين، لكن الأحداث القادمة ستجعل لهم دوراً عظيماً فى صياغة الوجدان المصرى والعربى والتعبير عنه طوال النصف الثانى من القرن العشرين، وهم أمل دنقل، يحيى الطاهر عبدالله ، وعبد الرحمن الأبنودي.
 
 ثلاثة فتيان حالمون، سمر الوجوه، نحاف الجسد، طوال القامة كنخيل الصعيد الحزين. أرواحهم قلقة متوثبة، ووعيهم حاد يقظ، وإرادتهم صخرية ، وأحلامهم بالتحقق والمجد الأدبى كبيرة وشبه مستحيلة. وقد عقد الثلاثة العزم بعد أن توثقت العلاقة بينهم على الهجرة شمالاً، والانتقال بأحلامهم من مدينتهم الفقيرة ماديًا وثقافيُا إلى القاهرة؛ فسافر إليها الأبنودى عام 1962 . أما أمل دنقل فقد سافر فى نفس العام إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة ليلحق بهما يحيى الطاهر عبدالله عام 1964.
 
 لكنهم وجدوا القاهرة مدينة قاسية تأكل أرواح قاطنيها، فعاشوا معاً فيها تغريبة الجنوبى الحالم فى مدينة بلا قلب – كما وصفاها الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى - عُزل من كل شئ سوى أحلامهم وصلابة الصعيدى الذى لا يعرف رفاهية الاستسلام والتنازل عن أحلامه.
وبالفعل فقد أصبحت القاهرة ميداناً لمعركتهم الكبرى فى سبيل تحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم وتكريس حضورهم فى المشهد الثقافى المصري. ورغم كل ما صادفوه فى العاصمة من معوقات فقد نجح كل واحد منهم على حدة فى صنع أسطورته الخاصة، وحفروا لأنفسهم مكاناً بارزاً فى وجدان الشعب المصري.

غير أن الريح لم تأت لهم بما تشتهى سفنهم، فبعد طول معاناة ومكابدة، وحين حان وقت قطف ثمار الرحلة المُضنية يرحل بغتة يحيى الطاهر عبدالله، فى التاسع من أبريل عام 1981 نتيجة حادث سيارة على طريق الواحات وهو فى الثالثة والأربعين.
وفى نفس التوقيت يصاب أمل دنقل بالسرطان، ويعانى من أوجاعه لمدة ثلاث سنوات ليرحل عن عالمنا فى مايو 1983.
 
ويمتد الآجل بثالث الثلاثة قى تلك الدوحة الجنوبية عبدالرحمن الأبنودى ليصبح عن جدارة تامة شاعر الوطن والجذور، والحارس الأمين على التراث الشعبى المصري، والمُعبر الأصيل عن الوجدان المصري، ويعيش من بعد رحيل رفيقى رحلته مكرمًا من الناس والدولة حتى وفاته فى 23 أبريل 2015.
 
تلك هى أسطورة التأسيس لغواية الرحيل نحو الشمال بهدف البحث عن فضاء ثقافى أكثر رحابة ونيل التكريس الأدبى والفنى والفكرى من كهنة الفن والأدب والثقافة بالقاهرة، وقد سعى إلى إعادة إنتاجها فى ذاته وحياته الكثير من أصحاب المواهب والطموح من أبناء الصعيد منذ الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم. 
 

عبد الرحمن الأبنودي
ولو حاولنا التأمل فى حكاية أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله، وعبد الرحمن الأبنودي، سوف يتضح لنا أن رحيلهم عن الصعيد، كان نتيجة إحساسهم بضيق وفقر المكان ماديًا وثقافيًا، ورغبتهم فى البحث عن أفق أكثر رحابة وثراء للمعرفة وميدانًا أكثر اتساعا للانتشار والتحقق. 
 
والمفارقة العجيبة أننا لو انتقلنا سريعًا من أزمنة هؤلاء ومن أزمة علاقتهم بمحل الميلاد والنشأة بصعيد مصر إلى الزمن الحالي، لنقف على وضعية المبدع بالصعيد وسياق حياته وإمكانيات تحققه فى بيئته، لاكتشفنا أن الحال لم يتغير كثيرًا وأن محنة المبدع هناك قد تفاقمت مع تردى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فى الصعيد، وتدنى مستوى الحياة الثقافية والعلمية، رغم نشأة الجامعات الإقليمية فى أكثر من محافظة، مما خلق شعورًا عميقًا بالإحباط لدى أصحاب المواهب والمبدعين فى الصعيد، عند مقارنتهم بين الموارد الثقافية المتاحة لديهم بموارد القاهرة .
 
وقد كان هذا الشعور سببًا دائمًا لاستمرار طقس الرحيل صوب المراكز الثقافية فى الشمال، للهروب من ضيق المكان وفقر موارده المادية والثقافية وانعدام النشاط والحياة الثقافية فى محاولة لتحقيق نجاح ومجد أدبى وثقافى كبير بتأثير غواية تجربة أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله والأبنودي، على الرغم من تغير الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى زادت من تحديات نجاحهم فى تحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم فى القاهرة.
 
ومع ذلك فإن تلك التحديات أقل فى عددها ودرجة صعوبتها من التحديات التى تواجه من فضلوا منهم الإقامة فى الصعيد، وسعوا، رغم إقامتهم هناك لتحقيق ذواتهم على المستوى الأدبى والثقافي؛ فهؤلاء يخوضون معركة يومية ضد الأوضاع التى تحبطهم، كضعف النشاط الثقافى وندرة فاعلياته، وتراجع الجامعة والمدرسة عن دورها التثقيفي، وكذلك تردى الأحوال المادية والاجتماعية فى البيئة المحيطة بهم، وما ترتب عليه من اعتبار كل الاهتمامات الثقافية من قراءة وكتابة وفنون رفاهية لا ضرورة له؛ لأنها تفتقد لما يقول عنه الاقتصاديون أو رجال السوق "القيمة المنصرفة" أو "Cash Value".

ورغم ذلك، فهم قابضون على جمر الوعى والإبداع ويغالبون بجسارة التحديات التى تواجههم، ليقدموا شعرًا وأدبًا وفكرًا وفنًا على درجة كبيرة من الرقى والقدرة على التعبير عن خصوصية وروح ومشكلات الصعيد، وتفاصيل حياة ومعاناة وطموحات الإنسان فيه. 
وفوق ذلك يعملون بدأب ومثابرة تشبه مثابرة " سيزيف "فى الأسطورة اليونانية الشهيرة، لتحطيم جدار التهميش الذى يفرضه عليهم المركز الثقافي، ونيل الاعتراف من المجتمع والدولة بقيمة إبداعهم وأعمالهم، وبأهمية دورهم ورسالتهم. 
 

(5 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع