أفكار

الإنسان صانع الحضارة..

النبي محمد نموذجًا

.
 
.

الحضارة في عموم معناها تعني مجموع الجهد الإنساني المؤدي إلي الرقي والتقدم في شتي ميادين الحياة المادية والمعنوية. وتقوم الحضارة علي أسس ثابتة أهمها: العلم والنظام والأخلاق والحرية. وتنطلق الحضارة من الإنسان، فالإنسان هو صانع الحضارة والنبي صلي الله عليه وسلم هو صاحب أعظم إنجاز حضاري متجدد علي مر الزمان، وهذا الإنجاز يتمثل في بناء الإنسان بناء إيمانيًا يتم من خلاله أعظم عملية إنقاذ للإنسان من كل مظاهر الضلال والفساد التي تسيطر عليه، وبتخليص الإنسان من الأوصاف الذميمة والاضطراب والقلق، واكتسابه أوصاف الخير والفلاح يتأهل لصنع الحضارة.
 
ويسجل القرآن الكريم هذه الحقيقة الغالية لرسول الله صلي الله عليه وسلم حين يذكرنا بأن رسول الله صلي الله عليه وسلم من أكبر نعم الله علينا، ومن ثمرة هذه  النعمة هذا التحول العظيم للإنسان من كل أوصاف الضلال إلي أوصاف الإيمان والخير والهداية.. قال تعالي "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ".
 
وتشير الآية ـ ضمن ما تشير ـ إلى الوسائل التي حول بها النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع الذي بعث فيه وأرسل إليه، والإنسان العاقل يقف منبهرا أمام هذا التغيير الذي حول المجتمع الجاهلي الذي ضربت فيه البداوة بجذورها إلي مجتمع حضاري ساد الدنيا كلها وكانت له المقدمة بين الأمم.
 
وبهذه الوسائل التي أنعم الله بها علي هذا النبي وأمته أحدث النبي صلي الله عليه وسلم أعظم إنجاز حضاري ليس للأمة فقط، ولكن للبشرية كلها، حيث كانت الفتوح التي خلصت الناس من ظلم الاستعمار وطغيانه. وتحدد الآية وسائل صنع حضارة خير أمة وهي آيات القرآن والسنة المطهرة التي سماها الله في الآية "الحكمة".



وبناء الإنسان علي يد رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يغفل جانبا من جوانبه، بل اشتمل البناء علي رعاية عقل الإنسان وفكره، وقلبه ومشاعره، جسده وحاجاته.
 
فأما بناء الإنسان من ناحية عقله فكان بتحريره من التقليد الأعمي والتبعية علي غير هدي أو بينة، ويشير القرآن الكريم إلي هذه الحقيقة في قوله تعالي "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون". ويربي النبي صلي اله عليه وسلم في الإنسان القوة العاقلة التي تحسن الاختيار في مجال الخير، الأفضل والأحسن والأرقي، وبهذا تتقدم الحياة وترقي. وإلى هذه الحقيقة يشير الله تعالي "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه". كما يربي النبي صلي الله عليه ووسلم في عقل الإنسان قوة البحث والمنهجية العلمية التي تربط بين الأسباب والنتائج وتفسر الظواهر الكونية تفسيرا علميا، ليجد الإنسان في عظمة صنع الله وحكيم تدبيره دليلا علي عظمة الخالق فيزداد الإيمان من جانب، ومن جانب آخر يصل الإنسان إلي سر الانتفاع بهذه المخلوقات التي سخرها الله لنا، والآيات التي تدعو الإنسان للتأمل والبحث كثيرة منها قوله تعالي: "  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ".
 
أما الجانب الأخلاقي في البناء الحضاري للإنسان علي يد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فكان بانتشال الشخصية العربية خاصة، والمجتمع الإنساني عامة، من روح القبلية والعصبية التي كانت سائدة في مجتمع الجاهلية من: وأد البنات والعدوان علي الغير، وممارسة الرذيلة التي تعارف عليها المجتمع آنذاك، من بيع الجواري للمتعة الرخيصة وإدمان المسكرات وغير ذلك، فقد كانت الأخلاق منحدرة في إسفاف عجيب ضرب به المثل في فساد الضمائر والذمم وجاء رسول الله مداويا وبلسما هاديا لتتحول علي يديه وبهديه المبارك كل مظاهر الفساد إلي الفضائل والمكارم. 
 
وتحولت الأخلاق علي يد رسول الله من منطق العادة إلي العبادة، وارتبطت الأخلاق في المنهج المحمدي بالإيمان ، فالإيمان القوي يلد أخلاقا كريمة، وأصبحت الأخلاق من أفضل القربات إلي الله تعالي، فالمؤمن يبلغ من المنازل والدرجات عند الهأ تعالي بحسن الخلق ما لا يبلغه بصوم أو صدقة، بل وربط النبي صلي الله عليه وسلم بين العبادات والأخلاق فجعل للعبادات أثرا في حسن الخلق، فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، والصدقة تطهر وتزكي صاحبها.



ووسع النبي صلي الله عليه وسلم دائرة الخلق فهي تشمل أخلاق العبد مع ربه، وأخلاق العبد مع نفسه، وأخلاق العبد مع الآخرين من الناس علي اختلاف أجناسهم ودينهم، وأخلاق العبد مع من حوله من مخلوقات تشاركنا بيئة الحياة. وتمت منظومة الأخلاق علي يد رسول الله صلي الله عليه وسلم واكتملت مكارمها، فقال عليه الصلاة والسلام "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
 
وهكذا ينتقل رسول الله صلي الله عليه وسلم بالبشرية خطوات فسيحات إلي عالم أفضل يعيش علي الصدق ولا يعرف الكذب، تحيا فيه الأمانة وتُجرم الخيانة، يعيش أفراده علي التراحم والتواضع ولا يتعاملون بحسد ولا حقد ولا غيبة ولا نميمة، لقد أُمروا أن يقولوا للناس حسنا. والعظيم المدهش في البناء الأخلاقي للإنسان علي يد رسول الله صلي الله عليه وسلم هو أسلوب الوصول إليه، أسلوب تحقيقه في أرض الواقع! فلم يكره النبي صلي الله عليه وسلم أحدًا من الناس علي الفضيلة، وإنما كان بحسن التربية وحكيم المعالجة مع تقديم الأسوة والقدوة من نفسه صلي الله عليه وسلم لكل خلق يدعو إليه.
 
وهكذا يعلم النبي صلي الله عليه وسلم المصلحين درسًا عظيمًا في الإصلاح والتغيير، وهو أن الإكراه علي الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه علي الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن.
 
فقد علم النبي المصلحين أن يجتهدوا في إزالة أسباب الانحراف، وأن يعملوا علي معالجة النفس من الهوي، ثم يأتي في النهاية دور الحدود علي الجرائم الخلقية لحماية الشرفاء والصالحين ممن استعصوا علي كل محاولات الإصلاح وأصروا علي الفساد.
 
أما بشأن بناء الجاب النفسي للإنسان بناء قيميا علي يد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقد تم من خلال هديه صلي الله عليه وسلم، في تربية الإنسان علي التصالح والعلاقات الودودة مع الآخرين، فالتعامل يتم علي اساس حسن الظن بدلا من الوساوس والشكوك والاوهام التي تعذب الإنسان وتدفعه إلي القطيعة أو الانعزال أو الإساءة للغير.



وخلص الهدي المحمدي الإنسان من كل ألوان العقد النفسية الناتجة عن ألوان الحرمان المختلفة، ففي الله عوض عن كل مفقود.
 
أيضا ربي النبي صلي الله عليه وسلم، الإنسان المؤمن علي الاعتدال بعيدا عن الإفراط أو التفريط، بعيدا عن المغالاة والعصبية..وبذلك حول النبي صلي الله عليه وسلم الشخصية الهائجة القلقة المضطربة إلي شخصية تتسم بالاستقرار والهدوء النفسي، وذلك علي نحو ما يظهر في هديه صلي الله عليه وسلم، في علاج حالات الغضب والانفعال، حيث جعل النبي صلي الله عليه وسلم موازين القوة مرتبطة بالقدرة علي السيطرة علي المشاعر والرغبات والنزوات، قال صلي الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".



أيضا دعا رسول الله  إلي التفاؤل ونهي عن التشاؤم فنهي عن سب الأيام والأزمان لينتزع من النفس التشاؤم من يوم محدد أو مكان محدد، فلا تأثير للزمان بذاته ولا للمكان بذاته، وإنما يؤثر فيهما قضاء الله وقدره، قال صلي الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". وبكل الإجلال يقف الإنسان مشدوهًا أمام عظمة الهدي المحمدي في البناء النفسي للإنسان حين يدعم قوته النفسية لتكون قادرة علي مواجهة الأزمات فلا تنهار أمام خسارة فادحة أو فقد محبوب أو نحو ذلك، أو تجلس حبيسة عند مرارة الحدث بأسى وحزن يفقد الإنسان عقله وصوابه، فمن هديه صلي الله عليه وسلم في الأزمات والمحن التحلي بالصبر والرجوع إلى الله فعنده العوض عن كل مفقود، وعدم الوقوع في حبائل الشيطان، فلا تقل: "لو كان كذا لكان كذا"، ولكن توجه إلى الله تعالي وقل "قدر الله وما شاء فعل". 

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع