أفكار

البعض صدقها بفعل الإلحاح..

كذبة الآثار اليهودية بمصر

ــــــــــــــــ
 
ــــــــــــــــ

كم مرة سمعت أحدًا، يقول: «الآثار اليهودية فى مصر»!!.. بقصد «المعابد اليهودية ومقتنياتها أو مقتنيات اليهود اللذين عاشوا.

للأسف بفعل الإلحاح أصبحت عبارة «الآثار اليهودية فى مصر» مستساغة، أو مقبولة عقلا، لدى الكثيرين، وهناك من يرددها ممن يتصدون للكلام عن الآثار بشكل عام.. فى إطار الحديث عن احتضان مصر للديانات الثلاثة، وعدم التضييق على أصحاب الديانة اليهود.



بل كانت هناك بيانات تخرج أحيانـًـا من وزارة الثقافة وبعدها وزارة الآثار تقول: إحباط محاولة تهريب آثار يهودية، أو تتحدث عن ترميم آثار يهودية.



خطورة الأمر أن البعض يسهم دون أن يدرى ــ أو ربما يدرى ــ فى الإقرار بأن اليهود أصحاب حضارة أو على أقل تقدير شاركوا فى الحضارة المصرية فى فترة ما، عاشوا فيها على أرض مصر،ولهم شواهد على ذلك ــ الآثار اليهودية ــ وهذا غير حقيقى، وينم ــ مع تقديرى لمن يرتكبون هذا الخطأ ــ عن جهل أو سوء نية.
السؤال إذن:هل كان اليهود فى يوم ما أصحاب حضارة؟!!.. وهل هناك منتجات حضارية يمكن أن نسميها «الآثار اليهودية»؟!!.. وبأمر مَنْ ولمصلحـة مَنْ تحولت «إدارة المعابد اليهودية» إلى «إدارة الآثار اليهودية»؟!!.



الإجابة: بالطبع لا، فالعبرانيون رحالة عاشوا على هامش الحضارات ولم يتركوا أى تراث مؤثر، ووصف بعض المقتنيات بأنها «آثار يهودية» لأنها كانت ملكا ليهودى أو اعتبار بعض المبانى «آثارًا يهودية» لأنها بنايات كان يتعبد فيها اليهود، تدليس وتشويه لحقائق التاريخ.

فالآثار هى نتاج الحضارات، أو بمعنى أوضح الحضارة تعنى دولـــة مستقـلة ومستقرة ينتج عنها آثـار لها معـان إنسانية وقيمة فنية.. والدليـل على ذلك أن المعــابد اليهودية تصنف علميـًـا كآثـار إسلامية أو قبطية أو بالأحرى آثار مصرية شيدت على الطراز الإسلامى أو القبطى.. ولم نعـرف يومـًـا أن هناك طرازًا فنيـًـا يهوديـًـا فى مصـر أو غيرها.

 
الإحصائيات تؤكد أن اليهود فى مصر لم يزد عددهم على 7 آلاف شخص حتى نهاية عصر إسماعيل، وتمركزوا فى القاهرة والإسكندرية، وأقصى عدد لهم لم يتجـاوز 65 ألف شخص قبل ثورة 23 يوليو، وبعدها وصل عددهم إلى 200 يهودى، وظل العدد يتناقص لما هو أقل من ذلك، وهكذا كانت الأمور فى شتى بقاع العالم؛ حيث عاش اليهود على هامش الحضارات.



وعبر العصور لم يكن لليهود آثار فى مصر، هناك حضارة قبطية استمرت حتى دخول الإسلام، وكل ما تم إبداعه فى هذه الفترة يعتبر تراثــًـا مصريـًـا قبطيـًـا سواء شارك فيه مسيحيون أو يهود، أو حتى ملحدين.. وهكذا الأمر بعد دخول الإسلام مصر حيث سادت الحضارة الإسلامية.



فالمعابد اليهودية أو الكنائس أو المساجد التى تم بناؤها بعد دخول الإسلام مصر كان الفن الإسلامى هو السائد فيها، وهذا يتضح فى النقوش والأحجبة الموجودة بالعديد من الكنائس.. فـ«الكنيسة المعلقة» و«كنيسة أبوسيفين» و«كنيسة أبوسرجة» كلها ذات طراز معمارى إسلامى، حتى «معبد بن عذرا» كان فى الأصل كنيسة واشتراها اليهود وطرازها إسلامى.




وحتى لا يتوه القارئ نضرب مثالا بـ«قصر البارون» فى مصر الجديدة.. هذا القصر بناه مهندس بلجيكى مسيحى اسمه إدوارد لويس جوزيف إمبان، وبعد وفاته باعه الورثة لمستثمر سورى، ثم باعه السورى لمستثمر سعودى، وأخيرًا اشترته وزارة الثقافة.

 
السؤال: هل نعتبر قصر البارون أثرًا بلجيكيـًـا نسبة للمهندس الذى بناه، أم أثرًا مسيحيـًـا نسبة لديانتـه؟!.. وإذا كــان ذلك كذلك.. فهل تحول قصر البارون من أثر بلجيكى أو مسيحى إلى أثر سورى أو إسلامى نسبة لمالكه الجديد أو ديانته، ثم أصبح أثرًا سعوديـًـا أو إسلاميـًـا؟!!.

 
ليست هكذا تصنف الآثار، فقصر البارون أثر مصرى تم بناؤه على الطراز «المغولى الهندى» أو كما كان يطلق عليه الطراز التلقيطى الذى يجمع بين طرز مختلفة وكان وقتها تعبيرًا عن صيحة معمارية سادت فى بدايات القرن الماضى تحاول الجمع بين الحضارات المختلفة.

 
ولا مجال هنا للحديث عن جنسية المهندس الذى شيد القصر أو ديانته أو جنسية مَنْ آلت إليه الملكية أو ديانته.
وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار المعابد التى كان يقيم فيها اليهود شعائرهم، آثارًا يهودية، فلم يكن اليهــود يومـًـــا أصحــاب حضارة لها طابعها المعمارى أو الأثرى الذى يميزها.. وحتى نسمى الأمور بمسمياتها الصحيحة، فمعبد «شاعار هشمايم» ــ بوابة السماء ــ أو كما يطلق عليه المصــريون «معـبد شارع عدلى» تم بناؤه سنة 1905 على الطراز الإسلامى أو العثمانى وهو الطراز السائد فى ذلك الوقت، وتسميته أثرًا يهوديـًــا، جهـل أو تدليس.




المسألة ليست «نمكية»، فالصهاينة كــذبوا كذبة كبيرة وألحوا فى ترديدها حتى صدقوها ــ وصدقها آخرون ــ خلاصتها أن اليهود فى الكيان الصهيونى هم أحفاد اليهود الذين عاشوا فى مختلف العهود التاريخية، وأن «إسرائيل» هى المتحدث الرسمى باسم اليهود فى العالم، والراعى لما يسمونه بـ«الآثار اليهودية»، ودومـًـا يحاولون التدخل فى الشئون المصرية اعتمادًا على هذه الأكذوبة.

 
لقد أثرتُ هذه القضية فى أكثر من مناسبة وكتبت عنها فى أكثر من موضوع صحفى ومقال.. عند تسجيل ضريــح أبوحصيرة ضمن الآثار، وبعد حضور مسئولين صهاينة افتتاح «معبد موسى بن ميمون» عقب ترميمه.. وبعد زعمهم بأن قرية «قنتير» فى الشرقية هى مسقط رأس سيدنا موسى.

 
أثرتها فى كل مرة كانت تتعرض فيها مصر لضغوط صهيونية وحملات شرسة ومنظمة لخلق أمر واقع، يسمح لإسرائيل بالتدخل فى شئون ما  يسمونه بـ«الآثار اليهودية»، أو المشاركة فى ترميمها أو إدارتها.

 
والخدعة التى تمارسها إسرائيل معادة ومكررة وباتت محفوظة.. يشن دبلوماسيوها هجومـًـا على الحكومة المصـرية ــ وزارة الثقافة سابقـًـا أو الآثـــار حاليـًـا ــ ويقدمون شكاوى يزعمـون فيها أن «الآثـار اليهودية مهملة».. أو ينشرون مقالات فى صحف عبرية تدعى أن: «الآثار اليهودية لا تحظى بالاهتمام مثل الآثار الإسلامية والقبطية»، إلخ.

 
وبدلا من مواجهة الأكاذيب الصهيونية بشكل علمى وتفنيد هذه المزاعم، والتأكيد على عدم وجود ما يسمى بــ«الآثار اليهودية»، غالبـًـا ما يرضخ المسئولون المصريون لهذه الضغوط.

 
وإنشاء إدارة للآثار اليهودية فى وزارة الثقافة أيام فاروق حسنى، كان بالأساس استجابة للمزاعم الصهيونية والضغوط الإسرائيلية.

 
علينا إذن أن نسمى الأمور بمسمياتها، حتى لا نقع فى فخ صنعه لنا أعدائنا، ويحققون من وراء ذلك مكاسب سياسية كبيرة، وحتى لا يتحول ــ كما حدث بالفعل ــ الشيخ أبو حصيرة، الرجل المسلم ــ إلى الحاخام أبو حصيرة، رجل الدين اليهودى!!!.
 

 

 

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع