أفكار

كابتن غزالى.. ملحمة الصمود والمقاومة

"طار بيا الأمل بجناحه، ولمست النجوم بإيديا" كانت هذه الجملة من أغنية، أم كلثوم: "كل ليلة وكل يوم" من كلمات مأمون الشناوى، تعبر عن لسان حال الشعب المصرى عشية هزيمة يونيو 1967، فالزعيم المحبوب يحظى بحب الجماهير بشكل لم يحظ به زعيم آخر على مر التاريخ، فيغنى له عبدالحليم: "ريسنا ملاح ومعدينا / عامل وفلاح من أهالينا / ومنا فينا الموج والمركب / والصحبة والريس والزينة"، ويغنى: "صورة كلنا كده عاوزين صورة، صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة" ويغنى محمد عبد الوهاب: " والله وعرفنا الحب والحب فى بلدنا اتعلمناه والله/كان هو حبيب الشعب والشعب شاف ليلة قدره معاه / وبأرواحنا عاهدناه وبحياتنا ناصرناه اكبر من ده حب ما فيش غير حب الله وحبيب الله" وتغنى أم كلثوم:" والله زمــان يـا سـلاحـي / اشتـقـت لـك في كـفـاحي / انطق وقـول أنـا صاحى / يــاحــرب والله زمــان / والله زمـان ع الجــنــود / زاحفة بـتـرعـد رعـود / حالـفة تـروح لم تـعـود إلا بـنـصــر الـزمــان"، وقل مثل ذلك كثيرا من أغنيات غيرهم من المطربين والمطربات.

وفجأة اندلعت الحرب بين مصر وإسرائيل صباح الخامس من يونيو سنة 1967، وراحت الألحان الحماسية تشتعل، وصوت أحمد سعيد من إذاعة صوت العرب يؤكد تساقط طائرات العدو كالذباب ويبشرنا بأننا سوف نتعشي في تل أبيب.
 
وفى اليوم الثانى خفتت الألحان الحماسية، ونزل على الإذاعة سهم الله، وفى اليوم الثالث استقبلت مدن القناة الآلاف من الجنود المصريين الذين نجوا من المذبحة، شعث مغبرين يحكون عن ما لاقوه من أهوال العدو والجوع والعطش وعن رفاقهم الذين حصدتهم الطائرات حصدا أثناء انسحابهم العشوائى من سيناء، وفى مساء اليوم الخامس ظهر على شاشة التليفزيون جمال عبد الناصر كالأسد الجريح ليعلن تحمله مسئولية النكسة كاملة، ويعلن تنحيه عن الحكم، وجرت في نهر الوطن مياه كثيرة.
 


المهم أن الهزيمة الفادحة قد خلفت شعورا هائلا بالعار وإحساسا كبيرا بالمهانة والعجز وحزنا عميقا في الروح وشروخا غائرة فى الوجدان، ويأسا مطبقا يحيط بكل شىء في الوطن، وفقدت الأغانى الوطنية التى أشرنا إليها مصداقيتها ومعناها.
واقتضت قرارات القيادة السياسية التى أعلنت أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، عدم تسريح أى من جنود القوات المسلحة، وعدم الاعتداد بفترات التجنيد المقررة قانونا فمن يلتحق بالخدمة العسكرية لا يخرج منها، وهكذا راحت الخنادق والثكنات العسكرية على طول خط المواجهة مع العدو الصهيونى على طول شاطئ قناة السويس الغربي، تمتلئ بعشرات الآلاف من الجنود من الصعيد والدلتا ومختلف المدن المصرية، ولأن ليل الخنادق طويل، ولأن المصريين على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم وأقاليمهم يمتلكون وجدانا ثريا، تقدم "الكابتن غزالى" ذلك الشاب السويسي البسيط فى حياته والثرى فى مواهبة وثقافته ووجدانه والذى يجيد منذ زمن صناعة "السمسمية" تلك الآلة الموسيقية التى تتميز ببساطة مكوناتها وإمكانية صناعتها من طبق وخشبات ثلاثة وأسلاك قديمة، ومع ذلك تطلق أنغاما شجية، كما يجيد العزف عليها، ليكون فرقة أولاد الأرض من بعض زملائه من الفنانين البسطاء، فيقتحم كابتن غزالى الخنادق والثكنات، ويتحلق حوله الجنود، وتنطلق أغنياته التى راحت ببساطتها وقدرتها التعبيرية الرائعة واستيعابها للموقف وللقضية، تحيل ظلام الخنادق ومرارة الهزيمة إلى وهج من نيران الشوق إلى الثأر والرغبة العارمة فى القتال واسترداد الكرامة والأرض، فهو يغنى:" فاكرينك يا سينا/ ياقصتنا الحزينة/ لنلون حصاكى/ بدم أعادينا/ وعضم إخواتنا نلموا نسنوا/ ونعمل منه مدافع وندافع/ ونجيب النصر هدية لمصر/ وتحكى الدنيا علينا" كما يغنى: فات الكتير يا بلدنا.
ويغنى: "غنى يا سمسمية لرصاص البندقية / ولكل أيد قوية حاضنة زنودها المدافع، غنى للجنود سمير وعلى ومسعود / وغباشى لجل يعود ومعاه النصر هدية" .



كما يغنى، ياريس البحرية يا مصري / يا أبو العرق مصرى يا أبو الدراع مصرى / هات الدراع.. هات الدراع هات هات / دا بحرنا بحرنا وابن العرب صياد / قول للقمر لو فات / حنعدى ونحارب / نفرش رمال الصحرا بالحنة / ونحنى قلب الأم / أم الشهيد غنوة / والغنوة دى سلاحى والغنوة دى كفاحى / ومدفعى صاحى على القنال سهران".
 ولأن الليل طويل والأعصاب مجهدة والانتظار ممض فقد انتقلت السمسمية والتى تتميز بالبساطة وبساطة الإيقاع الذى يصاحبها على أى قطعة صفيح، بمصاحبة معلقتين من المعدن يصطكان ببعض فيصبح النغم ثريا، راحت السمسمية تنتقل إلى أهازيج جميلة تمس شغاف قلوب المجندين الفقراء والشباب: "ماتجوزينى يا امه حاضر ياولدى" كما تنتقل إلى غناء أغانى أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وغيرهم من عمالقة الفن والغناء.
وهكذا تحول كابتن غزالى من مجرد صاحب مكتبة فقير إلى ملحمة من ملاحم البطولة والصمود والمقاومة.
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع