أفكار

في إفريقيا.. الدمى لا تموت !

الدمى كما عرفها الناس قديما وحديثا هي لتسلية الأطفال ولهوهم بها، ولكن  في إفريقيا جنوب الصحراء لها شأن آخر، فالدمى في سياقات الثقافات الإفريقية المختلفة تتعدد وظائفها حسب المنطقة التي توجد فيها، بدءا من مكانتها الطقوسية في بعض المعتقدات الدينية التقليدية، حيث تعد تجسيدا للأسلاف، فضلا عن الاعتقاد بامتلاكها قوة سحرية، مرورا باستخدامها في أعمال السحر والشعوذة، وصولا إلى استخدامها كضمانة للخصوبة عند الإناث عند معظم الثقافات الإفريقية، فضلا عن الوظيفة الأساسية لها وهي تسلية الأطفال خصوصا الإناث منهم، واللاتي يتوارثنها جيلا بعد جيل من أمهاتهن في أحيان كثيرة، كما تستخدم كوسيلة للتعليم ونقل الخبرات بين الأجيال .
الدور الطقوسي للدمى في المجتمعات الإفريقية جعلها تصنع يدويا، ليس من الأقمشة فقط، بل من الخشب والطين الناضج والخرز و غيرها من الأشياء المتوفرة في البيئة، وغالبا يكسونها من الأزياء التقليدية المنتشرة في المنطقة.
 
تستخدم في التعاويذ وغيرها

مؤشر على الخصوبة 
ثمة معتقد في معظم الثقافات الإفريقية جنوب الصحراء يرى أن الطفلة التي تحب اللعب بالدمى في صغرها ستكون لها ذرية كثيرة مثل أمها، والطفلة التي تحمل دمية على ظهرها في صغرها ستحمل ولدا على ظهرها بعد زواجها ، وفي مرحلة متقدمة بعد تخطي الفتاة مرحلة الطفولة وخلال الاحتفال بما يعرف بولوج مرحلة  التحول أي الانتقال إلى مرحلة البلوغ، يقدم  لها والدها دمية لطفل مكتمل صنعها يدويا بنفسه من الخشب تعرف بدمية الخصوبة، كمثال ونموذج على الوضع الذي سيكون عليه هذا الطفل في المستقبل قويا ومتمتعا بصحة جيدة، تحمله وتتعامل معه على أنه طفل مكتمل النمو ، وبحملها إياه تكون امرأة ناضجة مكتملة النمو ، متحملة للمسئولية ، والرجل الذي يرغب في الزواج من فتاة تكون هديته الأولى لها دمية، متقنة الصنع والتصميم ، دليلا على التزامه برعايته لها ، ومتمنيا أن يكون لهما طفل في أقرب وقت ممكن .
 

دمية تنتمي لقبيلة اليوروبا في نيجيريا

دلالات الدمى عند القبائل 
عند بعض القبائل أو الاثنيات في غرب إفريقيا خصوصا في نيجيريا، تمثل الدمى أشخاصا أعزاء غادروا الحياة ، وتظل رمزا على الوفاء لهم ، يحتفظ بها في المنزل ويعتنى بها أيما عناية ، خصوصا دمى ( ere ibeji  ) التي تمثل التوءم الذين غادروا الحياة وهم أطفال ، ووظيفتها حفظ الانسجام بين التوائم، وضمان إذا مات أحد التوأمين بقي الآخر على قيد الحياة.


الدمى تعامل كالأحياء في بنين

أبناء النديبيلي أو الماتابيلي الذين يتوزعون بين أجزاء من زيمبابوي وبوتسوانا وجنوب إفريقيا ، والذين عرفوا ببيوتهم وملابسهم المزخرفة ، وتزينهم بالخرز على نطاق واسع يصنعون دمية تسمى ( لينجا كوبا )  Linga Koba " مصنوعة على هيئة ملابسهم ومزينة بالخرز ، وعندما يرغب أحدهم في الزواج من فتاة ، فإنه يضع دمية أمام بيتها، هذه الفتاة بعد زواجها تدعى دمية وكذلك طفلها الأول من هذا الزواج يدعى دمية ، هذه الدمية تباع الآن للسياح أيضا ، وتمثل مصدر دخل معتبر للمرأة .


الدمى أصبحت مصدر دخل للنساء من النديبيلي

أما أبناء شعب التسونجا وهم أيضا يتوزعون بين زيمبابوي وموزمبيق وجنوب إفريقيا ، فيصنعون دمية تسمى نوانا (Nwana) تعني بلغتهم " فتاة" ، وتصنعها الفتيات اللاتي وصلن مرحلة البلوغ ، لاستعمالها في الطقوس الخاصة بهذه المرحلة والتي تدعى خومبا ( Khomba) أو مُسوبيتو  ( Musubethu) .
تحتفظ الزوجة بدميتها حتى ميلاد طفلها الأول ، وغالبا ما تصنع هذه الدمية من الخرز .


من دمى التسونجا

أبناء قبيلة التوركانا الذين يعيشون في شمال كينيا وأوغندا ، يصنعون دمى خاصة بالخصوبة ، من مواد مختلفة مثل الخرز وجوز الكولا، والجلود والخشب ، وغالبا تصنعها النساء ، ولها طقوس معينة عند استخدامها في الثقافة التقليدية ، ولكن الخرز الذي تطرز به ، تضعه الفتاة حينما يقدمه لها خاطبها ، ويمكن أن تهدى هذه الدمية للمرأة المتزوجة أيضا ، وبعد ولادة الزوجة ، تمنح هذه الدمية لأختها الصغرى .


يقتصر استعمال مثل هذه الدمية على أعمال السحر والشعوذة

أبناء قبيلة الأشانتي المشهورة في غانا و العالم ، يصنعون دمى الخصوبة المعروفة باسم أكو ابا "( Aku'aba) من الخشب على شكل قرص، ويقدمونها للمرأة الحامل .
شعب البانتوان ( Bantwane ) الذي يقطن منطقة صغيرة في شمال شرق جنوب إفريقيا ، لديهم أيضا دمية خصوبة تدعى جيموان ( Gimwane) أو بوبنيان ( Popenyane) ،  وتحدد الملابس التي ترتديها الدمية نوعها ، ذكرا كان أم أنثى ، إذ أن دمى الذكور يكون مئزرها الأمامي على هيئة مستطيل، بينما مئزر الدمية الأنثى على شكل حرف V .


دمية تنتمي لشعب الأوفيمبوندو في جنوب أنجولا

أما فتيات شعب الزولو الذي يقطن مقاطعة الكوازولو ـ ناتال  في جنوب إفريقيا بشكل رئيس ، وتتوزع مجموعات صغيرة منه في زيمبابوي وزامبيا وموزمبيق ، فإنهن هن اللاتي يصنعن دمى الخصوبة خلال فترة الخطوبة ، ويعلقنها كجزء من قلادة ، وعند زيارة عائلة خطيبها، تضع المخطوبة شعر دميتها على وجهها ، تعبيرا عن احترامهم ، بعد زفافها تضع قطعة من الصوف المصبوغ بالأحمر على رأس هذه الدمية، وهذا يعني أن صاحبة الدمية متزوجة ، بعد ذلك يتم الاحتفاظ بالدمية في مكان خاص في المنزل ، ثم تمنح فيما بعد للابنة أو الحفيدة .  
وعند شعب السانجوما وهم من قبائل جنوب إفريقيا وقد اشتهروا بأعمال الطبابة التقليدية ، تستخدم الدمى للتواصل مع الأرواح ، كما تستخدم كقرين لمن يود التخلص من طاقته السلبية، أو لعلاج من أصيب بالسحر أو ما شابه .


تعامل كالأحياء ويقدم لها الطعام في بنين

الدمى أحياء 
أما في بنين التي تقع على الساحل الغربي لإفريقيا ، فإن للدمى شأنا آخر عند قبيلة " الفون " التي تؤمن الغالبية العظمى منها بعقيدة " الفودو "  ، إذ أن هذه القبيلة ترتفع لديها نسبة المواليد التوائم ، إذ يولد توءم لكل عشرين ولادة ، وهي أعلى نسبة في العالم، وفي الوقت نفسه ترتفع نسبة الوفيات بين هؤلاء المواليد بسبب ضعف الخدمات الصحية ، ولذا فإن دمى التوائم عند أبناء هذه القبيلة تعامل وكأنها على قيد الحياة ، حيث يقدم لها الطعام والمشروبات السكرية والمياه الغازية، وتنظف يوميا ، وتعد لها الأسرة لنومها ، وترسل أيضا إلى المدرسة !
والحقيقة أن هذا الاحتفاء بالدمى ، يعكس الكيفية التي يتعامل بها هؤلاء مع الحزن ، من خلال إيجاد بديل لتوءم الأسرة الذي قضى مبكرا ، يعاملونه كما لوكان حيا ، فيضعون له الطعام ، وينظفونه ويغيرون له ملاءات السرير، ويرسل به إلى المدرسة مع الأشقاء، أو يودع "دور الحضانة " التي يديرها أحد شيوخ القرية ، اعتقادا منهم بإن ذلك يقيهم اللعنة أو الأرواح الشريرة، لأن التوائم في اعتقادهم تمتلك قوى خارقة للطبيعة ، ولذلك قادرة على التأثير في المحيطين بها، ومن ثم يحاولون إرضاء أرواحها بكل الطرق الممكنة ، تجنبا لغضبها من سوء الخدمة !

(38 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع