أفكار

ما الذى حول الرجل إلى كائن سلفي والمرأة إلى عورة؟

غسل مخ مصر


 "استخدام أى طريقة للتحكم فى فكر شخص واتجاهاته دون رغبة أو إرادة منه".. هكذا وصّف العلم مصطلح "غسل المخ" أو "لحس المخ" بالمعنى الدارج، وهو أمر معروف على مدى التاريخ، وكم من دول وأجهزة مخابرات ومؤسسات استخدمته ولم تزل لتغيير أفكار الناس واتجاهاتهم طبقاً لرؤاها؟!!. 
 
ويُستخدم فى غسل المخ وسائل التجويع والتخويف والإرهاب والإهانة ليرغب المستضعف بعدها والذى يتعرض للأذى فى الانضمام لمعذبه والتعاطف معه واعتناق أفكاره وهوما يدخل ضمن نطاق (متلازمة ستوكهولم )ويعد تكيفاً (تطورياً)فى علم النفس، ويبدأ المستضعف بعد غسل مخه فى اعتناق فكر سياسى أو دينى أو أي أفكار يراد له اعتناقها وقد تكون عكس كل ما تربى عليه وما أقتنع وآمن به فى حياته سابقاً.

ومن قراءتنا للتاريخ البشرى، سوف نلاحظ أن عمليات (غسل المخ ) تلك لم تعنى بأشخاص منفردين فقط بل حدثت لمجتمعات بأكملها لنجد مجتمعا كاملا مثل ألمانيا وقد تحول للنازية، أو دول وتكتلات بشرية قد تحولت للشيوعية، أو لـ (التشيع) كفكر ديني. والتساؤل هنا هل حدثت عملية (غسل مخ)لمصر لتتحول من الوسطية الدينية إلى دولة سلفية ؟ وما الذى حوّل المواطن المصرى المحب للألوان والفنون والجمال إلى (كائن سلفى ) بدائى غليظ الروح والقلب، وكيف تحولت المرأة المصرية التى كانت رمزاً للقيادة والجمال والقدسية إلى (عورة)؟

الدكتور فتحي الشرقاوي
 
سلاح الميديا

يقول الدكتور فتحى الشرقاوى رئيس قسم علم النفس بكلية الآداب- جامعة عين شمس عن أعراض غسل المخ المصرى: لقد تم استخدام الميديا لتغيير كل قيم المواطن المصرى وعاداته ليتم إعادة بلورة وبث قيم جديدة عليه من معتقدات وسلوكيات، ولكى يتم ذلك بنجاح كان لابد من (تدمير)القيم السابقة. وقد ركزت تلك الميديا على تشويه جميع رموز المجتمع من: ضباط شرطة لقضاة لمعلمين وحتى لصورة الأم والمرأة، وهناك كتائب متخصصة تقوم بتلك العملية باستخدام مايسمى فى علم النفس (الصورة النمطية الذهنية)وتتلخص هذه العملية فى ترسيخ صور سلبية معينة عن المرأة كمثال وتصوير الزوجة فى الدراما أنها دوماً خائنة أو بأن ضابط الجيش جاسوس وعميل، مثلما رأينا فى مسلسل "رحمة" ليسرا فى رمضان الماضي.
ويضيف الشرقاوى: كما أن هناك كتائب إليكترونية تثير الإشاعات والأزمات الوهمية لزعزعة الإحساس بالأمان وإضعاف الروح المعنوية للناس، وللأسف فنظمنا ومؤسساتنا تعتمد على رد الفعل؟!. ثم أن أغلب المسئولين مرعوبين ويحتاجون لغسل مخ يؤهلهم لتحمل مسئولياتهم كما يحتاج العقل الجمعى المصرى إلى (غسل مخ عكسى )على أيدى متخصصين فى علم الاجتماع والنفس والتربية ومن خلال أنشطة المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وغيرها من مؤسسات لنستعيد الهوية والشخصية المصرية.


صلاح السروي

هزة وطنية
فيما يؤكد الدكتور صلاح السروى الناقد الأدبى أن ماحدث كان نتيجة هزة نفسية عنيفة بعد هزيمة 67، وهزة وطنية أصابت الانتماء الوطنى فى مقتل، وزاد الأزمة ماحدث من تحولات اقتصادية عنيفة عام 1974م، وصدور قانون الاستثمار والسوق الحرة الذى أدى لحراك طبقى عنيف أدى لانهيار طبقات عليا إلى الحضيض وصعود طبقات دنيا إلى أعلى قمة الهرم الاجتماعى فى فترة وجيزة مما دمر منظومة القيم مثل قيم العمل والصدق والوفاء والإخلاص وحسن التلفظ بالقول.
ويختم السروي: أن الهزيمة النفسية فى 67 والتى لم يستطع نصر 73 أن ينهى أثرها- حيث إنى لا أعتبره نصرا كاملا بل منقوصاً وكرامة منقوصة- مع سياسات الانفتاح، إلى جانب هجرة المواطنين إلى الخليج المختلف عنا أيديولوجياً وإطلاق يد الجماعات الإسلامية فى السبعينيات التى كانت تعارض النمو المجتمعى مع قمع السياسيين والمبدعين أدى إلى مانحن فيه ؟!!.
 
جيل غير هيٍن
لكن هناك - كما يؤكد السروي- أمل كبير فغسل مخ الشعوب لايستمر مثلما أفاقت دول الاتحاد السوفييتى من وهم الشيوعية عندما اكتشفوا تحوُل الحزب الحاكم إلى طبقة كبار منتفعين معزولين عن الشعب، وكذلك مثلما أفاق الشعب الألمانى بعد هزيمة العسكرية النازية وتردى الأوضاع الاقتصادية. والأمل دائماً موجود فشعب مصر قد اكتشف حقيقة الإخوان ولعبهم بورقة الدين مثلما كانوا يسمون قرض صندوق النقد فترة حكمهم مصاريف إدارية ثم يرفضونه الآن . كما أن هناك شبابا واعدا وجيلا جديدا غير هين الشأن أو قليل القيمة، مستحيل غسل مخه أو الضحك عليه إذ يستفيد من التطور التكنولوجى المذهل، ويميز بين الكذب والحقيقة.


الكاتبة رباب كمال

كنت إخوانية
الإذاعية والكاتبة رباب كمال تقول بأن غسل المخ قد حصل فعلاً والموضوع ليس نتيجة للهجمة السلفية فقط بل هو عملية ممنهجة من خلال الإعلام حيث تحولت مصر إلى (معسكر مفتوح) وأستُخدم التهديد والتعذيب النفسى بـ (الأخرة ) وأن من تضع العطر أو لا تغطى شعرها أو تستمع للموسيقى سوف تحترق فى النار. وكان شيخ جامع يوسف الصحابى فى مصر الجديدة، وكنا نحضر دروسه كان يخصص أول عشر دقائق من الدرس للإرهاب النفسى والتخويف إذ كان لابد من البدء بحديث "الكاسيات العاريات"، وتحقير المرأة وشيطنتها .
وتضيف رباب: غسل المخ لم يتم من خلال المساجد فقط بل من خلال الدروس الدينية فى المراكز الثقافية والنوادى فقد كان الموضوع موضة أو صيحة، ذات مرة قال لنا إمام الجامع أثناء خطبة الجمعة أن طه حسين قد حصل على جائزة نوبل ولأننى أعرف بعدم حصوله عليها أخذت اسأل السيدات حولى فى الطابق العلوى المخصص لنا وبدأت تتوالى الإجابات بـ (نعم )، وسمع الإمام صوت همهماتنا فقال: اللغو فى الخطبة حرام ليسكتنا رغم أن الموجودات كن متعلمات ومن أعلى المستويات ؟!!.

وتستطرد رباب: أيام انضمامى للإخوان كان هناك مجموعات عمل وكتائب وفيالق ولتغيير رأى 100 شخص تحتاج 10 جنود (أعضاء)، وكان لكل شارع مسئول يستقطب الإناث والرجال أو فيلق مكون من جنود.. رجالاً ونساءً.. لهم مهام محددة. وفى الجامعة الأمريكية خلال العام الماضي، قابلت قاضية مصرية وبعد معركتها هى وزميلاتها مع الأزهر لعقود وجدتها تقول إن حقوق المرأة يجب أن تحتكم إلى الشريعة وقالت إن حقوق المرأة لها سقف وأتساءل أنا : ماهى الشريعة، إنها مجموعة اجتهادات لمجموعة رجال فسروا الدين حسب زمانهم وبيئتهم . وماقول القاضية فى أن "الشريعة" (أو ما يقال إنه الشريعة ) نفسها قالت سابقاً بأنها لاتصلح أن تكون قاضية لأنها امرأة؟!!. كما كانت هناك فتوى صادرة من الأزهر بتاريخ 4 مايو 1952م ( من الشيخ حسنين مخلوف تحديداً) تقول إن المرأة لاتصوت فى الانتخابات ولا ترشح نفسها، وأنه فى يوم من الأيام كانت هذه هى "الشريعة"، فكيف تقول تلك القاضية، وهى الآن جالسة على منصة القضاء وهن بالكاد 66 قاضية لاغير، وكانت هناك وعود بالتعيين فى مجلس الدولة ولم يتحقق أى منها إلى الآن؟!!!


الدكتور عمار علي حسن

هجمة ممنهجة

أما الباحث السياسى الدكتور عمار على حسن فيرى بأن هناك اختلافا بين "غسيل المخ"، وبين "التلاعب بالعقول"، لأن الغسيل يقوم تحت ملاحظة علماء ومتخصصين وخبراء وتستخدم فيه الأجهزة والأدوية، وما حدث لنا هو هجمة شرسة على ذائقتنا المصرية وهى هجمة ممنهجة منذ أوائل السبعينيات مع بداية تحالف السادات مع جماعات الإسلام السياسى وسفر الناس للخليج وتقديم النموذج الخليجى باعتباره "النموذج الإسلامى السليم"، كما ضُخّت أموال هائلة داخل مصر فى صورة: أشرطة كاسيت، وكتيبات مجانية، وكتب.. وتم تقديم رموز سلفية عبر الفضائيات مع محاربة الرموز المدنية وتشويهها.. كل ذلك مع ضعف السلطة عن مواجهة مايحدث من هجمات على "وعى المصريين" مما أدى إلى تكون عقل جمعى مصرى جديد، وقد نسميه مجازاً "عملية غسل مخ جماعي"، ولكنها لاتشبه ما تتبعه الأنظمة الديكتاتورية ضد السجناء السياسيين لتغيير أيديولوجياتهم وعقائدهم.
 
يتامى رابعة
وقد استخدمت تلك الهجمة - كما يضيف عمار- عدة وسائل لإعادة تشكيل الشخصية المصرية منها: استغلال الحاجة الاقتصادية عند المصريين، وحبهم للدين، بل أن كثير من الجمعيات الدينية كانت - ومازالت - توزع الصدقات وتعطى الدروس لمحاولة ربط الناس بأفكارها، وأكبر دليل على ذلك دور الأيتام، وكلنا نذكر كيف تم استخدامهم وحشدهم فى رابعة.هى إذاً عملية أدلجة أقرب لغسيل المخ تتم بشكل مستمر وتجند أتباع جدد ليقتحموا المجال العام وخلق تعاطف مجتمعى معهم ؟!!.
ويعطى الدكتور عمارالحل فى التعليم المدنى والفن، ويوصى بمحاولة إصلاح التعليم لخلق فرد مفكر ناقد يفهم السببية والنسبية والتراكم، وهى من عناصر التفكير العلمى لكى يفند مايسمعه من تلك الجماعات. أما الفن فهو ما أخرج أوروبا من سيطرة الكنيسة وتقاليدها المتخلفة وانتقل الأمر من الفنانين للفلاسفة ثم للمؤسسات والجامعات وواكب كل ذلك ثورة سياسية .

وتستطرد رانية : لقد تعرضنا لجميع أنواع الاحتلال، ولم تتغير طبيعتنا. وكحل للخروج من تلك الأزمة يجب إتاحة الفرصة للرأى الحر، وترك الأبواب مشرعة أمام حرية الفكر والتعبير، وأن يختار الشخص ما يعجبه من أراء ويتخلص من التبعية الفكرية، وتدريجياً سوف نجده يختار الاختيار الصحيح . فيما تختلف الباحثة الإعلامية رانية صلاح مع مصطلح "غسل المخ " وتؤكد بأن الشعب المصرى مستحيل أن يحدث له ذلك، وأن الأمر مجرد "حب تقليد" وقد نلاحظ مثلاً رجلاً قد يمنع أهل بيته من الرقص فى الأفراح، وفى مناسبات معينة - خصوصاً الوطنية - قد نجده يشاركهم الرقص. 


الباحثة الإعلامية رانية صلاح

الغيبوبة البلهاء

ومن جانبه، يشير الناقد الكبير د. صلاح فضل إلى أن العملية الأيديولوجية التى تم إعادة الأفكار وبذر الأفكار المتطرفة عليها، وتحويل الشعوب من طابعها السوى المسالم إلى اعتناق مبادئ عنصرية أو دونية متطرفة تعتمد على عدة ركائز أساسية من أهمها: استغلال حالة الفقر المادى والمعنوي، وتردى التعليم، واستغلال الدعاة الدينيين، واللجوء لاستغلال نقطة الضعف الرئيسية لدى الشعوب - سواء عنصرية أو دينية - فـ "النازية " استخدمت نزعة الاستعلاء الألمانى المتوارثة والرغبة للسيطرة على العالم عن طريق قوة العلم وجبروت السياسة، و"الشيوعية"استغلت ضعف روسيا اقتصادياً وحاجة الناس الشديدة للعدالة الاجتماعية وزرع الأمل فى نفوسهم لتحقيق الجنة على الأرض بأن يكون لكل إنسان حسب حاجته إشباع جميع متطلباته ومن كل إنسان حسب طاقته، بينما سلبته أغلى مايملك وهو حريته وإنسانيته ؟!!.



بينما لدى شعوبنا بشكل خاص نزعات التعصب للدين والإحساس العميق بالأبعاد الروحية للوجود وعمران الأرض، وبفكرة الألوهية التى تعطى للحياة معنى وللأخرة معني، وتنزع عنها طابع العبث والعدمية.. هذا الشوق العربى - المصرى أساسا -للخلود منذ الفراعنة، أجّج حاجة الإنسان للدين بحيث تستعمل هذه الفكرة لتحقيق الأغراض السياسية والإمبراطورية والاستبدادية تحديداً. 
ويضيف د. فضل أنه للخروج التدريجى من تلك الغيبوبة البلهاء التى يضعنا فيها أصحاب المشاريع السلطوية للحكم وتأسيس الدول الدينية التى تتنافى مع منطق العصر الحديث يجب انتهاج استراتيجيات تعليمية وإعلامية وثقافية تحدد أولويات المجتمع بوضوح، وتشغيل منظومات القيم الحضارية التى تدعو لها مواثيق حقوق الإنسان.
 

 
 

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع