أفكار

عن الدين والفن.. في عيد القيامة المجيد

عن الذى يقف خلفه شياطين الإرهاب الأسود الموجه ضد بيوت لله، يحتفل فيها المسيحيون المصريون فى سلام واحترام، والمدهش فى الأمر هو تكرار تلك المهاترات المجنونة رغم أنها أكدت أكثر من مرة منذ قرون طويلة أن إشعال نار الفتنة بين المسيحيين والمسلمين فى مصر أمراً لا يمكن إتمامه، ذلك أن النسيج الثقافى والحضارى للمصريين لا يسمح بمثل ذلك، إلا أن ما ينبغى علينا أن نذكر به من وجهة نظر ثقافية هو إعادة تأكيد ما هو معروف عن رحمة وحكمة وتسامح الديانة المسيحية، وأيضاً أننا كمسلمين لا يتم لنا الإيمان إلا بالإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالإيمان بالسيد المسيح عليه السلام هو جزء من إيمان المسلم لا يكتمل بدونه، كما أن حرية الاعتقاد والعبادة مكفولة لكل الناس فى الدين الإسلامى فى النص القرآنى وفى السنة المحمدية، وجزء رئيس من رحمة وحكمة الديانة المسيحية أنها ديانة إنسانية جاءت لتخرج الناس من وحدة الهيكل ودين العرق والدم لشعب مختار، فهى ديانة لكل أبناء آدم وحواء، كاتب هذه السطور مسلم سنى لا يسعه فى مجال تهنئة المصريين بعيد القيامة المجيد وأعياد الربيع إلا أن يشعر بالأسى من تكرار مثل هذه السطور التى وبحق أندهش من تكرارها فى القرن الحادى والعشرين، أتذكر بكل تقدير ما كتبه عباس محمود العقاد فى كتابه عبقرية المسيح عن إنسانية الرسالة فقد كان العالم اليهودى فى العصر الذى ولد فيه السيد المسيح يشتمل على طوائف مختلفة لكل منها مذهبه فى انتظار المسيح المخلص الموعود، ولكنهم رفضوه وآذوه لأنه جاء للناس أجمعين، ولم يأت لليهود فقط، وما أحوجنا لتذكر السيد المسيح لتجرده وحكمته ورسالته النبيلة لأن العالم عندما جاء كان يشبه إلى حد كبير ما يحدث فى عالمنا المعاصر حيث يقول العقاد "ومما لا خلاف عليه بين المؤرخين الشرقيين والأوروبيين أن الحالة السياسية فى فلسطين خاصة كانت على أسوأ ما تكون، ولكنها على إفراطها فى السوء لم تبلغ مبلغ الحالة الاجتماعية فى الدلالة على القنوط وعموم البلاء.. وحسب القارئ أن يتصفح الأناجيل كائناً ما كان اعتقاده فيها من الوجهة الدينية، لكى تتمثل له حالة البؤس واليأس التى كانت ترين على القرى والمدن فى أقاليم فلسطين، ولا سيما إقليم الجليل الذى تواترت الروايات عنه فحيثما رحل الإنجديليون رحلة من رحلات السيد المسيح بين القرى فهناك أخبار عن العجزة والمرضى الذين يتعرضون لطلب الشفاء بعد اليأس من كل علاج".(1) 

 
 
إقليم الجليل فلسطين
  
فما أحوجنا الآن فى فلسطين وفى عالمنا العربى الجريح وفى العالم كله لرسول يقف وحده ضد العالم، وتقوم رسالته ودعوته وتبشيره بإعادة إصلاح الكرة الأرضية التى تعيش ظروفاً عامة مشابهة لظروف بداية دعوة المسيح، ولذلك علينا أن نعيد بعث تلك القيم التى جاءت فى المسيحية وتذكير الغرب المسيحى بها، ولعل أبرز ما فى رسالة السيد المسيح أنه لم ينص على شريعة جديدة وأحكام محددة، فهو جاء لا لينقض بل ليكمل رسالة موسى عليه السلام، التى أرادها أتباعه لهم فقط، ثم تشددوا فى تطبيق الشريعة اليهودية لدرجة شديدة القسوة أخرجت الدين آنذاك من معناه الجوهرى للتحكم فى البشر بالرجم والقتل والنفى وما إلى ذلك، فكان السيد المسيح عليه السلام داعياً للرحمة وداعياً للضمير مؤكداً أن ملكوت الله مكانه ضمير الإنسان، ولذلك بقى العهد القديم قائماً مع العهد الجديد فى كتب المسيحية المعترف بها حتى الآن، حاولت المسيحية اليهودية آنذاك خارج الجليل أن تصنع كنيساً يأخذ المسيحية نحو فكرة العصبية القبلية ونسب الدم ولكن اختفت تلك الكنائس التى يحاول بعضها العودة على استحياء فى القرن الحادى والعشرين لإدماج المسيحية فى صراع ضد نفسها لجعلها قومية وعصبية قبلية ضد الآخرين.
  
 
البابا فرنسيس
  
 لكن البابا فرانسيس بابا الفاتيكان بتأكيد زيارته لمصر التى ننتظرها جميعاً لنسعد ببابا الفاتيكان المتحضر، الذى أعلن عقب حملة الإسلاموفوبيا الأخيرة فى أوروبا أن المسيحية هدفها سعادة الإنسان، أى ما كان هذا الإنسان، البابا فرانسيس سعدت بالاحتفال معه فى روما منذ عامين بعيد الحب (عيد القديس فلانتين)، وفى ساحة الفاتيكان اجتمع الناس وحولنا الحمام الأبيض مطمأن يرقص معنا، فى سلام على قداس غنائى عن المحبة تم تصميمه موسيقياً على أنغام وإيقاع موسيقى معاصرة كانت تملأ ساحة الفاتيكان محبة وإنسانية، كانت جنسيات مختلفة تحيى الإنسان وترقص وتغنى فى مشهد احتفالى يمزج الدين بالفن بالإنسانية، حيث يحتفل الإنسان ويرقص ويدعو الله ويغنى بحضور رمز الكنيسة المسيحية الذى كان يدور بعربة مكشوفة لا تعمل بالوقود ولا تصدر صوتاً ومعه حرسه الرمزى السويسري، ليلقى السلام على كل ضيوف الفاتيكان، إنه تطوير جديد للقداس الخاص بالقديس فلانتين، وهو القديس المسيحى الذى أصبح يوم الاحتفال به بمثابة احتفال البشرية المعاصرة بفكرة الحب، هذا التجسيد الرائع للمزج بين الصلاة والاحتفال مع كل البشر مشهد لا يزال يضيء روحى بالمحبة كلما تذكرته، وتذكرت المحبة التى اختلطت مع هواء ذلك الصباح المشمس فى الفاتيكان، ولذلك فمقاومة هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من الدين الإسلامى قومية وعصبية، والذين يأخذونه لتفسير خاطئ يدعو للقتل والإرهاب أن يدركوا أنه دين للإنسانية كلها مثله مثل الدين المسيحي.
 
 
 
 أما أن يحتكر الدين عصبة من الناس فهى عودة لأفكار احتكار الإيمان فى الهيكل الذى صاح فيه السيد المسيح صيحته التى تبرأ فيها من الصيارفة والمدعين وأعلن أن الدين للإنسان فى كل زمان ومكان، ومن هنا تصدر إنسانية وعالمية الدعوة المسيحية التى تتأسس على التسامح وإنكار الذات ومحبة الناس الأعداء قبل الأصدقاء، ولذلك فمن المدهش أن يتصور أحد أن تفجير الكنيسة المسيحية فى طنطا أو فى الإسكندرية هو نوع من التعبير عن إيمان ما، حقيقة الأمر أن الدين المسيحى لا يلزم أحداً بالديانة ولا يفكر فى إنكار الأديان الأخرى، وهو أكثر الأديان قابلية للالتحام بالفنون لأنه دين التسامح والرقة والإنسانية، المسرح الذى نراه الآن فى عالمنا المعاصر هو تطوير لمعمار الكنيسة، حيث المذبح والهيكل هو مكان القداس والموعظة والمصلين هم جمهور الحضور وبينهما المذبح والمصلين مسافة جمالية ونفسية هى ذات المسافة بين مسرح التمثيل الإيهامى المعاصر وبين مقاعد المتفرجين فى المسرح الغربي، تراث الكنيسة فى المسرح الدينى منذ تمثيلية آدم فى القرن الخامس عشر الميلادى بفرنسا حتى تمثيليات الآلام المعاصرة هى تأكيد لدور المسيح ابن الإنسان فى الفداء وخلاص البشر أجمعين، وهى بمختلف أنواعها مصدر التفكير المسرحى المعاصر الذى استلهم البناء المشار إليه بالمسافة النفسية والجمالية ليصبح هو المعمار المسرحى التقليدى حول العالم، وليصبح علاقة التمثيل والمسرح بالدين علاقة قبول وجدل فى الديانة المسيحية، كذلك تأتى الرسوم والنقوش والأيقونات كتراث فنى إنسانى عظيم ساهمت مصر فيه بالإنجاز الكبير.
 
 إن البابا فرانسيس واحد من رجال اللاهوت الكبار المؤمنين بالمزج بين الفن والدين، وتأكيد زيارته لمصر هو دعم لوحدة المصريين، واعتذار البابا تواضروس عن قبول التعزية فى العيد، هو دفع قوى للمشاعر السلبية بعيداً عن عيد القيامة المجيد، لا شك أن مصر لن تسمح بتفتيت النسيج الاجتماعي، وستبقى حكمة المسيحيين المصريين مصدراً للاحترام والتقدير، وكما فشلت المحاولات التاريخية للفتنة، فستفشل مهما تكررت وعلى هؤلاء أن يدركوا أنه لا جدوى من أفعال الانتحار والقتل والإرهاب الأسود، ذلك أن المسيحية ستبقى دين المحبة والسلام، وكل عام ومصر وأنتم بخير وسعادة.
 إن الحديث عن العلاقة بين الفن والدين حديث ربما يبدو غريباً فى عالمنا المعاصر وربما يبدو أكثر غرابة بالنظر إلى شيوع الفنون التجارية التى تتأسس على القتل والرعب والجنس والمال، ولكن حقيقة الأمر أن العلاقة بين الدين والفن هو علاقة جوهرية، فجوهر الفن هو جوهر الدين نفسه الذى يستهدف الحق والخير والجمال، بعض الفنون القديمة كانت ممارستها هى ممارسة للعبادة مثل المسرح اليونانى واحتفالاته التى كانت تحدث فى الربيع كنوع من تقدير باخوس إله الخصب والمرح عند اليونان، بل إن الأساطير اليونانية التى هى جزء من الإيمان الإغريقى كانت هى مصدر المسرح اليونانى كله، بعض الفنون البدائية القديمة مثل الرقص الأفريقى فى المطر وما إلى ذلك كان نوعاً من الاعتقاد الديني، والفنون الإسلامية أيضاً لها دورها الكبير فى العلاقة بين الفن والدين، إلا أن المسيحية بلا أدنى شك وبمراجعة التاريخ الإنسانى هى صاحبة الإنجاز الأكبر فى العلاقة بين المسرح والدين، والموسيقى والدين، وهى صاحبة التفسير الأعمق اللاهوتى للعلمانية التى تحترم العقل وتفصل بين الدين والدولة دون أن تضع تناقضاً بينهما، والكنيسة المعاصرة وبابا الفاتيكان أكثر الممارسين للمزج بين الدين والفن، ولذلك تبقى المسيحية فى ثوبها المعاصر أكثر إنسانية مما كانت عليه فى القرون الأولى، والكنيسة المصرية كذلك ذات طبيعة إنسانية معاصرة وننتظر منها دوراً فنياً وثقافياً، هى جديرة به بلا شك.
 
المراجع : 
عباس محمود العقاد : عبقرية المسيح، كتاب اليوم، عدد خاص، رقم 642، دار أخبار اليوم، القاهرة، مارس 2017، ص 50. 
 

(26 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع