أفكار

"فولني" في مصر..

عقلية عالم وروح جاسوس

احتل كتاب "رحلة إلى مصر وسوريا " للرحالة والمؤرخ والفيلسوف الفرنسى "فولني" مكانة بين كتب أدب الرحلات التى كتبت عن مصر فى القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من اختلاف الكثيرين حول تقييم هذا العمل إلا أنه يبقى علامة مميزة لكتب أدب الرحلات الفرنسي، ووثيقة علمية وتاريخية واجتماعية عن مصر قُبيل الحملة الفرنسية. وسنسرد فى هذا المقال التعريف بهذه الرحلة ومؤلفها.
 
كونستانتان فرانسوا دو شازبوف ((Constantin François de Chassebœuf. ولد كونستانتان فرانسوا دو شازبوف، وشهرته الكونت دو فولنى Volney، فى ميين بفرنسا يوم 3 فبراير 1757. كان لقبه فى البداية باسم بوازجيريه، نسبة لاسم ضيعة يمتلكها والده فى الريف الفرنسي، لكن لما بلغ كونستانتان أشده اتخذ لنفسه لقب فولني، وقد اكتسبه من الجمع بين الشطر الأول من اسم المفكر والفيلسوف الفرنسى الأثير لديه " فولتير "، والمقاطعة التى كان يعيش فيها فولتير على حدود فرنسا وسويسرا "فيرني". درس فولنى القانون والتاريخ والطب ثم اللغات القديمة. وفى عام 1871 ورث فولنى عن والدته مالاً لم يكن يترقبه، فوجدها فرصة ليقوم برحلة إلى الشرق واستقر رأيه على مصر وسوريا.
 


سافر فولنى إلى مصر فى أواخر عام 1782 ولم يستقر فيها غير سبعة أشهر، ثم استكمل رحلته إلى بلاد الشام (فلسطين ولبنان وسوريا) حيث عاش هناك لما يقرب من عامين تعلم خلالهما اللغة العربية ويدرس أحوال تلك البلاد. عاد فولنى إلى فرنسا عام 1785 حيث قضى العامين التاليين فى كتابة مؤلفه الشهير "رحلة إلى مصر وسوريا" والذى نشره عام 1787 فى فرنسا. يقع الكتاب فى مجلدين - عدد صفحات الأول 487 صفحة، والثانى 458 صفحة - تناول فى الأول منهما الحالة الطبيعية والجغرافية والسياسية والاجتماعية لمصر فى فترة حكم الأتراك العثمانيين والمماليك فى أواخر القرن الثامن عشر، ويتألف من تسعة عشر فصلا. ثم تناول فى القسم الثالث من المجلد الأول الحالة الطبيعية والجغرافية لسوريا ثم الحالة السياسية لها، واستكمل بقية مؤلفه عن سوريا فى المجلد الثاني.
 


اختلف الباحثون والمؤرخون فى تقييم رحلة فرانسوا فولنى إلى مصر. وقد جمع الدكتور ثروت عكاشة خلاصة هذه الآراء فى كتابه الشهير "مصر فى عيون الغرباء"، قائلا : "رحل فولنى إلى مصر ليحقق هدفا علميا محددا بوصفه مؤرخا وفيلسوفا يضم إلى ملاحظاته ومشاهداته الأرقام والأسانيد التى تدعمها ". وكذلك نجده يقيم رؤية فولنى فى بعض مواضع كتابه بخصوص أحوال المصريين: " كان فولنى قد انتهى فى كتابه إلى أن عذّ المصريين جديرين بالشفقة والرثاء لا بالامتهان والازدراء، ذلك أنهم فى كثرتهم فلاحون كادحون يكابدون المشاق فى صبر شديد، ويمكن لهم حين يحسُن توجيههم أن يقيموا مجتمعا أفضل، غير أن العقبة الكبرى التى تحول بينهم وبين ذلك هى حرمانهم من المعرفة ". وكذلك ذكر أن " فولنى لم يقم فى كتابه بعملية تجميل أو خداع بمعسول الحديث عن مصر. ومع ما فى سائر عباراته من قسوة إلا أنها تحمل الكثير من الصدق الواقعى مهما بدا فيها من سخرية لاذعة ". ثم استطرد دكتور ثروت عكاشة فى تحليله الموضوعى لكتاب فولنى عن مصر قائلا " الواقع إن فولنى لم يجنح إلى الخيال وهو يقدم صور مصر إلى قراء أوربا برغم أنه لا يجهل جاذبية الخيال لأغلب هؤلاء القراء، ذلك بأنه كان يؤمن أن فن الرحلات ينتمى إلى علم التاريخ لا إلى الفن القصصي. ثم هو يعترف بأنه لم يصور البلدان بأجمل مما رآها، كما لم يصف الناس بأفضل ولا بأسوأ مما شاهدهم. وقد قضى فولنى بالقاهرة تسعة أشهر اعترضته خلالها الكثير من العقبات التى حالت دون أن يجوس داخل البلاد أو أن يلقّن اللغة العربية، كما لم يجد من الجالية الفرنسية بالقاهرة أى عون على مدّه بالمعلومات، إذ لم يكن أفرادها أو حتى القنصل الفرنسى نفسه يكترثون بعادات الأهالى وتقاليدهم المحلية. ولعل هذه الأسباب هى التى دفعته إلى التحامل على مصر ومغادرتها إلى سوريا التى كرّس لها اهتمامه، حيث كان الاستقرار فيها أكثر استتبابا ". 
 


ختم فولنى آراءه ومشاهداته عن مصر فى كتابه بأنه لا يكتفى بالحكم عليها بأنها دولة أنهكتها الفوضى والتفسخ السياسى والاجتماعى والعسكرى على أيدى الأتراك والمماليك، بل إنه لا يرى خلاص مصر إلا فى تدخل أوربى ينقذها من وهدتها ولا يتورع عن ترشيح فرنسا " لكى تكون القوة الخارجية التى تبعث فى مصر الحياة من جديد بعد أن تعى ماضيها وتشفيها من أسقامها الحاضرة وتهيؤها لمستقبل أفضل ". وكانت هذه الكلمات هى التى جعلت من المؤرخين ينظرون إلى فولنى أن عقليته استعمارية - وقد يكون هذا صحيحا إلى حد ما- ولكنها طمست النظر الموضوعى إلى آرائه عن مصر وكتابه عنها، بل وعن تحفته الأخرى كتاب " الأطلال" عن أسباب انهيار الدول والحضارات والذى ترجم إلى أربع لغات أوربية فى القرن التاسع عشر لتحليله السياسى والاجتماعى الدقيق .
 


بقى القول أنه بعد صدور الكتاب فى فرنسا بخمس سنوات فى عام 1792 سافر فولنى إلى جزيرة كورسيكا فى رحلة علمية، فالتقى هناك بضابط مدفعية شاب يدعى نابليون بونابرت، أخذ يستمع فى شغف إلى فولنى فى وصفه لمصر، مما حفزه لقراءة كتابه الذى قدّر فيه قوة حجج المؤلف وصفاء وضوحه ودقة وثائقه. وعندما ذهبت الحملة الفرنسية لغزو مصر كان كتاب فولنى هو الكتاب المفضل لدى قادة الجيش والعلماء، إذ كان لهم دليلا ممتازا وموجزا نفيسا لجغرافية مصر الاقتصادية والسياسية.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع