أفكار

طاقة النور التى لا تزال تضيء..

عبدالحميد شتا

فى المسلسل الرمضانى "طاقة نور" تطرقت الأحداث لقصة واقعية بطلها شاب عصامى مجتهد هو عبد الحميد شتا زميل الدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الذى قدم أوراقه للالتحاق بالسلك التجارى بوزارة التجارة الخارجية، وتم إخطاره باجتياز المراحل النهائية للاختبارات إلا أنه فوجئ باستبعاده من كشوف الناجحين، كانت الصدمة كبيرة وبلغت درجة الإحباط بعبد الحميد مبلغاً دفع به لإلقاء نفسه من فوق كوبرى قصر النيل آملاً أن يجد راحته فى الآخرة بعدما فقد الأمل فى الدنيا.
 
بوجهه الباسم الأسمر وشاربه الرفيع وهندامه النظيف دائماً كان عبد الحميد يقف عادة فى مدخل كلية الاقتصاد منهمكاً فى مناقشة بدا أنها حامية مع عدد من زملائه، رأيته مقبلاً على يعرفنى بنفسه ويطلب منى استشارة بشأن اختيار مادة التخصص الفرعى حيث كنت أسبقه بعامين دراسيين، التقينا بعد ذلك مرات ثم طلب منى أن أمده بكتب الفصل الدراسى الأول من مواد البكالوريوس، وأخبرته مازحاً أن يركز تفكيره فى اجتياز السنة الثالثة أولاً قبل أن يفكر فى الإطلاع على مواد البكالوريوس، ثم وعدته بلقاء قريب فى يوم الثلاثاء الساعة الثانية عشرة ظهراً. كان هذا هو موعد استراحة النشاط التى أصر الدكتور على الدين هلال عميد الكلية وقتها على إيقاف النشاط الدراسى لمدة ساعة ونصف لتمكين الطلاب من التعارف وحضور فعاليات الأنشطة الثقافية والرياضية.
 
كان عبدالحميد مهتماً بالطبع بالنشاط الثقافى وكثيراً ما جمعنا مدرج الأستاذ الدكتور زكى شافعى لحضور ندوات ثقافية شرفنا فيها عدد من رموز مصر من بينهم على سبيل المثال المشير الجمسى والأستاذين جمال الغيطانى وبهاء طاهر بالإضافة للمخرج الراحل يوسف شاهين والفنانة ماجدة وغيرهم.
 


سعدت كثيراً عندما قرأت اسم عبد الحميد فى لوحة الشرف بالكلية بعد فوزه بلقب الطالب المثالى للعام 1998 وكان وقتها فى السنة الثانية بالكلية، امتد الحوار مع عبد الحميد نحو الساعة وأخذ يحكى عن طموحاته وآماله، تحدث عن رغبته فى التقدم لامتحانات وزارة الخارجية وكذا التمثيل التجارى بوزارة التجارة، كنت أتأمل ابتسامته التى تعبر عن روح متوثبة مليئة بالطموح وأتابعه فى إعجاب وهو يخبرنى بأنه ملتزم يومياً بحفظ عشرين كلمة باللغة الإنجليزية استعداداً لاجتياز الاختبارات المشار إليها، كما تحدث عن فخره بفوزه فى مسابقة الطالب المثالى وكيف أن هذا الفوز يأتى تتويجاً لكفاح والده الذى يفتخر بأنه إنسان بسيط أصر على تعليم أبنائه ليضمن لهم مستقبلاً مشرقاً .
 
أثناء إعدادى لبحث التخرج كنا – طلبة السنة النهائية – نتردد على مكتبة الكلية العامرة كل يوم تقريباً، وكانت المكتبة تتميز بأنها الوحيدة على مستوى الجامعة التى تستقبل الطلبة حتى الساعة التاسعة مساء، ربما لم يخل أسبوع من لقاء أو اثنين بعبد الحميد شتا ، تراه منكباً على الكتب والمراجع رغبة فى الاستزادة من العلم .
 
بعد التخرج ندرت مرات ترددى على الكلية ولم يكن الهاتف الجوال آنذاك منتشراً وبالتالى لم يكن التواصل مع زملاء الكلية سهلاً، علمت بعد ذلك أن عبد الحميد تخرج فى الكلية بتقدير جيد جداً وأنه يستعد لتحقيق هدفه الذى انتظره طويلاً.
 
فى 18 يوليو 2003 كان قد مر على تخرج عبدالحميد ثلاث سنوات، علمنا فيما بعد أن طموحاته تكسرت على صخرة الواقع المرير، وأنه حاول التقدم لأكثر من وظيفة وتواصل مع العديد من المسئولين للعثور على وظيفة إلا أنه فشل، كانت القشة التى قصمت ظهر البعير أن الفرحة التى سيقت إليه بعد أن تم إبلاغه باجتياز امتحانات السلك التجارى قد صودرت منه لأسباب ترجع لظروفه الاجتماعية التى لا ذنب له فيها، قرر عبدالحميد وهو فى الرابعة والعشرين من عمره أن يذهب لكوبرى قصر النيل ليلقى بنفسه مودعاً عالماً قاسياً أبى عليه الفرحة.
 
رحم الله عبد الحميد شتا طاقة النور التى ما تزال تضيء رغم النهاية المأساوية.

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع