أفكار

شاهد على تاريخ..

شارع الخليفة

  
إن جدى المنتمى للطريقة البرهامية يأتى كل عام مع أقاربه من النوبة ليقضوا شهرا يحضرون فيه موالد شارع الخليفة (السيدة سكينة - السيدة رقية – سيدى محمد الأنور – السيدة نفيسة) وكلهم فى نفس الشارع وتنتهى الزيارة بعد ذلك بمولد سيدى على زين العابدين ثم مولد السيدة زينب وقرر فى عام 1965 أن يبنى هو واثنان من أقاربه بيتين مطلين على مقام السيدة سكينة وهكذا ولدت أنا فى البيت الذى أقامه جدى حيث تطل شرفته الواسعة - التى طلب جدى من المقاول أن تكون قريبة الشبه بالوسعاية الكبيرة فى البيوت النوبية - على مقام السيدة سكينة ويقابلها مسجد محمد على بالقلعة وعلى يمين الشرفة مسجد شجرة الدر الموجود به قبر شجرة الدر وقبر سيدى محمد خليفة العباسى والذى سميت المنطقة بأثرها على اسمه.
 


الشيخ ألماظ 
عندما تسير فى شارع الخليفة متجها فى نهايته إلى شارع السيوفية بعد قبة المظفر بقليل ستجد أمامك مسجد ألماس الحاجب المعروف لأهل المنطقة بمسجد الشيخ ألماظ  وهو من أشهر المساجد وأجملها فى ذلك الشارع حيث يتميز ببهاء رخامه الرائع وستجد إذا دققت النظر أنواعا مختلفة من الأعمدة الرخامية ليست ذات نسق فنى واحد وكان ألماس الحاجب يجزل فى العطاء لكل من يجلب له الرخام النادر حيث كان يمتلك ثروة طائلة وتقول الأسطورة المنتشرة فى شارع الخليفة أن اسم ألماظ أطلق بسبب أن ذلك الرجل كان صالحا وكان يجمع فتات الخبز من مجالس الطعام التى كان يقيمها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأن ذلك الفتات يتحول فى يده إلى ألماظ وهذا هو سبب تلك الثروة الطائلة التى جمعها وهو ما جعل الأمراء يغضبون منه ويشون به عند السلطان مما أدى لسجنه ثم قتله.
 
 
 
بينما لو رجعنا لما كتبه ابن حجر العسقلانى عن تلك الفترة سنجد قصة مختلفة تماما عن تلك القصة: 
حيث يخبرنا الحاجب الناصرى كان وجيها عند أستاذه ولما نقل أرغوان الدوادار إلى نيابة حلب كان ألماس بمثابة النائب غير أنه لم يسم بها وبعد عودة السلطان من الحجاز اكتشف أن الماس الحاجب كان قد بعث برسالة وجدها فى جرمدان الأمير بكتمر الساقى  وكانت تلك الرسالة دليلا على خيانة الماس الحاجب على السلطان الناصر وهو السبب الرئيس لحبس الماس الحاجب فى سجن القلعة ثلاثة أيام بلا طعام وبعدها قتل مخنوقا وتم دفنه فى مسجده بشارع السيوفية ولكن هناك سبب آخر يذكره ابن حجر العسقلاني، وهو أن الماس الحاجب وقت قيام السلطان برحلة الحج إلى الحجاز كان قد شغف بشاب من الحسنية يدعى عمير وتهتك به، وكان يهذ له فى الحسنية ويدعوه إلى القلعة فى جلسات مجون وشرب ويقول ابن حجر إن السبب الأول فى مقتل ألماس الحاجب هو السبب الذى يرجحه  وهو ما يتفق مع ما ذكره المقريزى فى كتاب المواعظ والأخبار الجزء الرابع بينما.
 


يذكر ساويرس ابن المقفع أن الرسالة التى وجدت فى جرمدان بكتر الساقى  كانت موضوعة ولم يكتبها ألماس الحاجب من الأساس وذلك لأن الأمراء آقبغا عبد الواحد والأمير الأخضر والأمير جمال الدين آقوش كانوا يشعرون بالغيرة لقرب ألماس الحاجب الذى ما عرف من العربية شيئا، وكان مملوكا للسلطان الناصر محمد بن قلاوون وصار مقربا منه وأصبح حاجب الحجاب وكان عمله الأساسى هو تذوق الطعام والمشروبات قبل السلطان وحقق ثروة طائلة قدرت بعد وفاته بستمائة ألف درهم فضة ومائة ألف درهم فلسا وأربعة آلاف دينار ذهبا وثلاثين حياصة ذهبا كاملة وجواهر وتحف ونقل الملك كل ما كان يملكه ألماس الحاجب من رخام إلى القلعة . وكانت تلك المفارقة من أهم المفارقات التى عرفتها عن أساطير شارع الخليفة ولو نشرتها فى ألف مكان لن يصدقك أهل الشارع وتظل رواية الشيخ ألماس الذى يتحول على يديه فتات الخبز إلى ألماظ هى الرواية الوحيدة الجديرة بالتصديق.
 
 
 
الخواجة والدرويش 
الخواجة هو جاير أندرسون الطبيب الإنجليزى الذى وقع فى هوى مصر وقرر أن يترك الجيش الإنجليزى وأعجبه بيت الكريتلية وهو أشهر بيت فى شارع الخليفة وأقدم بيت فيها حيث قرر أن يشترى البيت من أصحابه واكتشف أندرسون أن الورثة تدهور بهم الحال ويقومون بتأجير البيت لعدد من السكان والمسئول عن الورثة هو سيدى سليمان واتفق أندرسون أنه يشترى منهم البيت وبعد ما دفع الأموال المطلوبة قال له سليمان إنه رأى سيدى هارون الحسينى صاحب المقام الموجود أمام البيت وطلب من سليمان أن يكون خادما للمقام ووافق أندرسون فتكونت صداقة كبيرة بين أندرسون وسيدى سليمان خادم الضريح ونتج عنها واحد من أهم الكتب عن شارع الخليفة.
وهو كتاب أساطير بيت الكريتلية ونكتشف من خلال الكتاب 12 أسطورة خاصة بشارع الخليفة أهمها أن جبل يشكر الذى بنى عليه مسجد أحمد أبن طولون وبيت الكريتلية هو المكان الذى رست فيه سفينة نوح بعد الطوفان وأنا أتذكر أن الناس الكبار فى السن بشارع الخليفة كانوا يعتقدون فعلا فى قدسية جبل يشكر والأكثر من ذلك أن فيه شجرة بجوار مسجد سيدى هارون كانت السيدات اللائى تأخرن فى الإنجاب يدرن حولها سبع مرات تبركا آملين الاستجابة لهم وأما ألبير المسحور فى بيت الكريتلية فى الثمانينيات وأتذكر لما كان عندى عشر سنوات كنا نذهب نتمنى أمنية فى العيد ونرمى عملات فضة داخل مياه البئر وهو البئر الذى ورد ذكره فى حكايات الدرويش سليمان والخواجة أندرسون وفكر أندرسون كيف يقرب من الناس فى شارع الخليفة فكان يعد مولدا لسيدى هارون الحسينى إلا أن هذا المولد اندثر ولم يعد يقام الآن.


  
20 شارع الخليفة 
قضيت عمرى كله تقريبا فى شارع الخليفة متجولا بين أزقته وحواريه لعبت كرة الشراب فى السيدة نفيسة ضد فريق مصر القديمة وعرفت محروس صاحب أرض محروس بالقلعة  - كان يقام  بها دورى شعبى كل عام - بطل قصة فيلم الحريف لمحمد خان وكتبت عن الخليفة أول مرة فى مجموعة خدمات ما بعد البيع عشر قصص قصيرة بعنوان هزائم صغيرة على شكل متوالية داخل المجموعة القصصية وحصلت المجموعة على جائزة ساويريس عام 2008 كما كانت فى قوائم أكثر الكتب مبيعا فى ذلك العام كنت أعود لشارع الخليفة تقريبا فى كل مجموعة قصصية أصدرها بعد ذلك كما فى مجموعة فرق توقيت والمجموعة القصصية جريمة كاملة وقمت بعمل معرض تصوير فوتوغرافى عن شارع الخليفة كان بعنوان حيطان وقد عرض فى قاعة النهر بساقية الصاوى وكتب عنه فى العديد من المجلات والجرائد وقد اختيرت بعض لوحاته فى معرض النيل للتصوير الضوئى بدار الأوبرا المصرية، ومازلت مغرما حتى الآن باكتشاف وتصوير معالم الشارع المختلفة ومما عرفته مؤخرا أن على مبارك باشا والذى كان يسكن فى الحلمية كان قد جدد قبة المظفر وقرر أن يقام لها مولدا كل عام مع مولد السيدة نفيسة، وعرفت أن قبة المظفر هى القبة التى تحوى جسد الملك المظفر قطز قاهر التتار وكان يوجد مستشفى مخصص للأعين فى شارع السيوفية اسمه مستشفى المضفر، حيث كان من أهم مستشفيات الأعين فى القاهرة  ولكنها أهملت بعد الخصخصة.
 
 











تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع