أفكار

..كأس مارتينى معتق

سوسن بدر

النساء لدينا- وكما فى كل مكان في العالم – أنواع، نوع يربكك ويزعجك بمنظره بمجرد أن تشاهدهن، وعندما تبدأ فى الكلام يجعل العالم يزداد تعقيدًا وقلقًا، ونوع آخر نريد أن نستكين ونأنس إليه وهو أقرب إلى أمهاتنا، حيث ستجد معظم كلماتهن تصب فى النصائح والستر والخوف من الغد، ونوع آخر يثرثرن بكلمات دون أن يفعلهن، وكأنهن ينقلن حديث الليل فى التليفزيون إليك، تتحدث كبغبغان لا يريد أن يصمت، ونوع آخر، نادرًا أن نراه ونجده، هذا النوع من النساء والذى كلما تقدم فى العمر، كلما ازداد جمالًا وإشباعًا وأنوثة ورغبة، ومن هذا النوع تقف الفنانة شادية وتليها سوسن بدر.

ككأس مارتينى معتق، جامعا نفسه من الجن القاسِ والفرموث الأبيض، حيث يصبح المشروب المتكامل والمتناغم والمفجر للطاقات، وحتى لو سحبت الجن ووضعت بدلا منها الفودكا شديدة القسوة، سيزداد إبهارًا وقوة لا تضاهيها قوة إلا قبلة قوية لفم جذاب على حين غفلة.
فبينما كنا نراها تحاول أن تقف بجوار ابراهيم " نور الشريف "  في فيلم " حبيبي دائمًا"، بصفتها طبيبة وزميلة ولكنها لم تستطع أن تخترق قلبه بعد كل ما فعلته معه، وهى تعلم - كأنثى - فى قرارة نفسها أن قلبه لن يفتح لها بابًا.
كانت "سوسن بدر" رفيعة دون أن تقلق منامتنا الفقيرة أو تصاحبنا على وسائدنا، كانت هادئة ومطيعة وصاحبة نظرات مرتبكة وخجلة كتلميذة لم تفارق المدرسة.
لكن الحال تغير، وكأنها مثل الخمر الحقيقى كلما ازادت قدمًا وتعتيقًا كلما ازدادت لذة وشغفا، بل وتقوم بقبلة واحدة أو رشفة واحدة بتحطيم العقل وكسر الفؤاد.



هكذا تتألق سوسن بدر، كأنثى تتلاعب الألفاظ بشفتيها كما تتراقص حواجب عيونها الرفيعة والحادة وهى تلقى كلماتها بهدوء وقسوة فى آن واحد، قادرة على جذب أعتى الرجال إلى مخدعها فى أول الليل وأن تعتصرهم فى حضنها فى منتصف الليل وتلقى جثثهم مع أول شعاع للشمس، بعد أن تكون قد امتصت كل شىء، وتتركهم أشباه رجال.
هذا التألق والوهج والنضج الفنى ستراه فى لقطات قليلة تضعها وتصنعها سوسن بدر على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة، وخاصة فى السنوات الأخيرة، كأفلام مثل " ساعة ونص" و" الشوق" و"  و678" و"الفرح" و" ألوان السما السبعة" و" قص ولصق" و" حب البنات"، و" ديل السمكة" و" شمس الزناتي"، أو أدوارها على شاشة التليفزيون فى مسلسلات  كثيرة، حيث تجدها فى الدراما كوحش كاسر فى مسلسل " السبع وصايا" و" عايزة أتجوز" و" الرحايا" وغيرها من الاعمال.



 ولو دققنا فى تفاصيل أداء الفنانة سوسن بدر، سنجد ميزانا دقيقا وحادا، تقيس به شخصيتها التى تؤديها أمامنا، فكلمات الحوار التى تخرج من فمها تخرج من فم أنثى مصرية قديمة، عاشت من أيام الفراعنة ومارست تقلبات الأحوال والظروف التاريخية إلى أن استقرت فى قلق وعنف العصر الحديث، تمثل لى " لوحة فرعونية " منحوتة بهدوء وقسوة، لوحة لا تنسى ولا تستطيع تمحى من الذاكرة كما لا تستطيع أن تحتفظ بها لنفسك، لأنها لا تصاحب أحدا ولا تتزوج أحدا، بل يجب أن نتعود عليها هكذا، تظهر وتختفى كشمس الشتاء الدافئة، تلقى كلمة بعيونها قبل شفتيها وبجسدها قبل نهديها، تمارس الإغراء دون أى فعل فاضح أو جارح، هى الانثى بكل طقوسها وتقلباتها وبكل جبروتها أيضًا .
العيون التى تمثل بئر أسرار حربية لن نعلمها إلا بعد رحيلنا، البشرة المصرية السمراء المحببة لنا كليلة هادئة، الحزن القديم والذى لا ينسى كحزن جداتنا ، الشفاة الممتدة بابتسامة حزينة من المحيط للخليج، والشعر الأسود كأحلامنا المستحيلة، والطول العظيم كملكة خارجة من تابوت تاريخى ظللنا دهرًا ننبش الأرض للوصول إليه.



 تمثل الفقر المصرى الحقيقي دون أى قلق أو افتعال، كما تمثل الارستقراطية الجافة دون إزعاج أو إعوجاج فى الفم، أنثى أختمرت عجينتها وخُبزت على نيران هادئة لسنوات طويلة كفنجان قهوة لا ينسى، دائمًا ساخنة ومشعة ومتوهجة ومشتعلة وتقدم نفسها لك كى تأكلها حاف، مثلما كنا نفعل ونحن عائدين بأقفاص العيش من الفرن.
لذا يجب علينا أن ننظر إليها كى نعرف الفرق بين المرتينى المعتق والفن الـ 84.
فهى المطربة التى تخشى أن يسرقها العمر فى ديل السمكة، وهى الأنثى المرغوبة وبنت البلد الجدعة فى شمس الزناتي وسلام يا صاحبى، وهى الأم التي لا تكف عن الزواج والرغبة فى ألوان السما السبعة، وهى الأم – الراحلة - والتى تقلب الحارة بطلتها من الشباك وسيرتها فى قط وفار، بينما سنجدها أنثى شرسة لا تهادن ولا تهادى إلا الرعب كما فى الرحايا، أو التى تمسك جميع الخيوط فى يدها كما فى السبع وصايا. 
والآن علينا أن نوهم أنفسنا – لآن جيوبنا خاوية من النقود – بأن نمسك بكأس مارتينى معتق ونقذفه دفعة واحدة فى جوفنا حيث لن ننسي هذا الطعم وما يفعله بعقولنا أو قلوبنا. مثلما لن ننسى وجه أو عيون أو شفتى المتألقة دائمًا: سوسن بدر.
 

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع