أفكار

زهْر الياسمين

كلّ صباح، يأتى الفتى الصغير لبيت عائلتى الذى فى القرية. يحاول أن يشبّ من موقعه الأوسط بين أبيه وأخيه الأكبر وسائق عربة النصف نقل. ولأنه ألثغ كنت أحب أن أسأله عن اسمه، فيجيب الذى لم يكن بلغ الثامنة من عمره بعد: نَصْى صَياح أبو جييشة، ومعناها نصر صلاح أبو جريشة، فأضحك، وألاطفه، وربما كنت أعبث بشعره حينها فى أول سنوات الألفية الجديدة.
فى هذه الفترة ومن قبلها بسنوات كان لعائلتى نشاط تجارى فى أشهُر الصيف عبارة عن مُجمّع كبير لزهر الياسمين، حيث تشتهر قريتنا بزراعة هذا النبات العطرى ذى المردود الاقتصادى المعقول. يجمع الفلاحين كل فجر ولبعد الشروق زهور الياسمين، نفّاذة الرائحة، من على شجر تنسدل فروعه الخضراء حول الجذع الخشبى كشعر فتاة غجرية، فيما يقصر طول الشجرة نفسها عن كتفى فتى بالغ. يأتون بمحصولهم يوميا، نزنه وندوّن مقداره، ثم نضعه فى طاولات بلاستيكية صفراء مثل المخصصة للدجاج الحي. نورّد ذلك كله - قرب الضحى أو الظهر - لعدد من المصانع المختصة بصنع المادة الخام العطرية، والتى بدورها تورّدها إلى فرنسا وغيرها من الدول الرائدة فى صناعة العطور.
وكان والد الفتى الألثغ يملك مجمّعا صغيرا، يلمّ محصوله يوميا من الفلاحين ويأتينا به ليضاف لما جمعناه. إنها رحلة ممتعة لطفل صغير فى عربة النصف نقل، حتى ولو كانت داخل القرية، خصوصا حين يتمرد على مكانه جوار السائق ويفضل الجلوس فى صندوق السيارة مع أخيه، الأكبر قليلا، خلف الطاولات، مستمتعا برؤية الرائحين والغادين فى طرقات القرية، أو شاتما الأشقياء الأكبر منه ممن يستطيعون تسلّق العربة والتمسك ببابها الخلفى وهى تتحرك.
بيت الفتى هو الوحيد فى القرية الذى يشجّع فريق كرة القدم بالنادى الإسماعيلي، ولم أكن أعرف السبب، ولِحدّ الآن. قال لى بلثغة الطفولة: نصى صياح أبو جريشة، إنه يعرف محمد صلاح أبو جريشة، كما يعرف أين يلعب، ويحبه ويشجعه، لكن اسم عائلة الفتى ليس أبو جريشة فعلا، ولهذا كنا نضحك، أبوه وأعمامى وأنا وأخوه الأكبر قليلا وأخى وسائقو العربات نضحك على لثغته وعلى اسمه المنتحل. بينما أخوه الأكبر يرفع أمامى أو أمام أخى طاولات الياسمين من على الميزان الحديدى الكبير. الفتى الأكبر اسمه محمد، يحب الكرة أيضا، حرّيف، ويصغرنى بتسع سنوات كاملة. ولو اتّبعنا طرفة الألثغ الصغير سيكون أخوه الأكبر إذن محمد صلاح أبو جريشة لكن فى عمر الثانية عشرة تقريبا.
>>>
قالت أمي: شفت البت اللى كاتبه كلام سافل عن ماجى بنت خالك؟! فأجبتها: حياة المشاهير بقي. لكنى حذرتها بحدّة من أن ترد على البنت التى سخرت من ملابس ابنة أخيها وهى برفقة زوجها على أرضية ملعب أنفيلد.
أمى أنشأت حديثا حسابا شخصيا على فيسبوك، وكأى أم مصرية عادية (وليعذرنى من تُوجعهم التعميمات) فإنها تتعامل مع فيسبوك كما لو كان بيتَ العائلة الكبيرة. إنها ترد على نساء وبنات العائلة، وكذا صديقاتها فى العمل، بالتهانى والأمنيات بنجاح الأولاد والفرح بالبنات. كما تتبادل معهن الفيديوهات المرحة والدينية وتلك التى تصاحبها موسيقي، ولا بد أن تكون ميلودرامية جدا، لتؤكد على أهمية وجود الأم. ثم تنشر على صفحتها ما يعجبها من فيديوهات وصور منقوشة بورود تتساقط من السماء تحوى أدعية للأحياء والأموات، ترفقها أمى بدعوة مكتوبة منها: اللهم احفظ أولادى محمود ومحمد وبارك لى فيهما.
أضافت ماما: دى حتى بنت خالك أمّورة وبسيطة فى لبسها. شرحت لماما كيف أنه باتت هناك للجمال معايير مسيطرة عالميا، ونحن جميعا نستنبطها بدرجة أو بأخري، بوعى أحيانا، وبلا وعى معظم الأوقات. واستطردت " أضيفى إلى ذلك أن ابنة أخيكِ وزوجها ظاهرة جديدة على ملاعب الشهرة الأوروبية والعالمية هذه، والبعض هنا – وخصوصا من النساء – يقارنونها بزوجات لاعبى أوروبا حسب النماذج التى تعجبهم أو يسعون لتقليدها. المهم يا ستّى أنه يحبها وتحبه".
هنا لمعت عينا أمى كأنها تذكرت أمرا عزيزا على قلبها، وابتسمت. ثم طفقت تسرد لمحة من حكاية حب الفتى الأكبر لابنة أخيها، الفتى الذى كان يحمل أمامى طاولات زهر الياسمين لنضعها على الميزان المعدنى الكبير.
لا تفوّت ماما فرصة للاعتزاز بهذه الحكاية، والفرص تنعقد لها بلا أى تخطيط، فالفتى الأكبر صار حديث الدنيا. كيف إذن ألا تعيدها على سمعى وأنا من أعطيتها المفتاح قاصدا!
تحكى ماما عن خطوبة الأخت التوأم لماجي، وكيف وقف زوج ماجى جوارها طوال الخطوبة، التى تمت فى بيت خالى عليه رحمة الله، محوّطا كتفها بيده، أو لحظة أن أمسك بكفها وقبّله أمام الجميع بلا خجل. هذا والخجل الريفى المقيم يتأبّى هذه الأفعال. أضافت ماما "كانوا ييجوا يشوفوا الحب".
كلما ظهرت صورته فى التليفزيون، فى إعلان أو مباراة كرة قدم، أو حتى رأى صورته معلّقة فى بيت خالي، صاح مازن ابن أخي: محمد صلااااااح. مازن الذى لم يكمل عامه الثالث بعد، يروح ويجيء فى صالة بيت أهلى مسددا كراته الكثيرة بقدمه اليسري، وهو يهتف: شوط يا صلاح، جون يا صلاح. ثم: شوط يا حوده. – مش دلوقت يا مازن، علشان هاقرا. فيقفز جوارى وهو يطلب أن يقرأ معي، ثم يمدّ يده ليعبث بصفحات كتابي.
لما صاح مازن صيحته أمام زوجة خالي، قالت: لازم أحكيله عنك. ووقتما تعود من زيارة لليفربول، سيكون معها، من بين هدايا ماجى ومحمد الكثيرة، الملبس الرياضى الكامل لفريق ليفربول، مقاس الأطفال. إنهما حتى لم ينسيا أن يرسلا جوربا رياضيا صغيرا كذلك بحجم الكف. قالت زوجة خالى إن صلاح كان يود لو طبع اسم مازن على القميص الرياضى بدلا من اسم صلاح الشخصي، لكنّ الوقت لم يسعفه.
لقد صار الفتى الأكبر أيقونة عالمية، وبسط الله له محبة واسعة فى قلوب الناس. لا زال أبوه يدير مجمّعا للياسمين، فيما أوقفت عائلتى نشاطها ذاك منذ سنوات ليست بالقليلة. ما عاد الفتى يرفع طاولات زهر الياسمين، ولا عدتُ كذلك. غير أن رائحة الياسمين لا تغيب عن بالي، ولا غابت أبدا عن بال الفتى رائحة الكرة. لقد صار الفتى "مو صلاح".
 
أخبار الأدب  
محمود عاطف 
 

(742 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع