أفكار

حكاية عشق مصر والنيل لدى سفير السويد بالقاهرة..

ذلك الغرام الذى بلغ من العمر 40 عاما

يان ثيلسيف لـ "بوابة الحضارات": 
• مصر البلد الوحيد المألوف للغرباء ومعرفة تاريخها القديم يبدد الشعور بالغربة 
• دبلوماسية بلا حوار أو عمق ثقافى.. تؤدى لـ "دبلوماسية العزلة" 
• مصر بلد قديم وشاب جدا.. والشباب أصبح مؤثرا للغاية 
• إقبال متزايد للدراسة بالجامعات السويدية.. ونمو فى الفضول المصري لمعرفة المزيد عن السويد
• حماية المهاجرين والتعايش معهم بسلام نوع جديد من هندسة الأمل.. نجحت فيه بجدارة مصر والسويد 
• حماية التراث والآثار حتى ولو أثناء الحرب ضرورة لحماية تراث الوجدان الإنسانى 
• سائح اليوم يذهب إلى ما يسمى بالمناطق الخضراء.. وأذهلنى اهتمام الأقصر بالسياحة البيئية وتوافر فنادق بها صديقة للبيئة 
 
كنا نسير فى حديقة منزله بمنطقة الزمالك بالقاهرة، وما أن اقتربنا من سور الحديقة الملاصق تقريبا لضفاف النيل، لمحت على وجهه فرحة لافته، وفى عينيه بريقا ولمعانا طفوليا، شعرت وكأنها تداعب سطح النهر بحنو بالغ، فكانت لوحة مرصعة بالحنين والبهاء فعلا.
لم يراودني شك للحظة فى إيمانه ويقينه بصحة المقولة التى يرددها المصريون: "اللى يشرب من مية النيل لازم يرجعله تانى"، لكن لم أتوقع أنى سأغوص فى تفاصيل قصة حب بطلها السفير السويدى بالقاهرة.
 
تقول السطور الأولى للقصة.. إنه فى أوائل الثمانينيات، كان هناك شابا سويديا فى مقتبل العمر يعشق القراءة فى التاريخ وكتب الحضارات، وفجأة وقعت عيناه على ساحرة فاتنة تتوسط مفرق الشرق اسمها "تاج العلا" فتلاقت عيناه وسيرتها واستنشق أنفه عطر زمانها وعرشها وقبل أن يراها ويزورها، أصابه الشغف للقائها، فراح كالمستشرقين والمؤرخين يفتش ويبحث عن تاريخها وأصلها وفصلها، ومن كثرة سهر الليالى معها قارئا فى صفحاتها والتنقل بين أمهات الكتب وسمعت عيناه ورأت أذناه أجمل الحكايات عنها، صار متيما، ناسكا فى حضارتها، وعشق نيلها وأهلها، وعندما رزق بطفله الأول أراد الله أن يولد بين أحضانها، ليتشكل لديه إحساس أبوى وصلة رحم بها، ولعلك مثلى قد ترغب فى أن تعرف نهاية سطور القصة، لكن لن تجد نهاية لها، ولا عنوانا أفضل من "40عاما فى عشق المحروسة" .
 
لقد بدأ "يان ثيلسيف" يفكر فى مصر، وتشكلت لديه صورة ذهنية شبه كاملة عنها ـ مفاتنها الأثرية، تاريخها، ثقافتها وفنونها ـ قبل بضعة سنوات من زيارته الأولى عندما جاء سائحا إليها عام 1985، لكنه لم يكن يعلم أنه سيقع فى غرامها وغرام نيلها إلى هذه الدرجة، ليعود إليها مرة أخرى فى مهمة دبلوماسية عام 96 ولمدة ثلاث سنوات، تجمعت خلالها لديه العديد من العلاقات والصداقات الشخصية، شاركوه فيها تشكيل وجدانه الإنسانى والثقافى، فعاشوا فيه وعاش فيهم، فلم يبق مناص من تفكيره فى القاهرة الساحرة وما وراء القاهرة، إلا العودة إليها مرة أخرى، فتحقق له ما تمنى وعاد "بان ثيلسيف" بعد غياب دام 18 عاما سفيرا للسويد بمصر . 
 

• وهنا كان لابد أن أسأله: سعادة السفير.. إذن نحن أمام 18 عاما غياب منذ أخر مرة كنت فيها بمصر، شهدت خلالها البلاد تحولات وثورة من ثورات الربيع العربى.. بالطبع عند قدومك هذه المرة وعودتك شاهدت فروقا كبيرة وتغيرا ملحوظا فى الشخصية المصرية أليس كذلك؟ 
** نعم.. مصر عاشت بالفعل متغيرات شديدة وقوية، والتغير القوى دائما يولد طاقة، فالشباب المصرى أصبح فعالا ومؤثرا للغاية، وأرى الكثير منهم صار يتحلى بروح الابتكار ومحاولة البحث العلمى لاستخدامه فى مشروعاتهم الخاصة، لقد أصبحت الطاقة الشبابية المصرية قوية جدا، لذلك أتوقع أن الفترة المقبلة ستشهد مشروعات وفرص عمل بين مصر والسويد غالبا تتمركز فى ثلاثة محاور "الشباب والثقافة والتعليم".
 
• قاطعته قائلا: نفهم من ذلك أننا أمام تعاون شبابى مصرى سويدى قادم يبشر بالخير فى مجالات التكنولوجيا والعلوم والثقافة والفنون؟ 
** حقا مثلما ذكرت نحن بصدد تعاون شبابى مهم واسع النطاق بين البلدين، فمع مرور الوقت بدأ يتزايد عدد الطلاب المصريين الدارسين بالجامعات السويدية، وقبل عامين فى 2016 تشكلت رابطة لهؤلاء الدارسون فى السويد، فنحن نحاول دائما أن نأخذ بعين الاعتبار وبفائق الاهتمام أمنيات الشباب وأحلامهم من الذين يتواصلون معنا، ودعنى أخبرك أيضا بحماسنا الشديد لدعم المستثمرين الصغار ودعم شركاتهم الجديدة الواعدة بكل التطورات التكنولوجية، بالأخص المتعلقة بصناعات تاريخية وعريقة فى مصر، كالنسيج مثلا ولما للقطن المصرى من سمعة عالمية تاريخية وأهمية استعادتها، كذلك صناعة الأثاث وتسويقها إفريقيا ودوليا، فنحن نسعى إلى استثمار طاقة المجتمع، وطاقته فى الشباب، هنا فى مصر ولدينا فى السويد، وأود أن أشير كذلك إلى التعاون القائم مع هيئة الآثار والمجلس القومى للمرأة، فعندما تنظر إلى مجتمع لابد أن تنظر إلى المجتمع بالكامل إذا كنت ترغب فى الحصول على نتائج كاملة 



• أشعر أننى أمام مفهوم جديد للثقافة الدبلوماسية.. فهل تتفق معى فى ذلك؟ 
** الثقافة الدبلوماسية بالنسبة لى لا يمكن أن تكون دون عمق ثقافى، ولا يمكن أن تكون هناك دبلوماسية ناجحة بدون حوارات متنوعة، فاللقاءات مع كل الأطياف والثقافات والمستويات التعليمية المختلفة هو أساس الدبلوماسية، فاستقبال مقر السفارة السويدية بالقاهرة واللقاءات لا تقتصر على نخبة المثقفين فقط، إنما تمتد إلى المصريين العاديين لدعم مزيد من التعارف والانتعاش السياحى بين الشعبين، والعام الماضى 2017 شهد زيادة ملحوظة فى السياحة السويدية إلى مصر.

• ولكن ماذا عن أصدقائك القدامى، وأنا أعرف أن لك هنا فى مصر صداقات كثيرة، متعددة ومتنوعة، هل وجدتهم عند أحاديثهم الأولى التى تركتهم عليها أم لاحظت تغييرا؟ 
** قد تستغرب إذا قلت لك، وهذا نقلا عن إحدى الصديقات المصريات وأنا أثق بدقة ملاحظاتها وصواب آرائها، فلقد طرحت عليها سؤالا يكاد يكون قريبا من سؤالك، فكانت إجابتها: وما هى 18 عاما فى التاريخ المصرى، بصراحة أحاديثنا كأصدقاء هنا لم تتغير كثيرا، ولكن شعرت بأن هناك نموا ملحوظا فى الفضول نحو معرفة أكثر وأوسع عن بلدى عن ذى قبل، فضول لمعرفة تتعلق بشئون التعليم والبحث العلمى والفنون، فلم يكن موجودا مثلا قبل 18 عاما أحاديث عن التنمية المستدامة ومستقبلها وأهميتها هنا فى مصر ومدى تأثير ذلك على علاقاتنا التاريخية، الآن نتحدث عنها كثيرا بل طوال الوقت، أيضا، دعنى أخبرك عن سيدة سويدية عظيمة خبيرة وعالمة فى النباتات ولها أبحاث كثيرة عن النبات فى مصر، هذه السيدة صارت محور حديث متكرر بيننا، وهذا يجعلنا ندرك أن الظروف تغيرت بالكامل، فلم يكن للناس قديما وسيلة للحصول على المعلومات مثل اليوم، لذا من الطبيعى أن يكون الحوار مختلفا عما كان عليه فى السابق وحسب المستوى المعرفى. 



• لكى نعود إلى قضية الشباب، لدى إحساس يتملكنى أن الشباب سيظل هو الرقم واحد فى العلاقات المصرية السويدية، فهذه الجوانب التى تحدثتم عنها بخصوص الإقبال الشبابى على الدراسة الجامعية فى السويد، ودعمكم للمشروعات الاستثمارية والتكنولوجية الصغيرة، كل ذلك يجعلنى أقف عند الجانب الإحصائى وضرورة معرفة عدد هؤلاء الدارسين والمستفيدين من ذلك التعاون؟
** لا يوجد عندى رقم بالتحديد، ولكن أستطيع أن أقول لك أن هناك حاليا 13 ألف طالب يدرسون فى الجامعات السويدية، والنظام التعليمى الجامعى بالسويد يجعل الشباب يتقدمون إلى الجامعات التى يرغبونها مباشرة، ولأن الدراسة غالبا باللغة الإنجليزية دون اشتراط لتعلم اللغة السويدية، فقد أسهم ذلك فى زيادة الإقبال، ولكن هل تعلم أن ترتيب مصر من حيث المشاركة فى برامج الشباب والمرأة ترتيب عالمى متقدم جدا يدل على اهتمام المصريين بهذه البرامج.
 
• قاطعته مرة أخرى: هل يمكن لى أن أعرف ما هو التغيير أو النتائج التى حققتها هذه البرامج تحديدا؟ 
** ولادة شركتين ذات أهمية، إحداهما تنتج الكتب المسموعة، وهذا فى حد ذاته سيزيد من المعرفة والتعارف الواسع بين البلدين وشبابهما. 
 
• هذا يقودنا إلى الحديث عن تصدر السويد قائمة الدول الأوروبية من حيث عدد استقبال المهاجرين العرب والأفارقة، وكيفية تعامل المجتمع السويدى واستيعابه لكل هذه الثقافات المختلفة وتضييق الهوة بينها ؟ 
** أتصور أنه قبل أن ننظر إلى التحديات التى تواجه أوروبا والسويد بشأن قضية المهاجرين، علينا أولا أن ننظر إلى التحديات التى جعلت من هؤلاء المهاجرين يتركون بلدانهم، فالصعوبات التى تواجهها أوروبا فى هذه القضية، لا تمثل شيئا أمام التحديات التى تواجهها هذه البلدان، فالذى كان يشغلنا هو أهمية الحوار مع هؤلاء المهاجرين، فأنت تعلم أن عدد سكان السويد 10 ملايين نسمة، واستقبلت خلال الأعوام القليلة الماضية 165 ألف مهاجر وهو عدد فى الأعراف الاقتصادية والاجتماعية يمثل ضغوطا على الدولة ولابد من مواجهتها، فكان لابد من مواجهة ذلك بالحوار والتضامن المجتمعى، فعندما تترك بلدك مضطرا مقهورا وتأتى إلى بلد آخر، هذا ليس شيئا سهلا بل منتهى القسوة، ونحن فى السويد نعرف معنى الهجرة والتهجير جيدا، فقد عانينا من ذلك ولدينا تاريخ طويل مع الهجرة، أنا شخصيا ابن لأحد المهاجرين القدامى الذين قدموا هربا من فنلندا إلى السويد عام 1942، ويبلغ من العمر الآن 90 عاما. 



• أعتقد إنك عندما ذكرت مفهوم التضامن المجتمعى، فأنت تعنى نظرة المجتمع السويدى لهؤلاء المهاجرين على المدى الطويل ؟
 ** تستطيع أن تقول ذلك.. على المدى الطويل لابد أن نعلم ونثق بأن هؤلاء المهاجرين سيمثلون إضافة للمجتمع السويدى والتعايش فيه ومعه وليس عبئا عليه، وأريد أن أوضح أنه عندما ذكرت معنى كلمة تضامن، فهى عميقة بالمفهوم المجتمعى، فإذا نظرت إلى مصر وطريقة استيعابها للمهاجرين، تجدها تطبق هذا المفهوم العميق جيدا، فنحن على وعى تام بأنها تستضيف عددا كبيرا وكم بذل المجتمع المصرى جهدا كبيرا لكى يعيش وهؤلاء المهاجرين معا فى سلام.
 
• قاطعته للمرة الثالثة قائلا: تقصد أن مصر والسويد تفردتا بتطبيق مفهوم التضامن والحوار المجتمعى والتعايش السلمى مع المهاجرين واللاجئين إليهما ؟ 
** عندما نتحدث عن بلدينا مصر والسويد بشأن كيفية استقبال المهاجرين والتعامل معهم، يمكن أن تقول إننا نبنى الأمل أو تسمى ذلك بهندسة الأمل، ففقدان الأمل يعنى فقدان كل شىء. 
 
• دعنى أنتقل بالحديث إلى التراث وحمايته، وتراث العديد من بلدان المهاجرين ولاسيما "سوريا والعراق وليبيا" الذى صار مهددا بالتلاشى، فكيف تنظر السويد إلى هذه القضية ؟ 
** عندما نتحدث عن حماية التراث والآثار فى بلدان دمرتها الحروب والثورات الدامية والاضطرابات، فنحن لا نتحدث عن جدران ومبان وأشياء مادية فحسب، ولكن نتحدث عن هؤلاء الناس وعن تاريخهم، وهذا يجعل من تلك المصطلحات والتعبيرات الثقافية ذات قيمة أعمق، لأنه بدون تراث وجذور الناس لايشعرون أنهم يعيشون، وحماية الآثار والحفاظ عليها لاتعنى حماية تراث مادى، إنما حماية التراث الوجادنى الإنسانى 
 


• ونحن نتحدث عن التراث وحمايته، هل أنا على حق إذا قلت إن السائح السويدى يعشق سياحة البحر والشواطئ ولا يميل كثيرا نحو السياحة الثقافية؟ 
** السويديون بطبيعتهم مسافرون، ولم يعد يكفى الآن وجود الشمس والبحر لجذب السائح، فالناس عندما يسافرون يريدون كل شىء، يريدون العودة بالذكريات والمعرفة والمتعة. 
 
• تعتقد ومن هذا المنظور أن السياحة فى مصر توفر ذلك ؟ 
** من هذا المشهد وبكل ثقة أقول لك نعم، فمصر تتمتع بموقع ممتاز سهل الوصول إليه، وهناك الآلاف من السنوات والأزمنة والتاريخ والحضارة، والمدن العتيقة والآثار الفرعونية المبهرة، أيضا الشمس والبحر والرياضيات المائية الممتعة، وهنا النجاح سيكون حليفا من يجعل من هذه الخلطة متعة ومعرفة. 
 
• وهل مصر نجحت فى إعداد هذه الخلطة أن تربط سياحة الترفيه بالسياحة الثقافية؟ 
** لقد زرت الأقصر منذ عدة أسابيع والتقيت بمحافظها الشاب وأذهلنى بحديثه عن السياحة البيئية وتوافر فنادق صديقه للبيئة فى الأقصر، فسياح اليوم صاروا يبحثون ويذهبون إلى ما يسمى بالمناطق الخضراء أو الصديقة للبيئة، وأتصور أن الأقصر تتوافق مع هذا السائح الواعى بالبيئة النظيفة وأهميتها. 
 
• ويبقى أن أخبر سعادتك.. أنه لدينا فى "بوابة الحضارات" تقليد وهو تنظيم أسابيع ثقافية متنوعة لتبادل الحوار والمعرفة حول حضارات الشعوب وثقافتها فى كل المجالات "التراث، الآثار، الأدب، الفنون، الفلكلور، التراث الطبيعى، إلخ.." فما رأيكم لو حاولنا تطبيق هذا التقليد معكم؟ 
** إنها فكرة جيدة للغاية وتستحق الاهتمام والتنفيذ فورا، دعنا نناقشها سويا هنا ومن يعملون بالسفارة ومع السفير المصرى بالعاصمة السويدية إستكهولم، فهذه جسور ثقافية مهمة للغاية نحتاج إليها لمزيد من التواصل بيننا. 

 

(45 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع