أفكار

خواطر صوفية

فى مقدمة كتبها الأستاذ طه عبد الرحمن لأحد تلاميذه الذين درسوا التصوف وقدّموا مشروعًا دراسيًا لدراسة المصطلح الصوفى أثنى فيها على الباحث الذى استطاع أن يدافع عن التهم الملصقة بالتصوف سواء ما تعلق بماضوية التصوف وعدم إفادته للمجتمع، أو ما تعلق بكون الكتابة الصوفية وهمًا تجريديًا أو تزييفيًا كما هو واقع ويشهده من يتابع بدقة هذا الحقل ومن ينتسب إليه ويحب متابعة رجاله.. الجميل فى طه عبد الرحمن أنه يؤمن بما يقول ويعيشه فلغته وأفكاره وحياته تعبر عن ذلك فى وقت من الصعب أن تجد فيه قولاً مطبّقًا مما تلوكه ألسنة أهل الأديان اليوم.

ينطلق مشروع محمد المصطفى عزّام من مبدأين أساسيين: أحدهما، أن العلم بالتصوف لا يقوم بدون عمل، والثانى أن المعنى الصوفى لا يحصل بغير تحقق.. هذا ما تقول به الصوفية بالفعل وفى تجارب المتفردين منهم وما أثر عنهم نستطيع من بيانهم ومرويات تلاميذهم أن نتبين صدقه، ونطمح للحظة صدق وبعض إيمانٍ وذوق مما حصّلوه.. قد يعيب الإنسان المعاصر والمنشغل بآليات تقليب الصيغ والمفتون بصيغ التعبير والاصطلاحات المستوردة -عن عجز- أن يكون منطلق باحث بهذه الفرضيات، لكنه بالفعل لن يصل إلى شيء فى هذا الحقل دون أن ينغمس فيه، فلا يمكن الكتابة عن عالم الروحانيات بقلب من حجر وسلوك مقنع بالزيف.

هذه الأيام تعرّفت عن قرب على نموذج علمه بالتصوف لا يقوم إلاّ بالعمل، ويطبّق على نفسه أولاً ما يدعو الناس إليه وتصيغ الأفكار الصوفية كل حياته فى مأكله وملبسه ومشربه وتعامله مع الآخرين.
 
قرأت اليوم مقالة بعنوان: "باقة ورود صوفية" كتبتها "باحثة مقتدرة علمًا وذوقًا" ملخص مقالتها أنها قابلت الإساءة بالإحسان، واختبرت نفسها فيما تقول وبما تشعر تجاه الآخرين، وتذكّرت من أحاديث القوم ورسولهم الكريم ما حفّزها على أن تردد فى سرّها "وهل جزاء الحبّ إلا الحبّ" بعد أن أعطت باقة الورد لمن أساء إليها اكتشفت معنى أسمى وأخلد مما خاطرها فى لحظة غضب، وتبدّل الحال الإنسانى عند الآخر الغاضب، وولدت صداقة من صدق مع النفس.

سألتنى من كانت تشاركنى القراءة لو أنك فى مثل هذا الموقف هل كنت لتفعل ما فعلته؟ أجبتها بالطبع لا! ستظل الأفكار تجول فى رأسى وأعاتب نفسى أننى لم أفعل كذا وكذا مع خصمى الذى استهان بى واستضعفنى وغاية ما أفعله من حسن الخُلق أن أمضى وشأنى ولا أعود إليه مرة أخرى لأكفى نفسى شرّه وأريح رأسي! فقالت لى لو تكرر الموقف مع الأستاذة لفعلت مثلما فعلت، وأنا من جهتى أمّنت على كلامها.

لا أحد من بنى الإنسان كامل، وكل من على وجه الأرض يخطئ حتى يموت، وما أجمل الخطأ بالنسبة لى الذى يساهم فى صنعى وميلادى وتحققى بمعنى أصبو إليه. لا أحد يجبرك على أن تكون صاحب دعوى بأنك إنسان كامل، ولا كمال إلا لمن تدّعى أنك تعبده.. لا أحد يجبرك على أن تستغل من أحسن إليك وتجلد ظهره باسم المدد والحضرة التى لم تدخلها يومًا ولم تغتسل من أدران ميلاد جسدك المثقل بالطينة العفنة، تطهّر قبل أن تدعو غيرك إلى الطهارة، وتحقق بقول من تنقر عينك كلامهم ولم يلمس قلبك يومًا معنى من معانيهم.
ليس هناك من داعٍ أن تكذب على أحد باسم ربّ أو إمام أو فن كفر الناس به منذ زمن بسبب أفعال أشباهك إن أردت أن تسرق فكن فى وضوح ومهارة اللص ولا تحشر نفسك فى زمرة المتقين. 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع