أفكار

الوجه الآخر للخلافة الإسلامية..

2-خلافات القهر

مشهد من مسلسل.. عمر

يستكمل الكاتب سليمان فياض رؤيته حول تاريخ الخلافة الإسلامية في كتابه الصادر عن مكتبة الأسرة " الوجه الآخر للخلافة الإسلامية " فيقول إن من أهم أسباب الخلاف بدأ من بعد وفاة محمد صلي الله عليه وسلم ، حول من يتولي خلافته، وممن يكون ؟ من العرب أو غيرهم؟ من قريش أو غيرهم؟ إذن الخلاف كانت له أسبابه العملية والسياسية، وزاد منه تنظيرات الفقهاء والفرقية من دعاة الفرق الإسلامية المنشقين.

ويرصد بالتفاصيل بداية الخلاف عند انتخاب الخليفة الأول أبو بكر الصديق بعد اختلاف يسير بين المهاجرين والأنصار، وفي المهاجرين هاشميون وأمويون، وفي الأنصار الأوس والخزرج، ومرت بسلام، وأضاف أن اختيار الخليفة الثاني مر بسلام بوصية من أبو بكر الصديق فيما يشبه تنصيب عمر بن الخطاب، أما عمر فقد أعاد مبدأ الشورى ورشح ستة ليتفقوا علي الاختيار من بينهم برأي الصحابة وأهل الرأي ثم تتلوه البيعة منهم ومن أهل المدينة وسائر المدن والبلاد والأمصار عن طريق الولاة والعمال ، وحين قتل عثمان بن عفان بأيدي ثوار الكوفة ومصر، اختار الصحابة بالمدينة علي بن أبي طالب وأيد هذا الاختيار أهل مصر والعراق، ولم يتردد في إعطاء البيعة له سوي بعض الصحابة من المهاجرين، وهرب بعضهم للحاق بمعاوية في الشام الذي أعلن العصيان، وآخرون فروا إلي مكة، ومعظمهم من بني أمية.


 
وسارع الخليفة الجديد الذي لم تتثبت أركان خلافته بعد بعزل الولاة الموالين للراحل عثمان في العراق ومصر والشام، ورغم نصيحة بعض الصحابة بالانتظار إلي أن تستقر الأمور، ولكنه أراد استرداد الإقطاعيات التي كان عثمان قد منحها لبعض بطانته والمقربين إليه من أهل بيته الأمويين، وعندئذ انفجر سخط الولاة الذين اثروا في عهد عثمان وعلي رأسهم معاوية بن أبي سفيان ،الذي استطاع تكوين حزب قوي يضم الأمويين وعرب الشام، وبدأ يطالب عليا بأخذ ثأر عثمان ويتتبع قتلته، ورفض عليا مشترطا أن يعلن معاوية الطاعة أولا وإعطاء البيعة التي امتنع عنها، وهنا نشبت الحرب بين القبائل العربية المسلمة، الهاشميون وأنصارهم من جهة، والأمويون وأنصارهم من جهة أخري ، بين الإمام الخليفة التي تمت له البيعة، وولي متمرد ومعزول، فكانت موقعة الجمل، ثم موقعة صفين وهي الموقعة التي جري فيها التحكيم.
 
وخدع  عمرو بن العاص ممثل معاوية في التحكيم أبو موسي الأشعري ممثل علي، وأدي هذا إلي انقسام معسكر الإمام علي، فثار ضده ما أطلق عليهم الخوارج واتهموه في دينه وطالبوه بالاستتابة، وما بين موقعتي الجمل وصفين، جرت معارك بسبب قتل عثمان في مصر، فقد احتفل الثوار المصريون المنتصرون في الفسطاط، وأقسموا علي محاربة الخليفة الجديد إذا حاد عن السبيل الحق، وتربص أنصار الأمويين بالثوار ليثأروا منهم لقتلهم عثمان، وبايعوا معاوي، فقاد محمد بن حذيفة جيشا لمقاتلة ابن حديج وهزمه مرتين عند مدينة "خربتا " في الحوف شرقي الدلتا، والتجأ معاوية للخديعة في حربه علي أرض مصر، ورغم وجود جيشه بالقرب من عين شمس بمصر، إلا أنه طلب من ابن حذيفة تسليمه رءوس قتلة عثمان بلا حرب، ورفض ابن حذيفة، واستعمل معاوية الخديعة كعادته.
 



وطلب تبادل الرهائن مع والي مصر التابع لعلي، كي يضمن أن يكف الطرفان عن الحرب وقدم أبو حذيفة رهائن ومنهم نفسه، واستخلف علي ولاية مصر "الحكم ابن أبي الصلت " ومعه رهائن من جيش معاوية، وحبس معاوية الرهائن في " اللد " بفلسطين، وقتلهم ومعهم الوالي أبو حذيفة، واستخلف علي قيس بن عبادة الأنصاري فنجح في استمالة المطالبين بدم عثمان من الموالين لبني أمية، وهنا تدخل عمرو بن العاص بالحيلة أيضا، لإخراج قيس من مصر، فأشاع أن قيسا من شيعة معاوية وليس عليا وبينه وبين معاوية رسائل واتفاق، ولدرء الشك طالب علي بن عبادة محاربة الموالين للأمويين، ولكنه رفض لأنه أمنهم علي أنفسهم وفيهم الكثير من إشراف مصر، فقام علي بعزل وليه، وتوليه ابن الأشتر الذي قتله معاوية بدس السم في العسل قبل وصوله مصر، فولي علي بن أبي طالب محمد بن أبي بكر علي مصر ، فأساء للأمويين وهددهم بل وهدم دورهم ونهب أموالهم وأذي واليهم وحبسهم وسيرهم إلي معاوية في الشام فظلوا عنده إلي أن انتهت موقعة صفين بتحكيم المصاحف وتفرق جند علي وربح معاوية مشاركة مع عمرو بن العاص.
 
ووقعت مصر ثمرة في يد عمرو بن العاص بعد معارك بين الجيشين بقيادة محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص ، وتم أسر محمد بن أبي بكر وقتله وجعل جثمانه في جيفة حمار وأحرقهما بالنار، وصارت مصر ملكية لعمرو يأخد منها ما يريد دون أن يرسل للخليفة الأموي أي من خيراتها ـ وعندما استحوذ معاوية علي مصر استطاع أن يجهر بالدعوة للخلافة لنفسه، وخلا له الطريق بمقتل الإمام علي بن أبي طالب بخنجر مسموم فاستشهد في ذكري غزوة بدر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين هجرية، وفشل الخارجيان الآخران في قتل معاوية بدمشق وعمرو بن العاص بمصر، وبمقتل علي انتهت صفحة الخلفاء الراشدين من التاريخ الإسلامي، الذي كانت بيعتهم تبدأ بالصفوة والنخبة وتنتهي ببيعة سائر الناس، وخلا الجو للأسرة الأموية وأي خلافة لجماعة مغامرة، تجمع في قبضة واحدة السلطتين الزمانية والمكانية والروحية معا لعقود عديدة من السنين وربما لقرون متوالية سنتعرف عليها في الجزء المقبل من هذا الموضوع الهام، الوجه الآخر للخلافة الإسلامية.
 

سليمان فياض

اقرأ ايضاً

(23 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع