أفكار

خطأ أبو مازن.. وحق اليهود المزعوم

هاجم المسئولون الإسرائيليون والميديا الصهيونية الزعيم الفلسطينى محمود عباس، لمجرد أنه قال: إنّ موقف شعوب أوروبا من اليهود لم يكن بسبب الديانة اليهودية، وإنما بسبب تصرفات اليهود وتعاملاتهم مع باقى أبناء الشعوب الأوروبية. وأوضح أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (صائب عريقات) أنّ الدعاية الصهيونية شوّهتْ حديث الزعيم عباس، الذى أكـّـد احترامه للديانة اليهودية ولم ينف المذابح التى تعرّض لها اليهود فى أوروبا (صحيفة الشروق المصرية، ووكالة أ. ش. أ – رام الله- 2مايو 2018). 
 فهل حديث الزعيم الفلسطينى يستحق كل هذا الهجوم عليه؟ خاصة أنّ حديثه كان شديد الموضوعية والاعتدال. أم أنّ سبب الهجوم تنطبق عليه حكمة شعبنا المصرى فى أهازيجه البديعة ((اللى فى راسه بطحه بيحسس عليها))؟ 


 
وأعتقد أنّ تلك (البطحة) سببها أنّ أعضاء الكهنوت الصهيونى (من غلاة الصهيونية الدينية) يعلمون الأسباب الحقيقة التى جعلتْ الشعوب الأوروبية تتخذ هذا الموقف العدائى من اليهود، وهو الموقف الذى عبــّـر عنه كثيرون من الأدباء والمؤرخين، لدرجة أنّ (ثربانتس) مؤلف التحفة الإبداعية (دون كيخوتى) انتقد سلوكهم فى أكثر من مشهد من مشاهد الرواية، ولدرجة أنّ (سانشو) خادم ورفيق دون كيخوتى فى مغامرته قال: إننى ((عدو فتاك لليهود)) (المشروع القومى للترجمة- القسم الثانى- ترجمة سليمان العطار- عام2002- ص63) فلماذا قال سانشو إنه يكره اليهود لدرجة أنْ يعتبرهم من الأعداء؟ وهل هذه الصراحة منقطعة الصلة عن الواقع؟ أم أنها تعبير عن الواقع؟ 

 وما ذكره (ثربانتس) ذكره كثيرون من المُـبدعين أمثال شكسبير فى رائعته (تاجر البندقية) حيث يُصر المرابى اليهودى (شيلوك) على أنْ ينص العقد الذى وقعه مع أنطونيو على أنه فى حالة عدم الوفاء بتسديد القرض فى موعده أنْ يأخذ مقابله رطلا من لحمه. فلماذا كان هذا الإصرار، وما دوافعه؟ ولأنّ شيكسبير بارع فى قواعد الدراما، فإنه جعل هذا الطلب مدخلا لإدانة التعنت للانتقام من أنطونيو. يقول شيلوك فى تبريره لشرط رطل اللحم أنّ ثروة أنطونيو(المدين) ((فى كف الأقدار)) وفى حالة عدم الوفاء بالدين فإنه يُحدث نفسه قائلا (أشم رائحة الخنازير. أذوق لحم من أدانه نبى الناصرة. نبيكم) فى إشارة إلى السيد المسيح. هنا يُجسد شيكسبير التعصب الدينى الذى هو آفة البشرية. وقال شيلوك عن أنطونيو(أكرهه لأنه مسيحى ويكره شعب الله المختار). 

وفى العصر الحديث تناول الأديب الأمريكى (جون شتاينبك) الموقف من اليهود فى روايته البديعة (شتاء السخط) فى مشهد عن سخرية اليهود من صلب المسيح. 
وكما فى معظم الأعمال الأدبية الأوروبية، من سخرية ونقد لسلوك اليهود داخل مجتمعاتهم التى يعيشون فيها، كذلك فعل شتاينبك فى رواية أخرى بعنوان (تورتلا فلات)عن صعاليك أمريكا فى خمسينيات القرن الماضى، حيث جعل أحد شخصيات الرواية من الصعاليك (بيلون) يـُـشبـّـه صديقه (الذى عطف عليه وأعطاه بيتــًـا) فقال: ستنتهى حريتى..((ولن ألبث أنْ أصبح عبدًا بسبب منزل هذا اليهودى)) 

وعندما طلب (دانى) الإيجار، فإنّ بيلون قال لصديقه (بابلو) تعال نشتغل لنجلب المال لهذا السيد اليهودى..وعندما تعامل مع السيدة (توريللى) صاحبة مغسلة تنظيف الملابس، ورأى قسوتها- حتى مع زوجها- وبعد أنْ تأكد (بيلون) من خداعها، جلس يفكر كيف يتعامل ((مع هذه السيدة اليهودية)) وحتى (توريللى) الذى لم يسلم من لسان زوجته، فإنه كان مثلها فى تعامله مع الآخرين، ولذلك- أيضًـا- شبـّـهه بيلون باليهودى فى بخله وجشعه. 
 أما الأديب الإيطالى (أمبرتو إيكو) فقد تناول الموقف من اليهود فى روايته البديعة (اسم الوردة) على لسان أحد رهبان الدير المسيحى، حيث دار حوار طويل بينه وبين راهب آخر(عن المجموعة التى فكرتْ فى مهاجمة اليهود) وأنّ جماعة من الرعاة حاصروا برجـًـا لملك فرنسا، احتمتْ فيه جموع من اليهود.. الذين انتابهم الرعب..وقد دافع اليهود عن أنفسهم، لكن الرعاة أشعلوا النار فى باب البرج لتعذيب اليهود المُـحاصرين بالدخان والنار. فأعلن ملك فرنسا أنّ هؤلاء الرعاة قد تعدوا كل الحدود وأمر بالدفاع عن اليهود وعدم التعرض لهم. ولكن الكثير من المسيحيين لم يطيعوا الملك..وكان من رأيهم أنه ((ليس من العدل الدفاع عن اليهود، الذين كانوا دائمًـا أعداء الدين المسيحى)) (دار أويا- الطبعة الثانية- عام1998- ترجمة المترجم التونسى الكبير أحمد الصمغى- ص216، 217) 



 وفى العصور القديمة نجد نفس الموقف من اليهود، وعن فترة تواجدهم فى مصر- على سبيل المثال- فقد سمح بسماتيك الأول لليهود أنْ يتدفقوا على مصر، وأنْ يُنشئوا لأنفسهم مستعمرة خاصة بهم، بل سمح لهم أنْ يُقيموا معبدًا لإلههم (يهوه) بل إنه بفضل تسامح المصريين ورحابة صدورهم، عاش اليهود فى مصر(أنظرد. محمد بيومى مهران- تاريخ الشرق الأدنى القديم- دار المعارف بمصر عام 1976 ج 3 ص 325 ، 384) بعد هذا العطاء والتسامح من المصريين، ماذا حدث؟ ((وهكذا انتهت الأمور باليهود أنْ نسوا لمصر أنها أطعمتهم من جوع وآوتهم من تشرد وكستهم من عرى، فردوا لها الجميل نكرانــًـا، وكانوا عليها للفرس أعوانــًـا وفى حاميتهم جنودًا)) وكان لابد أنْ تزداد كراهية المصريين لليهود ((بعد أنْ رأوهم بعد أطول إقامة فى البلاد خونة وجواسيس ومثار فتن ودسائس وأذنابـًـا لأعداء البلاد)) (د.محمد بيومى مهران– المصدر السابق ص 380) 
 وعندما أشاع غلاة الصهاينة أنّ اليهود هم الذين أسّـسوا الحضارة المصرية، وهم الذين شيــّـدوا الأهرامات، كتبتْ د.نعمات أحمد فؤاد مقالا مهمًـا فنّدتْ فيه هذا الزعم، وكدأبها دائمًا ذكرت المراجع العلمية التى تؤكد نفى هذه المزاعم، وذكرتْ أنّ العالم سيجموند فرويد بالرغم من ديانته اليهودية كتب أنّ ((عقدة اليهود سبق مصر فى الحضارة)) (أهرام 15/10/97) 

 وعندما تجدّدتْ إدعاءات الميديا الصهيونية فى الترويج لأكذوبة أنّ اليهود هم بناة الأهرام، كتبت د.نعمات أحمد فؤاد سلسلة مقالات فنّدتْ فيها هذه الأكاذيب بمرجعية من المؤرخين المعاصرين للأحداث وعلماء علم المصريات (أهرام 2 ، 9 ، 16 ، 23 سبتمبر98) 
 وفى العصر الحيث ذكر العالم ألبرت أينشتاين (يهودى الديانة) فى كتابه (حول الصهيونية- خطابات ورسائل) الصادر عام 1931 ((إننا ندين إلى اللاسامية بالمحافظة على وجودنا واستمرارنا)) أى أنه رفض التقسيم غير العلمى، بين أبناء (سام أى اليهود) وأبناء (حام كعبيد للساميين) أما الفيلسوف سارتر فقال فى كتابه (اليهودى واللاسامية- بحث فى علم أسباب الحقد) الصادر عام 1948 ((إنّ العامل الوحيد الجامع بين اليهود هو عداء المجتمعات المحيطة بهم وكراهيتها لهم)) أما كارل ماركس فقد لخـّـص (رغم أنه يهودى الديانة) أسباب كراهية الشعوب الحرة لليهود فى سبب رئيسى هوأنّ اليهود رفضوا أنْ يعيشوا فى مجتمعاتهم كمواطنين، لأنّ تمسك اليهود بالديانة اليهودية تغلّب على ((الجوهر الإنسانى الذى كان ينبغى أنْ يربطه- بوصفه إنسانًا- بسائر الناس)) وفى الفقرة الأولى من الصفحة الأولى كتب ((المال هو إله إسرائيل المطماع. ويعتقد اليهود أنه لاينبغى معه لأى إله أنْ يعيش. إنّ المال يخفض جميع آلهة البشر ويجعلهم سلعًا. المتاجرة بالمال، هذا هو الإله الحقيقى لليهود)) (دار مكتبة الجيل اللبنانية- بدون سنة نشر- ص 3، 38، 55، 63) 

 وكتب الفيلسوف الفرنسى فولتير عن التاريخ اليهودى القديم ((فى البداية تتشتتْ قبائل إسرائيل العشر ثم سيقتْ القبيلتان الأخيرتان إلى أسر بابل. هذه إذن النهاية التى آلتْ إليها تلك العجائب المذهلة كلها، والتى زعموا أنّ (يهوه) صنعها ليهوده. وينظر الحكماء المسيحيون بألم وأسى شديديْن إلى النوائب التى ألمّتْ بآبائهم، الذين أعدوا لهم طريق الخلاص. أما أتباع مذهب الشك، فينظرون بفرح خفى إلى ما حلّ بالشعب اليهودى، هو الشعب الذى يرون أنه حامل لأبشع المعتقدات الخرافية وأدنى أشكال العهر والبغاء وأكثر ضروب السلوك البشرى وحشية ودموية)) (نقلا عن كتاب " التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير" تأليف ليوتاكسل– ترجمة د. حسان ميخائيل إسحاق- طبعة خاصة- ص 462) وكتب سيجموند فرويد (رغم أنه يهودى الديانة): ((إننا عندما نقرأ العهد القديم، لانستطيع أنْ نبقى بغير اكتراث عندما نجد أنفسنا فى تعارض مع البحوث التاريخية اليقظة لعصرنا..ومن المؤكد أنّ (يهوه) كان إلهًا بركانــيًا، وكما نعرف فإنّ مصر تخلو من البراكين)) وأكد على أنّ اليهود أخذوا عادة ختان الذكور من مصر، ورغم الشواهد التى تؤكد أنها عادة مصرية، فإنّ اليهود بذلوا ((كافة الجهود الممكنة لفصلها عن مصر. ولايمكن تفسير الفقرة المحيرة فى سفر الخروج، المكتوبة بأسلوب غير مفهوم، وتقول إنّ الله كان غاضبًا على موسى لإهماله الختان، وأنّ زوجته المديانية أنقذت حياته بإجراء عملية ختان سريعة، إلاّ أنها تناقض متعمد للحقيقة الكاشفة.. لتوجيه ضربة حاسمة إلى الأصل المصرى لعادة الختان. وقيل إنّ (يهوه) طلبها إلى إبراهام من قبل وأقامها كعلامة على الميثاق المضروب بينه وبين نسل إبراهام، وهذه- على أى حال- بدعة حمقاء بوجه خاص)) (أنظر كتابه "موسى والتوحيد" ترجمة عبدالمنعم الحفنى- مطبعة الدار المصرية- ط 2 – بدون سنة نشر- ص 84 ، 109 ، 135) وبينما وصف فرويد قدماء المصريين (بالودعاء) وصف اليهود بأنهم (همج) (ص109) 


 
 أما العالم والمفكر الإيطالى جوردانو برونو الذى أحرقه القساوسة الأتقياء حيًا مع مطلع عام 1600 لأنه كان يـُـدافع جاليليو وعن الحضارة المصرية، لأنها مؤسسة على التعددية والتسامح الفلسفى (أنظر: لويس عوض فى كتابه " ثورة الفكر- فى عصر النهضة الأوروبية- مركز الأهرام للترجمة والنشر- عام 87 عدة صفحات) هذا العالم الكبيـر(برونو) كتب عن اليهود قائلا إنهم ((بلا شك فضلات الحضارة المصرية. ولايستطيع أى إنسان أنْ يُـقنع أحدًا بأنّ المصريين قد أخذوا عن اليهود أى من مبادئهم، سواء كانت صالحة أم لا.. إنّ مصر مبدعة الكتابة والآداب، أساس كل تراثنا وشرائعنا)) (نقلا عن مارتن برنال فى كتابه الموسوعى " أثينة إفريقية سوداء"- مجموعة مترجمين- المجلس الأعلى للثقافة- عام 97 ص 286) 

 وذكر العالم (ليوشتراوس) أنّ الفيلسوف الهولندى اسبينوزا (1632- 1677) ابتعد عن اليهودية. وأنّ هدفه الأساسى فى دراسته (البحث اللاهوتى السياسى) هو((تحرير المسيحية من تراثها اليهودى)) أما العالم (كاسير) فقد أكد على ابتعاد (اسبينوزا) عن التراثيْن الدينييْن اليهودى والمسيحى معًا. وهو الأمر الذى أغضب الحاخامات اليهود على (اسبينوزا) فقرّروا طرده من الطائفة اليهودية، وبالتالى انفصاله عنها طوال حياته منذ أنْ كان فى الرابعة والعشرين من عمره حتى وفاته. وأنه لم يتراجع عن موقفه، ولم يحاول فى أى وقت أنْ يسترضى السلطات الدينية اليهودية. وفى كتابه المهم عن (اسبينوزا) كتب المفكر الكبير د.فؤاد زكريا أنّ (اسبينوزا) رفض بشدة فكرة امتياز شعب على بقية الشعوب. وفى هذا السياق كتب اسبينوزا ((لايوجد على الإطلاق فى الوقت الحالى أى شىء يستطيع به اليهود أنْ يباهوا به غيرهم من الشعوب. أما استمرار اليهود كل هذا الوقت بعد تشتتهم وضياع ملكهم، فليس فيه ما يدعو إلى العجب، إذْ أنهم قد انفصلوا عن كل أمة إلى حدٍ جلب عليهم كراهية الجميع. وعن التعصب الدينى المؤسس على أحادية الفكر كتب اسبينوزا أنه ((لا الكاثوليكية ولا اليهودية يحق لها أنْ تدّعى احتكار الحقيقة لنفسها. ومن الممكن الإتيان دائمًا، فى كل حالة تلجأ فيها إحدى العقائد إلى الحجة القائلة بقدرتها على البقاء، بأمثلة أخرى لعقائد مخالفة لاتقل عنها قدرة على البقاء، ولكنْ لا هذه ولا تلك يحق– كما قلنا– أنْ تدعى لنفسها احتكار الحقيقة. ولاحظ العالم (لامبرت دى فلتهويزن) فى الرسالة رقم 42 الموجهة إلى اسبينوزا أنّ الأخير ((أنكر فكرة اختيار اليهود أو تفضيلهم على بقية الأمم. وأكــّـد على أنّ ممارسة الفضائل الأخلاقية، أجدى من ممارسة شعائر العقيدة اليهودية)).
 
 أعتقد أنّ تشبث اليهود ب (درع اليهودية) كان من الحتم أنْ يقابله رفض مفهوم (المواطنة) وأنّ رفض اليهود الفرنسيين الانتماء لفرنسا الوطن، ورفض اليهود الألمان الانتماء لألمانيا الوطن.. إلخ كان سببه تمسك اليهود بالمرجعية الدينية، لتنفيذ مشيئة إلههم بضرورة العودة إلى (أرض الميعاد) ومن هنا نشأتْ ظاهرة (الجيتو) فى المجتمعات الأوروبية. وبسبب إصرارهم على فكرة (الجيتوهات) ورفضهم الاندماج والانتماء (الوطنى) تجمّعوا ونجحوا (يجب الاعتراف بذلك) فى تكوين أكبر(جيتو) بعد استيلائهم على أرض الشعب الفلسطينى، أى أنّ اليهودية تحوّلت من عقيدة دينية إلى مذهب سياسى ثم امتزجا فصارا كوجهىْ العملة، لا انفصام ولا انفصال بينهما، وكان اسم هذه العملة (الصهيونية) وبالتالى فإنه لا خلاص للبشرية (ولليهود أيضًا كبشر) من هذه النزعة الصهيونية، وهو ما يفعله التيار العلمانى فى إسرائيل. فهل أخطأ الزعيم الفلسطينى عندما تكلم عن سلوك اليهود وليس عن ديانتهم؟

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع