أفكار

خرافة السفياني وإرهاب داعش

تؤمن التنظيمات الإرهابية بالكثير من النبوءات التى تشكل عقيدتها الأيديولوجية فى التدمير، مما جعل العالم الافتراضى فى العالم العربى منذ ظهور تنظيمات داعش والقاعدة والنصرة فى سوريا والعراق وغيرها يعج بكتابة ملايين من كلمات البحث مثل المهدى المنتظر والمسيح المخلص والسفيانى وغيرها من الشخصيات المستقبلية لأحداث آخر الزمان. 



توجد فى النبوءات الكثير من الشخصيات مثل اليمانى والخرسانى والسفيانى التى يزداد البحث عنها فى محركات البحث جوجل كأنها شخصيات حقيقية ومن المسلمات بها حيث تصل كلمات البحث لملايين معرضة للزيادة بمرور الوقت فمثلا كلمة من هو السفيانى وعلامة ظهوره؟ تصل لنحو 147 ألف نتيجة، وتصل كلمة هل صدام حسين هو السفياني؟ لنحو 79 ألفًا، كما تصل كلمة السفيانى وداعش لنحو 63 ألفًا و800 نتيجة، بينما كلمة السفيانى مفردة تصل لنحو مليون و10 آلاف نتيجة.


 
منذ أكثر من 80 سنة وفى يوليو عام 1933م أخرج الباحث العلامة بندلى صليبا الجوزى بحثه التاريخى الموثق عن خرافة السفياني، - وبندلى صليبا كما تصفه الموسوعة الفلسطينية 1871-1942م، ولد فى القدس وهاجر سنة 1891 إلى روسيا ليدرس اللاهوت ويتخرج كاهناً، ولكنه عدل عن ذلك بعد أن درس اللاهوت فى موسكو ثلاث سنوات، وانصرف إلى الدراسات العربية والإسلامية واللغات السامية فى موسكو ثم فى قازان، وعين نائب أستاذ للغة العربية والدراسات الإسلامية فى جامعة قازان سنة 1896، ونال شهادة الماجستير من نفس الجامعة سنة 1899، وكان موضوع رسالته “المعتزلة، البحث الكلامى التاريخى فى الإسلام”.
 


سافر بندلى الجوزى سنة 1900 إلى وطنه فلسطين، ولكنه اضطر إلى العودة إلى قازان بسبب اضطهاد السلطات العثمانية له، وعمل أستاذاً مساعداً لمادة الشريعة الإسلامية فى كلية الحقوق بجامعة قازان بين سنتى 1911 و1917، وانتقل بعد ذلك إلى كلية الآداب والتاريخ، وحاضر فى تاريخ شعوب الشرق الأدنى حتى سنة 1920، وفى تلك السنة دعى إلى تولى كرسى اللغة العربية وآدابها فى جامعة باكير الدولية بآذربيجان، كما أسند إليه كرسى تاريخ الشرق الإسلامي، وقد أصبح بين سنتى 1930 و1933 رئيساً للقسم العربى من فرع أكاديمية العلوم فى آذربيجان، وزار فلسطين وسوريا والعراق ومصر وإيران ثلاث مرات لأغراض علمية.
كان الجوزى يتقن الكثير من اللغات القديمة والحديثة، وألف باللغتين العربية والروسية، وترجم عنهما وإليهما، كما نقل عن الألمانية بالاشتراك مع الدكتور قسطنطين زريق كتاب “أمراء غسان” تأليف المستشرق الألمانى نولدكه (طبع سنة 1931)، بالإضافة إلى الكثير من المقالات العلمية فى المجلات العربية، حيث طبع فى القدس سنة 1928 الجزء الأول من كتابه “من تاريخ الحركات الفكرية فى الإسلام”، وقد بحث فيه الحركات الاجتماعية حسب النظريات العلمية – الماركسية فنال بذلك شهرة واسعة.
 
يقول بندلى عن السفيانى فى بحثه النادر المنشور فى مجلة المقتطف : "بعيداً عن المهدى المنتظر الذى يسهب البحث فيه، والذى ظهر فى الكتابات الإسلامية وغيرها بعد وفاة النبى محمد عليه الصلاة والسلام، لقد جاء فى كتاب الأغانى أن أول من وضع خبر السفيانى هو خالد بن يزيد بن معاوية، وأراد من ذلك أن يكون للناس فيه طمع حين غلبه مروان بن الحكم وتزوج أمه أم هاشم، وهذا الحديث مرفوع لمصعب عم الزبير إلا أن صاحب الأغانى أو من نقل عنه يعد هذا الخبر وهماً من مصعب لأن خبر السفيانى رواه غير واحد وتتابعت فيه الروايات الخاصة والعامة، وذكره أبوجعفر محمد بن على بن الحسين بن على وغيرهم من أهل البيت. 
ويرى صليبا أن الواهم هو صاحب كتاب الأغانى الذى اختلط عليه الأمر من وجهة نظره بين كلام جعفر من أهل البيت فى المهدى المنتظر وبين السفيانى بطل بنى أمية، وبالأحرى بنى سفيان، وشتان بين الاثنين، مشيرًا إلى أن دعوة المهدى أصبحت مع الزمن عامة بينما دعوة السفيانى هى دعوة سياسية ومحصورة فى بنى سفيان بعد سقوط دولتهم وانتقال الخلافة إلى بنى العباس، ولم يكن غرضها إلا إعادة بنى أمية للحكم ثانية حتى إذا عاد الحكم لهم لم يكن فى حاجة إليه، وربما لهذا السبب لم يشع الاعتقاد فى السفيانى إلا فى شيعته وفى عرب سوريا وفلسطين وبعض الناقمين من العرب على بنى العباس. 
 


ويضيف إسلام أحمد محمد باحث فى التاريخ لــ"بوابة الحضارات " أن النبوءات فى عصرنا الحديث استخدمت فى تدمير دول، مؤكداً أن دمشق عاصمة سوريا منذ عدة سنوات تتعرض للتدمير بسبب نبوءة اليمين الأمريكية، حيث هناك الكثير من الأبحاث التى استعرضت هذه النبوءة المستقاة من التوراة والتى يؤمن بها اليمين الأمريكى والتى تقول إنه لابد من "لا بد من الانتقام بتدمير بابل (العراق) ثم تحويل دمشق لتلة من الركام"
 
ويوضح إسلام أحمد الباحث فى التاريخ أن النبوءات بعضها توراتي، وبعضها "شيعي"، وبعضها الثالث "إنجيلى مؤكداً أن الذى يثير الدهشة هو إطلاق تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى "داعش" على مجلتهم الإعلامية اسم دابق فهى بحسب ما أوردت وكالات الأنباء العالمية ومنها الوكالة الألمانية التى أوردت تقريراً بعنوان نبوءات قديمة تثير حماس الجهاديين فى تنظيم الدولة الإسلامية 
ويضيف أن الإرهابيين يؤمنون برواية للنبوءة المتعلقة بمعركة دابق تشترك فى الحديث عن معركة كبرى تقع بين المسلمين والكفار وقبل أن يقتل الزرقاوى فى 2006م وقبل تحول التنظيم المسلح كان يتحدث عن المعركة الحاسمة فى دابق كنوع من المسلمات اليقينية التى لابد أن تحدث.   
نرجع إلى البحث التاريخى النادر الموثق الذى نشره المؤرخ بندلى جوزى عن السفيانى مؤكداً أن المؤرخين القدامى أن مدة بقاء السفيانى فى أصحابه لا تزيد على تسعة أشهر أو تزيد كما جاء فى الحديث الآتى "قال جعفر محمد بن علي، كم تعدون بقاء السفيانى فيكم ؟ قلت حمل امرأة - تسعة أشهر - قال ما أعلمكم يا أهل الكوفة" وجاء فى حديث آخر أن منصور بن الأسود قال: "أتيت جعفر الجعفى أنا والأسود أخى فقلنا إنًا قوم نضرب فى هذه التجارات، وقد بلغنا أن الرايات قد قطع بها الفرات فماذا تشير علينا؟ وماذا تأمرنا؟ قال اذهبوا حيث شئتم من أرض الله تعالى حتى إذا خرج السفيانى فاقبلوا عودكم على بدئكم".
 


يقدم بندلى عدة أدلة فى بحثه التاريخى الموثق وهى أن خالد ابن يزيد هو الذى وضع أمر السفياني، مؤكداً أن خالداً كان يطمع فى الحكم لأنه أكبر أبناء يزيد، فكان من اللازم أن يرثه طبقاً للنظام الذى وضعه معاوية ابن أبى سفيان جرياً على عادة البيزنطيين، حيث تأثر بهم فى إدارة شئون البلاد إلا إن خالد لم يرث أباه بل ورثه مروان بن الحكم وأولاده من بعده، وبذلك انتقل الحكم إلى المروانين وهذا ما لم يرضى به بنو سفيان أو ينسوه، وكان خالد بن يزيد أشهر علماء عصره عند العرب فى الكيمياء وعلم الحديث. 
ويقول صليبا: "لم يكن خالد يخفى عنه أمر المهدى وخطورة هذا الفكر وسعى الشيعة فى حصره فى آل البيت وذرية سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه، فهل يلام خالد أو يستغرب منه إذا أخذ هذا الاعتقاد من أعدائه، واستعمله لمصلحته ومصلحة بيته؟، مضيفًا أن شخصية السفيانى والاعتقاد بها ظهرت بعد الإسلام وانتشرت بعد أن زاد الاعتقاد بالمهدى المنتظر، وقد زاد الاعتقاد بالسفيانى شيوعا بعد ضياع الحكم من بنى أمية، مؤكداً أن سوريا كانت هى موطن الاعتقاد بالسفيانى ينادون به كلما ثاروا على سلطة بنى العباس.


 
عرف بنو العباس أمر السفيانى من السوريين فكانوا يخشونهم ويكرهون سماع كلمة السفياني، فقد ذكر الطبرى أن رجلاً تعرض للمأمون بالشام مراراً فقال له يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان، فقال له المأمون أكثرت على يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيساً عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق من مالى درهمًا واحدًا، وأما اليمن فو الله ما أحببتها ولا أحبتنى قط أما قضاعة فساداتها تنتظر السفيانى وخروجه فتكون من أشياعه. 
 
حاول عرب سوريا الشمالية والجنوبية أن يردوا الحكم إلى بنى أمية لكنهم فشلوا، وقاموا بشق طاعة بنى العباس باسم السفياني، وذكر المؤرخون أن أول ثورة ضد حكم بنى العباس قام بها على بن عبدالله بن يزيد بن معاوية، الملقب بأبى العميطرة فى بلاد الشام عام 195 هجرية، والذى يؤخذ من كلام ابن الأثير والطبرى أن أبا العميطرة دعا لنفسه بالخلافة، مدعياً أنه السفيانى المنتظر، وقوى على سليمان بن المنصور ( ابن أبى جعفر) عامل دمشق فأخرجه عنها، وكان أكثر أصحاب ابن يزيد بن معاوية من بنى كلب، ولولا الانقسام الذى حصل فى ثورته لكان للسفيانى شأن آخر فى سوريا. 
ثم ظهرت حركة المبرقع الفلسطينى السفياني، وحركة السفيانى الموسوس بالشام عام 906م 294هجرية، كما ظهر سفيانى آخر فى طرابلس كما ذكر ابن الأثير، ولم تنته دعوة السفيانى إلا بعد سقوط خلافة بنى العباس فى أيدى السلاجقة والمغول، حين لم يبق نزاع بين القوى السياسية العربية القديمة، وحين عم الاعتقاد بوجود المهدى المنتظر الذى يملاْ الأرض عدلا ويحيى الأمة العربية جميعاً خاتماً بحثه بتساؤل فهل يكون ذلك ياترى ومتي؟ وهل يكون عن يد السفياني؟ أم عن يد شخص آخر؟

(86 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع