أفكار

حين يصبح للنبى كرامة فى وطنه.. "عاش هنا" مخلّد الذكر

«لا كرامة لنبى فى وطنه، ولدى بنى قومه» عبارة شهيرة تُنسب إلى السيد المسيح عيسى عليه السلام، تعكس حقيقة التهميش والتجاهل الذى يعانى منه صاحب الموهبة أو المبدع أو الناجح فى بلاده وبين أهله وذويه. ولا غرابة فى ذلك؛ فلطالما كانت المعاصرة حجابًا كثيفًا يحول بين أرباب البصمة الفاعلة وبين تصديق المجتمع لهم وإيلائهم الاهتمام والتقدير الذى يستحقونه فى كل العصور والأماكن، وقد يُعرف قدرهم حين يكون قطار العمر ولى وتساقطت أوراق شجرة حياتهم، وربما صاروا نسيًا منسيًا،أحياءً وأمواتًا.
 


وحين يظهر استثناءً لتلك القاعدة، وتشرع جهات رسمية فى الدولة المصرية فى تخليد ذكر رموزها البارزين فى مجالات متعددة، عبر تنفيذ مشروع جاد وواعد تتقاطع خلاله ذاكرة المكان بالسيرة الذاتية لشخوص أثروا المجتمع المصري، وأضافوا إليه بفنونهم ومنجزاتهم الفكرية والثقافية؛ فنحن، وبحق، أمام أحد الخطط الفاعلة لاستعادة القوى الناعمة للدولة المصرية، عن مشروع توثيق أماكن سكن أبرز أعلام المصريين المعاصرين أو مبادرة «عاش هنا» نتحدث.
 
 
يعد مشروع «عاش هنا» ثمرة تعاون بين الجهاز القومى للتنسيق الحضارى التابع لوزارة الثقافة المصرية، والمنوط بتحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجى للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية للمدن والقرى وكافة المناطق الحضارية للدولة، وبين مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، وأسهم فى وضع ملامح المشروع لجنة علمية مؤلفة من بعض أعضاء الجهاز القومى للتنسيق الحضارى وعلى رأسهم المهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز، والدكتور عماد أبو غازى والدكتور خالد عزب، إلى جانب الدكتور محمد عفيفي، والدكتور ياسر منجي، والمعمارى طارق والي، والدكتور خالد الخميسى والشاعر أحمد عنتر مصطفى، والدكتورة هايدى شلبي، والناقد السينمائى الراحل على أبو شادي.
 
انطلق المشروع بصفة رسمية فى أوائل عام 2017 مستهدفًا جغرافيًا محافظتى القاهرة والجيزة كمرحلة أولى، عبر توثيق منازل 200 شخصية مصرية بارزة، وفى يوم الاثنين الموافق 17 سبتمبر الماضى وبقلب قلعة صلاح الدين؛ تم الاحتفال رسميًا بتدشين المشروع واكتمال تسجيل 100 مبنى كانت يومًا موضعا لإبداع 100 رمز مصري.
جاءت فكرة المشروع وتنفيذه بأفكار سلسلة وقليلة التكلفة، لتلقى تفاعلاً ملحوظًا فى الشارع المصري، وتلفت إليها الأنظار فى خطوة نحو إعلاء قيم الجمال ومواجهة ثقافة القبح التى يعانى منها المجتمع المصري؛ حيث يتم توثيق البنايات التى عاش بها الشخوص المختارة من خلال تثبيت لوحة معدنية تتضمن عبارات موجزة تشمل اسم المبدع، وتاريخ ميلاده ووفاته، والمجال الذى ساهم فيه كالرواية أو الشعر أو السياسة، وعنوان العقار الذى كان يقطن به، فضلاً عن كود QR، والذى يقود إلى قاعدة بيانات رقمية أكثر تفصيلاً عن تلك الشخصية عبر تطبيق QRL المتاح فى أجهزة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية المحمولة.
 
 

من جانب آخر يمكن للزائر عبر شبكة الانترنت الاطلاع على قاعدة بيانات الشخصيات العامة المستهدفة فى المشروع من خلال الموقع الإلكترونى الخاص بالمشروع www.livedhere.org، والذى يضم نبذة عن أولئك المبدعين ومواطن إقامتهم فى خريطة رقمية، وأهم منجزاتهم فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر فى مجالات الفنون والأدب والسياسة والفكر والعلوم والإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن العديد من الشخصيات العامة.
 
 
وتبرز القيمة الحقيقية لتلك المبادرة فى حماية الذاكرة الثقافية والحضارية المصرية فى ظل ظهور أجيال من الشباب تدين لثقافة الفردية والاغتراب، تفضل تناول المعرفة السريعة فى قوالب رقمية، وهو ما نجح المشروع فيه بمخاطبة العقلية المعاصرة من خلال التعريف بالرموز المصرية فى محتوى يواكب الراهن الذى يدين للتكنولوجيا عن الكتاب، وللعبارة الموجزة عن المعرفة المتدفقة.
 
وبين بلاد تحّول منازل أعلامها العظماء إلى متاحف مثل متحفى شامبليون بفرنسا وآينشتاين بسويسرا، وأمصار أخرى فقدت تراثها المعمارى بالكلية نتيجة لظروف سياسية وعسكرية؛ يعتبر مشروع «عاش هنا» درعًا فى مواجهة تآكل قيم الهوية المصرية، وهى بالأساس هوية ثقافية -حضارية، ومصدرًا لحماية الإرث الثقافى والمعمارى المصرى فى الوقت الذى جرى فيه التفريط المؤسف فى العديد من المبانى والأمكنة التى عاش فيها مبدعو مصر ومفكروها، بالهدم أو الإزالة أو الإهمال، مثل منزل سيد درويش بمنطقة كوم الدكة بالإسكندرية، فما لا يدرك كله.. لا يترك جّله.
 
ولعل أبرز فوائد هذا المشروع وثمراته التى لمستها كاتبة تلك السطور حالة الاحتفاء والتقدير بالتراث المصرى الآخذة فى الازدياد التى كان المشروع ركنًا فيها، فقد صار الاهتمام بالتراث الثقافى المادى وغير المادى الشغل الشاغل للعديد من المؤسسات والأفراد ومنظمات المجتمع المدنى من جانب، ومن جانب آخر كان هذا المشروع قناة تعريف واتصال بين الجهاز القومى للتنسيق الحضارى وبين عامة المصريين بطوائفهم، فمنذ فترة ليست ببعيدة لم تحظ المشروعات التى ينفذها الجهاز بحيز كافٍ من اهتمام المصريين ووسائل الإعلام والمثقفين، فيما اتفق هذا الجمع السالف الذكر على أهمية تلك المبادرة بالتعبير عن امتنانهم وتقديرهم لتلك المساهمة الحضارية التى من شأنها المحافظة على تاريخ وذاكرة رموز الإبداع الفكرى والحضارى المصري.
 
ويبقى أن يتم تعميم تلك المبادرة فى مرحلة لاحقة فى محافظات مصر المختلفة التى تضج بالمفكرين والمبدعين، بالتعاون مع مختلف فئات المجتمع من أفراد ومثقفين ومفكرين ومنظمات المجتمع المدنى لتبقى سيرة كل مبدع وخلاّق عاش على أرض مصر وأسهم فى إثراء تاريخ تلك البلاد بفنه أو فكره أو علمه مخّلد الذكر.

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع