أفكار

مصر قبلة الثائرين.. "الاتحاد".. قصة ميلاد أول حزب سياسى سورى فى القاهرة

ميشيل لطف الله مع محمد نجيب فى زيارة مستشفى دار الشفاء

اهتم العديد من الباحثين بالكتابة عن السوريين ونشاطهم في مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، مثل "ألبير حوراني، عبد الله عزباوي، السيد سمير عبد المقصود، عبدالله حنا، وحنا أبي راشد، وغيرهم"، فحللوا لعناصرهم وطوائفهم وظروف مجيئهم ومدى تمازجهم مع المجتمع المصري. وركزوا على ذلك الدور المهم الذي لعبوه في المجالين الاقتصادي والفكري، والذي استمر يؤثر في الحياة المصرية طوال حكم الأسرة العلوية وبعد إعلان الجمهورية، وكانت مصر تهتم بهم وبنشاطهم، مثلهم مثل المواطن المصري تماما، حتى أنها لم تقف أمام سعيهم لاستقلال بلادهم والترتيب لذلك من قلب مصر.
 
وبعدما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وذاعت مبادئ الرئيس الأمريكي "ويلسون" وتعاليمه في حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأصدرت بريطانيا وفرنسا إعلان 8 نوفمبر سنة 1918، دار في خلد السوريين المقيمين في مصر أن قد أزفت ساعة تحقيق رغائبهم، بصفتهم أمة كاملة الخصائص حقيقة الاستقلال.
 
كانت المشكلة التي قابلتهم أنه لم تكن لهم جمعية واحدة تضم شملهم، وتمثل كلمتهم ورأيهم، فبادر الأمير "ميشيل لطف الله" بالحديث مع عمداء السوريين في مصر في هذا الشأن، وبين لهم ضرورة تأليف حزب واحد تتوحد فيه كلمتهم، ودعا فريقا منهم إلى الاجتماع في النادي السوري في القاهرة لبحث الأمر.
ذكر "حنا أبي راشد" في كتابه "حوران الدامية" الذي ألفه عام 1926، أن الاجتماع الأول كان في 22 نوفمبر سنة 1918، وحضره "أوجست باشا أديب" رئيس جمعية الاتحاد اللبناني آنذاك، وكذلك "داود بركات"، والدكتور "فارس نمر"، والدكتور "يعقوب صروف"، وأيضا "نعوم شقير"، "رفيق العظم"، والخواجة "جبرائيل فروجي"، والخواجة "جبرائيل يارد"، وانضم إليهم "حبيب البستاني"، و"سليم سركيس".


الوفد السورى فى جنيف 1922

وشرح لهم الأمير "لطف الله" الهدف من اجتماعهم، ورغبته في تأليف حزب سياسي يضمهم، ويكون ممثلا عن جميع الأحزاب في المطالبة بحقوق الوطن، واشترط أن يبقي كل حزب على مبادئه ومطالبه الخاصة، ودعاهم إلى البدء في عمل برنامج للحزب الجديد.
 
تكررت اجتماعاتهم في أيام 11، 19، 21 ديسمبر سنة 1918، التي ناقشوا فيها برنامج الحزب الجديد، وقرروا تسميته "حزب الاتحاد السوري"، وبعد عدة جلسات وافقوا على البرنامج الذي أعده فريق كبير من خيرة المفكرين ورجال القانون.
ويعطينا "أبي راشد" فكرة عن برنامج الحزب الذي ضم عدة بنود مهمة، منها: أن تكون سوريا بجملتها على وحدتها القومية من جبال طوروس شمالا، فالخابور فالفرات شرقا. والصحراء العربية فمدائن صالح جنوبا. والبحر الأحمر فخط العقبة ورفح، فالبحر المتوسط غربا. وان تكون مستقلة استقلالا تاما، تضمنه جمعية الأمم، وتضمن قانونه الأساسي ضمانا لا يخل بهذا الاستقلال. 
 
كذلك ضم البرنامج بندا عن استعانة الحكومة السورية بجمعية الأمم على انتقاء الاختصاصيين للوظائف الاستشارية العالية التي تمس الحاجة إليها في بادئ الأمر، وأن يكون الحكم في الدولة على مبدأ الديمقراطية المركزية، ويكون أساس قوانينها وأحكامها مدنيا بحتا ما عدا أحكام الأحوال الشخصية، فإنها تبقى على ما هي عليه. وأن تبقى القوانين والأنظمة التي تدار بها مصالح البلاد معمولا بها إلى أن يجتمع مجلس الأمة النيابي العام فينقحها، أو يستبدل بها غيرها على ما يوافق مصلحة البلاد وروح الدستور المدني الجديد.


                                                    ميشيل لطف الله رئيس حزب الاتحاد السورى

وطالب الحزب بتقسيم سوريا إداريا إلى ولايات مستقلة في داخليتها مرتبطة بعضها ببعض في مصالحها العامة، وأن يراعى في هذا التقسيم الاعتبارات التقليدية والجغرافية، كالاعتبارات المحلية الخاصة في فلسطين وجبل حوران وتقاليد القبائل البدوية والنصيرية في ولايات حلب والشام ودير الزور، فضلا عن تقاليد لبنان وحدوده الطبيعية وامتيازاته القديمة. وأن يكون لكل ولاية مجلس مخصوص تنتخبه الجماهير بموجب نظام عام تصان به حقوق الأقلية، ويجدد انتخاب هذا المجلس مرة كل أربع سنوات. وهو يدير شئون الولاية ويسن أنظمتها الداخلية على ما يوافق حالها بشرط ألا تناقض قوانين البلاد العامة. وأيضا مجلس نيابي عام للبلاد مؤلف من أعضاء تنتخبهم المجالس الإدارية من بين أعضائها على نسبة عضو واحد لكل ثلاثة منهم. ويجتمع في مركز الحكومة مرة في السنة للنظر في شئون البلاد ومصالحها العامة، وسن اللوائح والقوانين التي تستلزمها حالة البلاد.
 
واستمر البرنامج في اقتراح تنظيم الدولة الجديدة من كل النواحي، أمنية ومالية وتعليمية، وحقوق مواطنة، وغير ذلك من الأمور. وكان أول أعمال الحزب أن استخرجت لجنته المركزية أربع مواد أساسية من برنامجها وأرسلتها تلغرافيا إلى دول أوروبا وأمريكا والبلاد العربية.
 
وحدد "أبي راشد" بدقة هدف الحزب في رغبته أن تكون سوريا عربية قومية لا عنصرية، وأن يتسم حكمها بالبر والقسط، وتقرر في معظم محاضر الاجتماعات أن مواد البرنامج الأربعة عشر قابلة للتنقيح حسب الظروف، كما قرروا وضع مشروع قانون أساسي لحكومة البلاد.


ميشيل لطف الله فى حفل تكريم بطريرك انطاكية بالاسكندرية

كانت أغلبية المستقرين في مصر تنتمي إلى حزب الاتحاد السوري، والذي يعد وريثا لحزب اللامركزية، أقوى الأحزاب السورية قبل الحرب العالمية الأولى، وكان له أنشطة سياسية عظيمة استمرت لوقت طويل، من أهمها عقد مؤتمر في جنيف عام 1921 لتوحيد جهود الأحزاب والجماعات السورية، وكان برئاسة "رشيد رضا". وتبنى المؤتمر قرارات باستقلال سوريا استقلالا تاما ورفض الانتداب الفرنسي والصهيونية، وطالبوا بحق البلاد في الاتحاد وإقامة حكومة مدنية مسئولة أمام مجلس نيابي.
 
ويذكر "عبد الله حنا" أن هذا الحزب الثائر الذي احتضنته مصر كان بمثابة ضمادة على جرح نازف أصاب الحركة الوطنية السورية التي اضطر معظم قادتها إلى ترك الوطن مرغمين. مما شجع الحركة الوطنية في الداخل السوري التي انطفأت، أن تشتعل من جديد، فتشكلت الجمعيات السرية، مثل "جمعية الحزب الحديدي" التي تألفت في دمشق من الشباب المثقف، ونشطت أيام المد الجماهيري الأول في عام 1922، مما أحدث ضجة في طول البلاد وعرضها، وانتشر حولها جو عابق بالرهبة والاهتمام.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع