أفكار

حجاب المرأة بين التعدُّدِيّة الثقافية والمعاناة النفسية!

"لقد أمَرتُ اليوم بإعداد دَستة من الخُمُر السوداء، التي لا يزال يرتدي مثلها فقراء الناس مِمَّن على دينِنا [.....] إن الخِمار سوف يحررني [.....] أعيش في صحراء من حولي وصحراء في أعماقي. الخِمار مكان خاص وبديع، لكن، لا شيء كما أعتقد، يعانق عناقَه".
هكذا تحدثت "ليلى حصناني"، سليلة العائلة القبطية المصرية العريقة، الواسعة النفوذ والثراء، في الجزء الثالث من رائعة "لورانس داريل"، "رباعية الإسكندرية"، التي صدرت أجزاؤها تباعاً فيما بين عامَي 1957 و1960.

في هذا الجزء، الذي عَنوَنَه "داريل" باسم "ماونت أوليف"، تصاب "ليلى" بالجدري، فتكتب خطاباً طويلاً، شارحةً معاناتها النفسية والجسدية لصديقها، الدبلوماسي الإنجليزي "ماونت أوليف"، محدثةً إياه عن لجوئها لارتداء (الخمار) الشرقي لإخفاء تشوهات المرض. 
كان "داريل" يرسم في روايته الضخمة الشهيرة معالم المجتمع المصري، خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، مُصَوِّراً دقائق الصورة المعقدة، لنسيج ذلك المجتمع آنذاك، والناتجة عن تداخُل وتفاعل مُكَوّناتٍ ثقافية وعرقية ودينية ولغوية، متباينةِ الأصول والأشكال والمفاهيم، غير أنها كانت تجدُ سبيلاً للتآلُف والتناغُم والتعايُش.

من البديهي أن يطرأ هنا سؤال مشروع، هو: هل يصح الاعتداد بما كتبه أديب بريطاني، حول ارتداء سيدات مصريات مِن مختلف الديانات لبعض أغطية الرؤوس - التي باتت ترتبط في الوعي العام بهوية عقائدية محددة - في روايةٍ تستلهم ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته على أرض مصر؟ ألا يُحتَمَل أن يكون الخيال الروائي قد أغرى الكاتب برسم معالم صورة مبالغٍ في تفاصيلها ورتوشها؟
 
هنا لا يكون بُدٌّ من اللجوء للتاريخ وشواهده، لاسترجاع الوقائع التي مَرَّت على الأرض المصرية، وعلاقتها بالسياق الثقافي الشرقي عموماً، سواء في العصر الذي كتب فيه "داريل" روايته، أو فيما سبقه من عصور.
أتوقف هنا، بدايةً، عند نَصٍّ قصير، لكنه واسع الدلالة، نُشِرَ عام 1952، أي قبل حوالي خمس سنوات مِن تاريخ نشر "داريل" لأول أجزاء روايته. كان النَصّ بعنوان "الحجاب في مصر"، ونشَرَته مجلة "البعثة" الكويتية، في عددها رقم 6، الصادر بتاريخ 1 يونيو من العام المذكور.
وتعود أهمية هذا النَصّ إلى عدة اعتبارات؛ أولها أن هذه المجلة كانت تَصدُر وتُطبَع في مصر، لتُوَزَّع بعد ذلك في الكويت، وبذلك، فقد كانت ترصد المجتمع المصري من الداخل، وإن كان الرصد بعيون عربية شقيقة.
الاعتبار الثاني الذي يبرر أهمية النَصّ، أن مجلة "البعثة" كانت لسان حال شباب طلاب الكويت، من أفراد البعثات العلمية الدارسة في مصر – ومن هنا جاءت تسميتها – وبالتالي، فقد كانت الرسالة العامة للمجلة، تتناغم مع فكرة اطّلاع هؤلاء الشباب المبتَعَثين على أنماط ثقافية واجتماعية متنوعة، ونقل نتاج تفاعلهم الفكري مع هذه الثقافات إلى القراء بالكويت.
 
أما الاعتبار الثالث، فكان ظهور هذا النَصّ، بعد شهور قليلة من ظهور ركن جديد بالمجلة، هو ركن المرأة، الذي يَسَّر انخراط عدد من الفتيات الكويتيات المستنيرات في مجال الكتابة والتعبير عن قضايا المرأة.
في هذا النَصّ تتطرق كاتبتُه، التي استخدمت توقيعاً رمزياً، هو "أم عمر"، إلى مقارنة بين الثقافتين المحليَّتَين، الكويتية والمصرية، فيما يتعلق بالفوارق بين أنماط الحجاب في البلدين، لتخرج من خلال مشاهداتها الشخصية بما عبَّرَت عنه بقولها: "ويختلف الحجاب المصري عن الحجاب الكويتي؛ فالحجاب الكويتي هو عبارة عن العباية، أما الحجاب المصري فمتعددةٌ أنواعه، فمنه: (1) البُردة (2) الملاية اللَّف (3) الشُقريّة (4) المَلَس (5) اليَشمَك: 1- البُردة عبارة عن قطعة من القماش الأسود أو الأحمر، وهي مصنوعة من الصوف أو القطن، سميكة ثقيلة. وتُلبَس البُردة مثل العباية تقريباً، وتتدلى من على الرأس حتى أخمص القدم، ولقد انقرضت تقريباً، واستُعمِل بدلها القميص الفضفاض ذو الأكمام الطويلة المفتوحة، وغالباً ما يكون طويلاً جداً ويتدلى على الأرض، وتُلبَس الطرحة فوق الرأس، وهي من الحرير، حيث تُعصَب بالرأس. 2- الملاية اللّفّ: وهي كثيرة جداً، وخصوصاً في أحياء القاهرة والإسكندرية القديمة، وكذلك في عواصم البلاد، وهي غالباً مصنوعة من الحرير أو القطن أو الاثنين معاً، حسب حالة صاحبتها المادية، وتُلبَس بأن تُلَفّ صاحبتها لفّاً بها، وتوضع على الرأس وتتدلى إلى القدم، ......، ويوضَع على الوجه البرقع والقصبة أو "البيشة". 3- الشُقريّة: وهي مثل زميلتها الملاية اللف، غير أنها من القماش اللَّمّاع، يُستَعمَل بوضعه على الرأس، ويتدلى إلى أخمص القدم. 4- المَلَس: وهي قطعة من القماش الأسود، مصنوعة من الحرير أو القطن أو الاثنين معاً، ويُلبَس أعلى الرأس حتى القدم، وله فتحتان عند اليد، وهو فضفاض. 5- اليَشمَك: أما اليشمك، فهذا الحجاب ارتَدَته المصرية عن أختها التركية، وهو يغطي الوجه والرأس، وهو مصنوع من القماش الحرير الثمين، ولونه غالباً أبيض، ويُعصَب على الرأس ويتدلى على الكتف. هذه هي أنواع الحجاب تقريباً التي كانت بمصر، والتي لا زالت حتى عصرنا هذا، ولكنها بنسبة ضئيلة، ولكل إقليمٍ بمصر حجاب خاص، ويُطلَق عليه اسمٌ له...".
 
ومن أهم الملحوظات التي نتوقف عند دلالاتها في النَصّ السابق: أولاً أن الكاتبة أشارت إلى هذه الأنماط الخمسة من الأزياء النسائية باعتبارها (حجاباً)؛ وهو ما يختلف تماماً عن المفهوم الاصطلاحي الشائع حالياً، والذي يحصُر الحجاب في غطاء نسائي للرأس بمواصفات معينة. الملحوظة الثانية، هي وعي الكاتبة بالفوارق الثقافية المحلية، القائمة بين المجتمعات العربية، والتي تؤثر على أنماط الملابس وطُرُزِها، حتى المُدرَجة منها تحت تصنيفٍ عام واحد؛ وهو ما ظهر من تفريقها في بداية النَصّ بين (الحجاب الكويتي)، باعتبارِه "العباية"، و(الحجاب المصري)، الأكثر تنَوُّعاً وتعقيداً، بتأثير التنوع الإقليمي الخصب لأنماط الثياب في أرجاء مصر آنذاك.
أما الملحوظة الثالثة، فتتمثل في أن الكاتبة تحدثت عن شيوع هذه الأنماط الخمسة بين نساء مصر على إطلاقِهِن، غير مفرقةٍ بين أتباع ديانة وأخرى، مِمّن كُنّ يُمَثِّلن مختلف طوائف المجتمع المصري خلال تلك الفترة.
وتقودنا هذه الملحوظة الثالثة – تحديداً – إلى محاولة فهم التنوع الاجتماعي والثقافي، للمجتمع المصري فيما قبل خمسينيات القرن العشرين، والذي استوحى منه "لورانس داريل"، وغيره من الكتاب والفنانين، صياغات فنية وأدبية مختلفة، ظهر من خلالها توافُق النمط المظهري لنساء المجتمعات الشرقية، من مختلف الديانات والعقائد – آنذاك - في طُرُز ملابس مشتركة، لا تكاد تختلف إلا في تفاصيل طفيفة.
في هذا السياق، تمدنا الأعمال الفنية والمطبوعات، الصادرة خلال تلك الفترة وما قبلها، بنماذج مهمة، تُبَيِّن شيوع هذه الأنماط من الثياب بين أغلب نساء مصر في القرن التاسع عشر. ومن أهم هذه النماذج؛ صفحتين مطبوعتين ضِمن مجلة "أخبار لندن المصورة" The Illustrated London News، وهي أول مجلة إخبارية أسبوعية تصدرُ مصحوبةً بالرسوم التوضيحية في العالم، صدر العدد الأول منها في 14 مايو 1842.
نُشِرَت أولى هاتين الصفحتين في عدد الأسبوع الثامن عشر، لعام 1882 للمجلة، متضَمِّنةً طبعَتَين فنيتين، منفذتين بتقنية الحفر على الخشب عرضي المقطع، من أعمال الرسام التوضيحي والحفار الفرنسي "جورج مونتبارد" George Montbard (1841 – 1905)، صور فيهما وجهَي امرأتين من يهود مصر في ذلك الزمن، إحداهما شابة والثانية عجوز، وقد ارتَدت كلٌّ منهما نمطاً من أنماط الحجاب الشرقي (شكل رقم 1). أما الصفحة الثانية، فنُشِرَت في عددٍ صادر بتاريخ 15 يوليو 1882، وقد تضَمَّنَت مجموعة من اللقطات المُجَمَّعة، تُوَثِّق أنماط الأزياء الشائعة لدى نساء أقباط مصر من مختلف الشرائح الاجتماعية آنئذٍ (شكل رقم 2).
 
ويتضح من هذين المثالين، أن الغالب على معظم نساء مصر خلال القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الثلث الأول من القرن العشرين، هو ارتداء تلك التنويعات من أنماط الملابس، التي شاع فيها وجود أغطية الرأس والوجه، بصرف النظر عن الانتماء العقائدي أو الطبقي. ويتوافق هذا، من جانب، مع ما هو مرصود تاريخياً، حول طُرُز الملابس السائدة في مصر، خلال الفترة المذكورة، ومع ما وثقه المؤرخون حول ما عُرِف بقضية "السُفور والحجاب" في مصر، والتي ابتدأت مع مطلع القرن العشرين، مقترنة بجهود أنصار تحرير المرأة، ومختلطة بظهور مفهوم القومية المصرية – في مقابل القومية العثمانية – وبسياق قضية الاستقلال والتحرر من الاستعمار. ومن جانبٍ آخر، يتبيَّن من هذه النماذج الفنية، أن المعالجات الأدبية، التي صاغها أمثال "داريل"، وكذا الكتابات الراصدة لمظاهر التنوع الثقافي، كانت تعتمد على شواهد حقيقية في المجتمع المصري حينئذٍ.
 
 
 
شكل رقم 1 
 
 
 
 
 
شكل رقم 2
 
 
 غير أن الأعمال الأدبية والتشكيلية، لم تتوقف فقط عند حدود استلهام الأنماط الشرقية من أغطية الرؤوس النسائية – كما رأينا لدى "داريل" و"مونتبارد" – بل اتسع نطاقُها، لتستلهم أنماطاً شبيهة، شهِدَت رواجاً بين طُرُز الملابس النسائية المختلفة، على امتداد تاريخ الثقافة الغربية؛ وهو ما كان سبباً في ظهور بعض الأعمال الفنية البديعة، التي أنتجها بعض مشاهير فناني الغرب.
 ومن أوائل هذه الأعمال، التي يعود تاريخ إنتاجها للثلث الأول من القرن الخامس عشر، لوحة من أعمال المصور الفلمنكي الشهير "روبرت كامبين" Robert Campin (1375 – 1444)، المعروف باسم "أستاذ فليمال" Master of Flémalle. واللوحة مرسومة بالألوان الزيتية على الخشب، وتمثل صورةً شخصية (بورتريه) لسيدة ترتدي غطاء رأسٍ، يبدو تطابُق تصميمه مع الأنماط الشرقية السابق ذِكرها. واللوحة حالياً من مقتنيات "الصالة الوطنية" للفنون بلندن (شكل رقم 3). 
 


شكل رقم 3
 
 
ثم تأتي إحدى أشهر لوحات مُصور عصر النهضة البديع، وأحد أقطابها الثلاثة، "رافاييل" Raffaello Sanzio (1483 – 1520)، وهي لوحة رسمها قبل وفاته بسنوات قلائل، حوالي عام 1515. وتُعرَف هذه اللوحة باسم "السيدة المُتَّشِحة" La donna velata أو "ذات الوشاح" La velata، وهي حالياً من مقتنيات "صالة بالاتين" Palatine Gallery، داخل "قصر بيتّي" Palazzo Pitti، بمدينة "فلورنسا" (شكل رقم 4).
 


شكل رقم 4
 ومن القرن الثامن عشر، نتوقف عند النحات الإيطالي "جيوفاني باتيستا لومباردي" Giovanni Battista Lombardi (1823 – 1880)، لنتأمل بعض أعماله التي استوحَت أشكال الغُلالات الشفافة لأغطية الوجوه، الرائجة بين نساء إيطاليا آنذاك؛ ومن أشهر أعماله في هذا السياق، تمثال نفذه عام 1869، وهو حالياً من مقتنيات متحف "متروبوليتان" بالولايات المتحدة الأمريكية، وتُسَجِّله بيانات الموقع الرسمي للمتحف باسم "المرأة المُقَنَّعة" أو "المحجبة" The Veiled Woman (شكل رقم 5).
 
 
شكل رقم 5
 
 
وبنهاية القرن التاسع عشر، نطالع عملاً من أعمال الفنان الروسي الشهير "فاسيلي فيرشتشاجين" (1842 – 1904)، بعنوان "متسولة في التاسعة والستين من عُمرِها"، رسمها عام 1891، وهي محفوظة حالياً بمتحف مدينة "سان بطرسبرج". ويوثق "فيرشتشاجين" في هذه اللوحة انتشار نمطٍ مشابه من أغطية الرؤوس النسائية، لا يزال منتشراً في العديد من مناطق روسيا ومدنها وقراها حتى الآن (شكل رقم 6).
 


شكل رقم 6
 
ومن بواكير القرن العشرين، يأتينا أحد أشهر أعمال المصور الإنجليزي "جون ويليام جودوارد" John William Godward (1861 – 1922)، الذي تخصص في رسم موضوعات مستلهَمة من أجواء الحضارتين اليونانية والرومانية. واللوحة مُعَنوَنة باسم "ليسينا" Lycinna، وهو اسم للشخصية النسائية البادية فيها، مرتديةً غطاء رأسٍ على عادة الكثير من سيدات المجتمع الروماني القديم (شكل رقم 7).
 
 
شكل رقم 7

وبالطبع لم يَخلُ تاريخ الفن المصري من النماذج المهمة، التي ظهرت بها شخصيات نسائية مُتَّشِحة بتنويعات مختلفة من أغطية الرؤوس، لتطرح دلالات اجتماعية وتاريخية متعددة. وربما يكون نحات مصر الأشهر "محمود مختار"، أبرز مَن تَجَلَّت في أعمالهم تلك التنويعات من أغطية الرؤوس النسائية الشرقية، التي برع في توظيفها، سواء على المستوى الجمالي، وعلى مستوى الدلالة الرمزية، المرتبطة بسياقات وطنية، ترجمت نضال الأمة المصرية في مطلع القرن العشرين. 
 وأشهر أعمال "مختار" في هذا السياق، تمثاله الخالد "نهضة مصر"، الذي رمز فيه إلى مفهوم الصحوة القومية، من خلال كشف الفلاحة المصرية عن وجهها، متطلعةً نحو أفق النهضة. وعلى العكس من ذلك، كان التشبث بغطاء الرأس، ومعه أطراف الثوب السابغ، في تمثال "الخماسين"، وسيلةً دفاعية رمزية، عكسَت مقاومة الأمة المصرية لعواصف الظروف العاتية التي مرّت بها البلاد آنئذٍ. كذلك ظهر تعبير "مختار" عن بعض تجليات التكوين العاطفي للأنثى الشرقية، من خلال استخدامه لأغطية الرؤوس بذكاء؛ حين كان يعمد إلى دمج حركات إخفاء الوجوه ضِمن التصميم الحركي لبعض تماثيله، معالجاً من خلالها أفكاراً من قبيل: اللقاء الأول للحبيب، والخَفَر النسائي (شكل رقم 8). 
 


شكل رقم 8، محمود مختار، تفصيلية من تمثال عند لقاء الرجل، 1929
 
هكذا كانت الهوية المَظهَريّة للمرأة، على امتداد حِقَبٍ عديدة من تاريخ العالم، مجالاً خصباً للإفصاح عن حوار التعَدُّدِيّة الثقافية، ومصدراً ثَرّاً للإلهام الفني والأدبي. 

(3 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع