أفكار

"الوسامة" تحمي المملكة..

جنود الهوارانج.. وسامة وشجاعة

امتدت فترة الممالك الثلاث شيلا، بيكجي، كوجوريو- والمعروفة أيضا باسم (كوريو) التى اشتق منها اسم كوريا لاحقا- من (578 م إلى 660 م). وامتدت هذه الممالك إلى منشوريا التى أصبحت (روسيا) و(الصين) بعد ذلك. ويعد عصر مملكة (شيلا) أحد أطول وأعرق العصور على مر التاريخ، وفيه بدأت فكرة استخدام الجمال والوسامة لخدمة الملوك وحماية ممالكهم!
 
ويحكى أن فى عصر الملك ( جينهونغ) أحد ملوك (شيلا)، أرادت المملكة تعزيز مكانتها أمام الممالك الأخرى، فقرر المسئولون اختيار أفراد من الشعب لديهم الموهبة والقدرة لتمثيل المملكة بصورة رسمية فى الخارج. وتم الإعلان عن الأمر، فتقدم كثيرون، وبعد اختبارات متنوعة، وقع الاختيار على فتاتين من أكثر الفتيات جمالا وموهبة وثقافة وهما( جون جونغ ) و( ناممو)، وأطلق عليها اسم (ونهوا) ويعنى ( الزهرة الأصل) لجمالهما. فى البداية، قامت الفتاتان بمهمتهما على أكمل وجه كفريق، ثم انقلب الوضع وتحول إلى منافسة شديدة بينهما، فكل واحدة تريد التفوق على الأخرى.. ثم تطور الأمر إلى غيرة قاتلة عندما عزمت (جون جونغ) على التخلص من رفيقتها (ناممو) وقامت بقتلها بالفعل لتخلو لها الساحة، ولكن تم اكتشاف الحقيقة، وتم الحكم على (جون جونغ) بعقوبة الإعدام. 
 

ورغم شيوع هذه القصة، إلا إنه لا يوجد دليل مؤكد على حدوثها بالفعل فى تلك الحقبة، ومن جهة أخرى، اعتبرها بعض المؤرخين مجرد أسطورة تناقلتها الأجيال كعبرة ودرس للجميع عما تفعله الغيرة بصاحبها؛ فمهما ازدادت نفوذك ومواهبك، فلن يردعك شيء عن القيام بجريمة لو تمكنت منك الغيرة.. 
 
وسواء حدثت قصة الفتاتين( جون جونغ ونام مو) أو كانت مجرد أسطورة، فهناك قصة مشابهة حدثت بالفعل فى عهد الملك (جينهونغ) ولكن باستبدال الفتيات الجميلات بشباب يتمتعون بقدر عال من الوسامة من أجل إعدادهم لحماية المملكة، فقد قام الملك باختيار أجمل الشباب وأكثرهم موهبة من العائلات النبيلة ليحظى بدعم عائلاتهم ونفوذهم، وأطلق عليهم مسمى الـ ( هوارانج)، وهى كلمة تعنى (فرسان الزهور) وذلك لجمالهم واهتمامهم بإظهار وسامتهم باستخدامهم للحلى وأدوات التجميل والإكسسوارات اللامعة وارتداء الملابس ذات الألوان الزاهية. تم تدريب الـ(هوارانج) على مختلف الفنون القتالية وخاصة الاشتباك بالأيدى حتى صارت لهم طريقة خاصة للقتال عرفت فيما بعد ب (هوارانج دو) وتعنى (تقنية الهوارانج فى القتال). كانت التدريبات تتم فى الطبيعة لمواجهة جميع الظروف الطبيعية التى يمكن أن تواجههم، فتلقوا التدريبات فوق الجبال وفى الأنهار والشلالات، وتحت كل الظروف والعوامل الجوية. 
 
وإلى جانب التدريبات القتالية ومقدرتهم الفائقة فى القتال، فقد تلقى ال(هورانج) تدريبات خاصة على يد الرهبان جنبا إلى جنب مع تقنيات القتال، فتشربوا قيم ومبادئ (البوذية) و(الكنفوشوسية) . وذاع صيت الفتيان الوسيمين فى كل مكان، وعرفوا بأنهم جنود ال(هوارانج) رمزالبسالة والقوة المطلقة فى أرض المعركة.
 

جنود الهوارانج.. شهامة وشجاعة
وبالرغم من أن مصطلح (هوارانج) لغويا قد يعطى انطباعا بأنهم ليسوا أكثر من مجرد شباب جميلى المظهر إلا أن التاريخ يحكى قصصا تثبت بسالتهم وإخلاصهم وفروسيتهم على مر العصور. ومن أشهر قصص (الهوارانج) التى أوضحت مدى الترابط بين أفراد الجنود، ذلك الترابط الذى لا يقل درجة عن الترابط الأسري، قصة الهوارانج الشاب ( بى نيونغ جا). ففى أحد المعارك الانتحارية التى خاضتها (شيلا) ضد قوة كبيرة من (الصين)، أمر الجنرال (كيم) هذا الشاب بقيادة المعركة فأجاب (بى نيونغ جا):" لقد منحتنى شرفا كبيرا لإظهار ولائى للملك والمملكة ". ثم طلب من (كيم) أن يعتنى بابنه الوحيد ويمنعه من اللحاق به إلى المعركة، حتى يتبقى من يخلد اسمه من بعده.
 
 وبالفعل وعده (كيم) بذلك. ودارت المعركة وقتل (بى نيونغ جا) فيها، فأصر ابنه على الانتقام، وامتطى حصانه ولحق بالمعركة حتى قتل هو الآخر.. وهنا قرر شباب الهوارنج الانتقام لعائلة (بي) وشنوا هجوما كبيرا على العدو، وتم التغلب على القوات الصينية.
ومن أشهر قصص (الهوارانج) أيضا، والتى تدل على شهامة الجنود وإخلاصهم لبعضهم بعضا، قصة الهوارانج (ساداهام) الذى بالرغم من أنه كان يبلغ وقتها خمسة عشر عاما، إلا أنه كان قائد الجيش فى الهجوم الأول فى أحد المعارك الطاحنة فى عهد الملك ( جينهونغ)، وأظهر قوة كبيرة وبسالة عظيمة عندما اقتحم حصون العدو. وبعد انتهاء المعركة قام الملك بمكافأته فأهداه ثلاثمائة من العبيد من جنود الجيش المهزوم، لكن (ساداهام) منحهم حريتهم ورفض أى مكافأة على أعماله فى خدمة الملك. وعندما علم (ساداهام) بأمر مقتل صديق طفولته فى نفس المعركة، تملكه الحزن الشديد وأصيب بالاكتئاب، فلقد كانا مقربين لدرجة أنهما تعاهدا على الموت معا أو الانتحار إن قتل أحدهما. أضرب (ساداهام) عن تناول الطعام والشراب إلى أن تم العثور عليه ميتا بعد سبعة أيام.
 


وكذلك قصة الهوارانج (ون سول)، يُحكى أن بعد عودة (ون سول) مهزوما فى أحد المعارك ضد الصين، طلب والده من الملك (مون مو) أمرا بإعدام ابنه لما جلبه من عار بهزيمته، لكن الملك رفض طلبه ذلك، فالشاب لم يكن قائد الجيش وبالتالى ليس مسئولا عن الهزيمة. ولكن وعلى الرغم من ذلك، قام الوالد بنفى ابنه (ون سول) ليعيش كراهب فى الجبل. بعد سنوات توفى الوالد، فوجدها (ون سول) فرصة ليعود من منفاه، ولكنه فوجئ بأمه ترفض كسر أوامر والده الراحل، ورفضت عودته. وبعد سنوات، عندما انتشر أمر الهجوم الوشيك للصين على المملكة، أسرع (ون سول) إلى الملك (مون مو) يطلب منه الإذن بالانضمام للمعركة، فوافق الملك، وحارب (ون سول) إلى صفوف الهوارانج، وأظهر شجاعة فائقة وحقق فوزا باهرا وقتها.. وعندما أراد الملك مكافأته، رفض (ون سول) معتبرا أنه سبب لعائلته العار بهزيمته السابقة، وعاد إلى حياة الجبل مرة أخرى ليعيش كراهب حتى الممات. 
 
الانقلابات وحياة الهوارانج السرية
ظل نظام جنود الهوارنج معمولا به فى مملكة "كوريو" حتى قام الهوارانج (سونغ غاى لي) بالانقلاب على ملك (كوريو) وإنشاء حقبة (لي) أو ما عرفت بعد ذلك بحقبة (تشوسون).. وعندما تولى ابنه (تى جونغ) أمور الحكم، أراد تأمين نفسه، فقام باستدعاء كل الجنرالات الهوارانج، ثم أمرهم بتسليمه كل جنودهم. وهكذا سيطر على جنود الهوارانج كخطوة أولى لإنهاء نظام الهوارانج، خوفا من أن يقوم أحدهم بالانقلاب عليه فيما بعد كما فعل والده مع ملك (كوريو). وهكذا انتهى نظام جنود الهوارانج، وأصبح من المحظور الحديث عنهم ، وظل الأمر هكذا لأكثر من 600 عاما، حتى اختفت تماما تقنية الـ(هوارنج دو)فى الحرب والحياة من المجتمع.



لكن، فى الخفاء، تناقل الرهبان تقنيات الهوارانج من راهب لآخر ومن جيل إلى آخر بطريقة سرية للحفاط على هذا الإرث. حتى وصلت للراهب (سواهم دوسا) الذى كان يعيش فى المنطقة الشمالية من كوريا، وفى عام 1942 ذهب رجل يطلب من الراهب نقل إرث الهوارانج لولديه (جو بانغ لي) و(جو سانغ لي) وبالفعل وافق الراهب على ذلك وتم الأمر سرا. وفى عام 1945 حصلت كوريا على استقلالها من سيطرة اليابان، وانقسمت إلى الكوريتين الشمالية والجنوبية، وقتها تمكن (سواهم دوسا) وعائلة (لي) من الهرب من الشمال إلى الجنوب والاستقرار هناك.. وقام الأخوان (لي) بإنهاء المسيرة السرية للـ(هورانج دو) التى امتدت لمئات الأعوام، وبدءا بنقلها للعامة حيث أنشأ مدرسة لتعليم الهوارانج دو وقاما بوضع منهج كامل لها، وقسما المهارات إلى مجموعات مختلفة كما تعلما من الراهب. فى عام 1969 مات الراهب (سواهم دوسا) بعد أن أعطى لقب الهوارانج لـ(جو بانغ لي)، الذى سجل ذلك الإرث رسميا، وأصبح نظاما معترفا به حكوميا. أما (جو سانغ لي) فقد ترك كوريا وذهب إلى أمريكا وأنشأ مدرسة لتعليم (الهوارانج دو)، وهكذا أصبحت تقنية "الهوارانج دو" أكثر شهرة وعالمية، وظهر تأثيرها بصورة كبيرة على العديد من الفنون القتالية الأخرى مثل الساموراى اليابانى والتيكواندو الكوري.
 
من أحد الطرائف التاريخية، أنه بعد انتهاء حقبة (الهوارانج)، أصبح الناس يستخدمون الكلمة لوصف الشباب العاملين بالدعارة وغيرها، ولكن فى العصر الحديث عاد استخدام الكلمة بصورة أفضل وتمت تسمية مراكز تعليمية مختلفة وجامعات باسم (الهوارانج) تكريما للجنود الذين لعبوا دورا كبيرا فى تاريخ كوريا وتخليدا لهذا الإرث. بل إن كوريا الجنوبية التى أصبحت معروفة عالميا بمسلسلاتها الدرامية الناجحة، تناولت قصة (الهوارانج) فى عدة أعمال درامية، ومنها مسلسل يحمل نفس الاسم (هوارانج) وإن كانت أحداثه من نسج الخيال، إلا أنه يوضح كيف كان شباب الهوارانج يجمعون بين الوسامة والبسالة والشهامة والقوة.

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع