أفكار

أسسها محمود صدقي باشا عام 1934

جمعية "مصايف أطفال"مصر

من بين تقاليع الصيف التي عرفتها مصر في بدايات عهدهها بالمصايف، وتحديدا في النصف الأول من القرن العشرين، كان ما عرف بـ"مصايف الأطفال"، التي وجدت طريقها إلى أرض الواقع عام 1934، بعد أن تأسست جمعية بهذا الاسم لرعاية هذا النوع الجديد من المصايف.
 
كان بداية التفكير في إنشاء "مصايف الأطفال" قبل ذلك بأربع سنوات (عام 1930)، على يد "محمود صدقي" باشا، الذي كان يشغل منصب محافظ العاصمة آنذاك، حيث عرض الأمر على رئيس الوزراء، وقتها، إسماعيل صدقي باشا، الذي عرضها بدوره على الملك فؤاد، فرحب بها وشجع على تنفيذها.
 
وفي عام 1932 تم تأليف "جمعية مصايف الأطفال" من بعض أعيان القطر لوضع الفكرة موضع التنفيذ، وذلك حسبما أشار تقرير لاحق لمجلة "المصور" بتاريخ 22 مايو 1938 بعنوان "مصايف الأطفال في خمس سنوات"، ولكن الجمعية لم تبدأ الدعوة إلى الاكتتاب العام إلا سنة 1934، حيث وجهتها إلى رؤساء الوزارات والوزراء وكبار رجال السراي والسفراء والقناصل ووكلاء الوزارات وكبار الموظفين ومديري الشركات والبنوك والأعيان.
 
نجاح المشروع:
في البداية كان النجاح من نصيب "مصايف الأطفال" التي جاءت في وقت لم تكن فيه "المصايف"، بشكلها الحديث، معروفة أو شائعة بعد لدى عموم الأسر المصرية في كل أنحاء القطر. وأرسلت مجالس المديريات ووزارة المعارف العمومية وإدارات الملاجئ تلاميذها إلي هذه المصايف، وكانت تدفع نفقات اصطيافهم 165 قرشا للطفل الواحد، وذلك لمدة شهر.
 
وأقامت الجمعية ثلاثة مصايف كبيرة في سيدي بشر بالإسكندرية وبورسعيد ورأس البر، وكان الأطفال يذهبون إلى كل منها في البداية دفعة واحدة من منتصف يوليو إلى منتصف أغسطس، ثم قررت الجمعية فيما بعد إيفاد الأطفال على دفعتين: الأولى من منتصف يونيو إلى منتصف يوليو، والثانية من منتصف يوليو إلى منتصف أغسطس.
ولم تبخل مؤسسات الدولة بدعم الفكرة التي هدفت إلى إسعاد الأطفال المصريين، حيث قبلت مصلحة السكك الحديدية طلب الجمعية أن تنقل الأطفال مجانا إلى مصايفهم وتعيدهم إلى بلادهم مجانا أيضا، وهو ما ساعد على إيفاد الأطفال من جميع مديريات القطر في الوجهين البحري والقبلي إلى المصايف، كما قررت "وزارة المعارف" دفع إعانة سنوية 500 جنيه سنويا فضلا عن أنها عهدت إلى أطبائها المرور بالمصايف للتحقق من سلامة الأطفال وراحتهم.
 
وتُقدم "المصور" وصفا لـ"مصايف الأطفال" تلك، مشيرة إلى أنها "تامة النظافة مزودة بالنور الكهربائي والمياه المقطرة، كما أُدخلت فيها وسائل البهجة والسرور للأطفال الذي كان يبلغ عددهم كل عام نحو 3000 طفل، فكان بكل مصيف فرقة للموسيقى، وخصصت ثلاثة أيام من الأسبوع يذهب فيها الأطفال إلى السينما في الإسكندرية ويومان في بورسعيد. وفوق ذلك فإن الجمعية اتفقت مع وزارة المعارف و"استديو مصر" على التقاط الأشرطة السينمائية التي تسجل سفر الأطفال وإيابهم وألعابهم وحفلاتهم السنوية، وزيارات العظماء لهم، وكانت تعرض عليهم هذه الأشرطة فتدخل على قلوبهم السرور".



الأغنياء ينسحبون..
غير أن الرياح سرعان ما أتت بما لا يشتهى الأطفال المصريون الذين كانت أعداد أكبر منهم بلاشك تتطلع وقتها لرؤية هذا "العالم الجديد" (المصايف والمصيفين)، فبعد أن تم إحالة محمود صدقي باشا، محافظ العاصمة ورئيس الجمعية، إلى المعاش من منصبة كمحافظ، ظل حال المصايف على ما هو عليه في العام الأول فقط، وجاء العام الثاني، و"إذا بالأغنياء يكادون يتخلون عن المساعدة، وإذا بالتبرعات تكاد تنعدم بعد أن كانت هي العمود الفقري لمصايف الأطفال".
 
وتشير "المصور" إلى أن "مختار حجازي" باشا الذي تولى منصب محافظ العاصمة، خلفا لمحمود صدقي باشا، فكر في طريقتين لضمان الحياة لـ"مصايف الأطفال": الأولى أن تزيد وزارة المعارف مقدار إعانتها أو تضم المصايف إليها، كناحية من نواحي الرحلات المدرسية. والطريقة الثانية أن تسهم وزارة الداخلية مساهمة كبيرة تنقذ سمعة البلاد من فشل مصايف الأطفال".
 
وكان أن رفضت وزارة المعارف زيادة مقدار الإعانة التي تدفعها، أما وزارة الداخلية، ورغم إشارة المجلة لما مارسته من "تسويف وتسويف"، إلا أن جهود مختار حجازي باشا أدت إلى أن منحت الوزارة في النهاية جمعية المصايف نحو 2500 جنيه، ومع ذلك لم يذهب من الأطفال إلى المصايف في عام 1937 إلا حوالي 200 طفل فقط.
 
عودة لـ"الترعة"..
ومع تولى "عبد السلام الشاذلي" باشا، محافظة العاصمة عام 1938، ورئاسة جمعية مصايف الأطفال، بدأت فكرة "مصايف الأطفال" تدخل إلى حيز التجميد، حيث إن سعادته، كما أشار التقرير الذي نشرته مجلة "المصور"، كان له رأي في مسألة المصايف، وهو "أنه يفضل إنفاق إعانتها في إنشاء الملاجئ وإيواء المتشردين والمتسكعين، وتطهير شوارع العاصمة من الطفولة المشردة وجيش المتسولين، ونستطيع أن نقول إن سعادة الشاذلي باشا يفكر في إلغاء مصايف الأطفال، أو على الأقل في إرجائها لأجل غير مسمى".
 
وهكذا تنحت جانبا وقتها فكرة "مصايف الأطفال" التي ربما واكبت أو حتى سبقت فكرة "معسكرات الأطفال" الصيفية التي يتم تنظيمها في دول أوروبا والغرب حتى الآن، وإن كان الأطفال المصريون، حينها وبعدها، لم يعجزوا عن إيجاد مصايفهم الخاصة بالطبع، في "الترع" المنتشرة بطول وعرض مصر، بالنسبة للريف، أو في "نافورات الميادين" كما رأينا حديثا في المدن.

(51 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع