أفكار

مقدمات 9 مارس.. ذكرى ثورة شعب مصر عام 1919..

ثورة الرديف

لثورة شعب مصر 1919 مقدمات عديدة، فحينما نشبت الحرب العالمية الأولى فى أوروبا عام 1914، انضمت تركيا إلى أعداء إنجلترا، فانتهزت إنجلترا تلك الفرصة، وخلعت الخديو عباس حلمى الثاني، الذى كان خارج القطر وأعلنت انفصال مصر عن تركيا، وبسطت حمايتها عليها. وقد قاسى المصريون فى ظل الحماية ألوانا من الاضطهاد والعسف طوال مدة الحرب، إذ أعلنت الأحكام العرفية وعطلت الجمعية التشريعية، وتم اعتقال كثير من الوطنيين الذين عرفوا بميولهم نحو تركيا والخديو، وجعلت السلطة العسكرية البريطانية مصر مركزا لتموين الجيوش البريطانية، فكانت تنتزع المحاصيل والمواشى من الفلاح بأبخس الأسعار، كما حشدت أكثر من مليون عامل مصري، وأرسلت بهم إلى ميادين القتال فى فلسطين والعراق. إلا أن الحدث الأعظم الذى قدم لثورة 1919 قبلها بسنوات، لم يتحدث عنه كثيرون، ولم يلق حتى اليوم الكفاية والعناية الكافية لدراسته سواء من الباحثين أو الإعلام، كان مذبحة "ثورة الرديف" فى يوم 29 يناير عام 1916.



بناء على ما تقدم أصبحت مصر عام 1916 وكل مواردها وثرواتها من الرجال والمحاصيل والصناعات تُمنح فى سهولة ويسر إلى قوات الاحتلال لخدمة جنودها فى سيناء والعراق وفلسطين والدردنيل وفرنسا، خلال الحرب العالمية الأولى. وفى 16 يناير عام 1916 (20 يناير فى رواية "الرافعي") أصدر "إسماعيل سرى باشا" وزير الحربية بناء على ترخيص من مجلس الوزراء قرارا بطلب جميع الرجال الموجودين بالاحتياط (الرديف) ما عدا المستخدمين منهم بمصالح الحكومة، استجابة لطلب قائد الجيش البريطاني.
 
ويعلق "عبد الرحمن الرافعي" على ذلك القرار قائلا: "كان الظاهر من مذكرة وزير الحربية إلى مجلس الوزراء بشأن قراره أن الباعث هو الاستجابة لطلب قائد الجيش البريطانى بمصر، إذ كان هذا الجيش يعمل فى تنظيم فروع التشهيلات اللازمة للدفاع عن قنال السويس، وأن تنظيم هذه التشهيلات تجعله فى حاجة إلى طائفة من العمال المتعودين على النظام العسكري، كالذين يمكن الحصول عليهم من أفراد رديف الجيش".



وتتعدد الروايات حول ذلك الحدث، فيذكر "حمدى لطفي" فى كتابه عن ثورة يوليو أن العدد كان كبيرا، وقد وصل إلى اثنى عشر ألفا من الرجال، جندتهم من أنحاء البلاد وعوملوا أسوأ معاملة وكان الغذاء يقدم لهم مرة كل أسبوع فاسدا أو قليلا.
ولم يجد هؤلاء الرديف أمامهم سوى التظاهر والاحتجاج على ما يحدث لهم، فقرروا التجمع فى أول مظاهرة احتجاجية لهم أمام قصر عابدين، قادمين من معسكراتهم فى عين شمس، وجاء إليهم رئيس الوزراء ووعدهم بالاستجابة إلى مطالبهم. لكنهم وجدوا أنه كان وعدا كبقية وعود تلك الفترة من حكم مصر. ولذلك عاد الجنود مرة أخرى أكثر ثورة واحتجاجا وأكثر التحاما إلى ميدان عابدين، فصدرت الأوامر بإطلاق الرصاص عليهم، وسقط عشرات منهم شهداء فى ساحة الميدان، وتفرق عدد كبير منهم بالإرهاب، وقبض على بعضهم.
 
ولسنوات كان هذا الحدث الجلل حديثا للجماهير فى المدن والقرى، وكانت هى الأرضية الجماهيرية التى أطلقت بعد ثلاث سنوات ثورة شعب مصر الوطنية فى 9 مارس عام 1919. فلما وضعت الحرب أوزارها، وأعلن "ولسن" رئيس الولايات المتحدة الأمريكية حق الشعوب فى تقرير مصيرها، تقدم ثلاثة من عظماء المصريين، وهم "سعد زغلول وعلى شعراوى وعبد العزيز فهمي" إلى مندوب بريطانيا فى مصر فى 13 نوفمير عام 1918 مطالبين بالسفر لعرض أمل الأمة فى الاستقلال على مؤتمر الصلح، فرفض طلبهم. وحينما ألف سعد الوفد المصرى وأخذ يغذى الحركة الوطنية بخطبه، قبضت عليه السلطة البريطانية ونفته مع ثلاثة من زملائه إلى مالطة، فكان هذا الحدث نذيرا باندلاع نار الثورة التى شهدتها البلاد بطولها وعرضها فى نفس الوقت دون تدبير.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع