أفكار

أحمد باشا كمال أغلق الطريق أمام الإنجليز..

تأسيس المدرسة الوطنية لعلم المصريات


 كثيراً ما تغفل المؤلفات عند البحث في تاريخ علم المصريات، أي إسهامات مصرية في تأسيس هذا العلم، على الرغم من أن المصادر المختلفة من أوراق رسمية ومؤرخين معاصرين وجغرافيين ورحالة، ذكروا ما يفيد بأن المصريين لهم بعض المساهمات في تأسيسه، فامتلأت كشوف البعثات الأثرية الاستكشافية بين طياتها بأسماء مصرية، فضلا عن عدد لا بأس به من الموظفين المتخصصين الذين عملوا في مجال إدارة المتاحف منذ السنوات الأولى التي عرفت فيها مصر هذا المجال، ومنهم  أحمد كمال.

ولد  كمال" بالقاهرة عام 1851 لأب من أصول كريتية كان يعمل في خدمة "محمد علي باشا". تعلم بمدرسة المبتديان ثم المدرسة التجهيزية، وأتاح له تفوقه في اللغة الفرنسية فرصة الالتحاق بمدرسة اللسان المصري القديم. وأقبل "كمال" على دراسة المصريات بشغف كبير، وعلى الرغم من تفوق عدد لا بأس به من المصريين بالمدرسة إلا أن عالم الآثار الفرنسي "أوجست مارييت"رفض تعيين طلابها بمصلحة الآثار، مما دفع "كمال" إلى العمل مدرسا للغة الألمانية بإحدى المدارس، ثم مترجما لنظارة المعارف، ثم بمصلحة البريد، ومصلحة الجمارك.
ولما بلغ الثلاثين من عمره استطاع الالتحاق بمصلحة الآثار بتزكية من "رياض باشا" رئيس النظار، فشغل وظيفة سكرتير مترجم بمتحف بولاق. وبعد ذلك بشهور قليلة، قام "كمال" بمساعدة عالم المصريات الألماني "إميل بروجش" في تنظيف التوابيت الضخمة للمومياوات الملكية التي عثرت عليها عائلة عبد الرسول قبل ذلك بسنوات في تبة فوق الدير البحري، وكان عملا عظيما استحق عليه كل تقدير من أساتذته الأجانب.



وحينما تقرر إنشاء مدرسة صغيرة للآثار ملحقة بالمتحف المصري، تم تكليف "أحمد كمال" ليتولى تجهيزها، وقد تم افتتاحها في فبراير 1882 بخمسة تلاميذ فقط، وتولى إدارتها وتدريس اللغة المصرية والفرنسية والتاريخ فيها. واستمرت المدرسة إلى ما بعد الثورة العرابية تؤدي دورها حتى عام 1885، ثم تقرر إغلاقها. وفي عام 1891 قرر مدير مصلحة الآثار "يوجين جريبو" ترقية "كمال" إلى وظيفة مساعد أمين بالمتحف المصري، ليسد الطريق على الإنجليز، وقال مقولته الشهيرة: "لماذا ندخل إنجليزيا مادام عندنا المصري الكفء؟!".
وعند بلوغ "كمال" سن الأربعين، سمع أن "إميل بروجش" سوف يستقيل من وظيفته التي تعد أرقى من الوظيفة التي يشغلها، وأن الأجانب تتجه أنظارهم إلى الحصول عليها، فقدم التماسا بالفرنسية إلى "مصطفى فهمي" رئيس مجلس النظار، مطالبا بالحصول على الوظيفة، لأنه المصري الوحيد المتخصص في علم المصريات من تلاميذ بروجش باشا، قائلا: "لقد انتظرت طوال 22 عاما في خدمة الحكومة حتى أصبح أمينا مساعدا، بالنظر إلى خدمتي واستحقاقي والقانون المصري، أتشرف بالتقدم إليكم بصفة شخصية طالبا مساعدتي في الحصول على الوظيفة، رغم كل المطالب الأجنبية". وأضاف "كمال" إلى التماسه مذكرة قصيرة باللغة العربية، ذكر فيها أن "دارسي" الأمين المساعد الفرنسي له نفس المؤهلات العلمية، ولكنه لا يعرف العربية، ومدة خدمته لا تتجاوز ست سنوات، بينما تبلغ سنوات خدمة "كمال" 22 عاما. وختم المذكرة بمناشدة وطنية رئيس النظار مساندة المصري بدلا من الفرنسي أو الإنجليزي. وعلى الرغم من ذلك، لم يترتب على هذا الالتماس شيئا، لأن "بروجش" ظل في وظيفته حتى عام 1914.

وفي ظل إدارة الفرنسي "دي مورجان" خليفة "جريبو"، كان "كمال" محظوظا لاحتفاظه بوظيفته، فقد قيل إن "جريبو" كان يسعى للتخلص منه، ولم يتحدث إليه مدة عام كامل. لكن الفرنسي "ماسبيرو" وضع ثقته في "كمال" وأسند إليه أعمال التنقيب والنشر، إلا أنه لم يقم بترقيته، وتخطاه "دارسي" في الترقية إلى منصب سكرتير عام المصلحة عام 1913، على الرغم من أن "كمال" كان يكبر "دارسي" و"جيمس كيبل" الذي أصبح أمينا عام 1914، بإثني عشر عاما. 
ولقد تحدث "كرومر" يوما قائلا: "لم يبلغ المصريون بعد درجة كافية من الحضارة حتى يهتموا بالحفاظ على آثارهم القديمة. وليس لديهم شعور بالذنب ترتبط بهذا الجرم الذي يعد ذنبا مغفورا. نقول للمصريين: إننا حكومات متحضرة، لذلك نهتم بآثاركم القديمة. فإذا تظاهرتم بأنكم أمة متحضرة، فإن عليكم الاهتمام بها أيضا". ومن المؤكد أن هذه الملاحظات التي ينحي بها "كرومر" باللائمة على المصريين، تتجاهل نضال "أحمد كمال" من أجل جعل علم المصريات للمصريين في جو استعماري عدواني، وحمل على كاهله مهمتين: أولهما، تكوين نفسه تكوينا علميا جادا في حقل المصريات. وثانيهما، حث أبناء وطنه على تعريف أنفسهم في إطار مصر القديمة. فجاءت بحوث "كمال" المنشورة بالفرنسية لخدمة المهمة الأولى، أما ما نشره بالعربية فكان لخدمة المهمة الثانية. 
وبعد جهد عظيم من التأليف والترجمة والعمل المتواصل في حقل علم المصريات، نال "أحمد كمال" اعترافا بكفاءته العلمية بعد جهد مضن، فأصبح بعد عام 1900 معروفا في الأوساط الأوروبية من خلال كتاباته في حوليات مصلحة الآثار، وعمله في الكتالوج العام للمتحف، وأدى اختياره عضوا بالمجمع العلمي المصري إلى اتساع دائرة اتصالاته.


أحمد كمال بجوار أحد التوابيت المستخرجة من خبيئة الدير البحري

وساعدته محاضراته التي كان يلقيها بنادي طلبة المدارس العليا فيما بين عامي (1906 – 1908)، والتي كانت تجتذب حضورا كثيفا، على أن يبث أفكاره بين الطلاب وخريجي المدارس العليا. وفي عام 1908 نال فرصة تدريس مادة تاريخ مصر القديم بالجامعة المصرية الجديدة، ولا شك أن "ماسبيرو" عضو مجلس الجامعة هو الذي رشحه للتدريس بها، والتي قامت بنشر محاضرات كمال في تاريخ مصر القديم حتى الأسرة الخامسة عشرة. 
كذلك، كان لكمال دور مهم في إقناع السلطات الإقليمية بإنشاء متاحف صغيرة محلية بالمديريات، وقد وافق "ماسبيرو" ولجنة الآثار لأحمد خشبة باشا أحد أعيان أسيوط بالتنقيب عن الآثار بجوار المديرية، وقد ذهب بعض ما تم اكتشافه من آثار إلى المتحف المصري بالقاهرة، وتم الاحتفاظ بالباقي لإنشاء متحف محلي. وقد أنشأت بلدية طنطا متحفا بتشجيع من مصلحة الآثار عام 1913، وقررت المنيا أيضا أن تحذوا حذوها.

مؤلفاته العلمية وترجماته
لقد أبدى "ماسبيرو" احترامه لكمال بضمه إلى الفريق الدولي الذي تولى إعداد "الكتالوج العام للمتحف المصري". والذي أنجز "كمال" فيه مجلدات عن اللوحات البطلمية والرومانية ومنصات القرابين. ومنحته مصلحة الآثار مكافأة قدرها مرتب شهر (33 جنيها) عندما نشر المجلد الأول. كما نشر تسعة وعشرين مقالا بالفرنسية بحوليات مصلحة الآثار المصرية خلال سنواتها العشر الأولى، أي ما يزيد على ضعف ما قام بنشره رفاقه المصريون. فلم ينشر زميله في الدراسة "أحمد نجيب" سوى أربعة مقالات في بضع سنوات منذ صدور المجلة حتى تقاعده. كذلك نشر اثنان من تلاميذ "كمال" السابقين (خريجي مدرسة الآثار 1881 – 1885) أحدهما "محمد شعبان"، الذي نشر خمس مقالات في عشر سنوات، وما يزيد عليها قليلا في السنوات العشر التالية. وكانت معظم مقالات "كمال" عبارة عن مذكرات وتقارير قصيرة حول ملاحظات التفتيش على المواقع الأثرية، وجهود محاربة التنقيب العشوائي، وأحيانا كان ينشر تقريرا عن متابعة الحفائر، وكان هذا هو كل ما يستطيع عمله في وقت كان فيه الغربيون يفتحون الأهرام، ويحفرون في مناطق مهمة مثل الجيزة وسقارة والكرنك ووادي الملوك، وقد رفض من حيث المبدأ إصدار تصاريح التنقيب لغير المتخصصين في المصريات، ومن لا يمثلون متحفا أو مؤسسة علمية، وأقر بأن ذلك لا يعني استبعاد المصريين من التنقيب، ولكن الذين يبحثون عن الكنوز ولا تحركهم النزعة العلمية.
لم تكن الأعمال العربية التي نشرها "كمال" معروفة لزملائه الغربيين، ويبدو أنه افترض وجود متخصصين وطلاب ومهتمين بالمعرفة من بين قراء العربية، غير أن فئة المتخصصين من القراء كادت أن تكون موجودة. وكان جانبا من أعماله العربية ترجمة عن اللغة الفرنسية على طريقة "رفاعة الطهطاوي" ومدرسته. وحينما انتقل متحف بولاق إلى قصر الجيزة قام "كمال" بترجمة الدليل الجديد الذي وضعه "دي مورجان" إلى العربية عام 1893، وبعد أن انتقل المتحف مرة أخرى إلى موقعه الحالي بالقاهرة، ترجم "كمال" الدليل الجديد الذي وضعه "ماسبيرو"، ولم يكن عملا هينا، فقد جاء النص العربي والصور الملحقة به في 788 صفحة، كذلك قام "كمال" بترجمة الدليل الذي وضعه "بوتي" للمتحف اليوناني الروماني، وجاءت الطبعة العربية في 639 صفحة.
وبحلول عام 1915، كان قد صدر من دليل "ماسبيرو" أربع طبعات فرنسية وخمس إنجليزية، ولكن لم تتكرر طباعته بالعربية، وقد يكون ذلك انعكاسا لتلك الفجوة في الاهتمام النسبي بالآثار عند الأوروبيين والمصريين، أو جاء تعبيرا عن ترتيب الأولويات عند مصلحة الآثار المصرية التي يديرها الأجانب.


إيميل بروجش

وألف "كمال" كتابا بالعربية عن عين شمس القديمة بعنوان "ترويح النفس في مدينة الشمس والمعروفة الآن بعين شمس"، قبل أن يتولى وظيفته الأولى بالمتحف. وعندما تولى التدريس بمدرسة الآثار في أوائل الثمانينيات، ألف كتابين آخرين بالعربية: "العقد الثمين في محاسن وأخبار وبدائع آثار الأقدمين من المصريين"، وكتابه "الفرائد البهية في قواعد اللغة الهيروغليفية". ولسوء الحظ أغلقت المدرسة في نفس العام الذي صدر فيه الكتاب الأخير. وألف أيضا كتابا بالعربية عن منف بعنوان "الدرر النفيس في مدينة منفيس"، ومجلدا ضخما عن الحرف وغيرها من مظاهر الحياة في مصر القديمة بعنوان "بغية الطالبين في علم وعوائد وصنائع وأحوال قدماء المصريين"، ودليل مطول عن النباتات المصرية بعنوان "اللآلئ الدرية في النباتات والأشجار القديمة المصرية". وقد زود كتبه برسوم لمناظر المقابر والنصوص الهيروغليفية، وقدم قراءة لها بالحروف العربية، ثم قدم ترجمة عربية للنص. 

وتنوعت المصادر التي استعان بها "كمال" في مؤلفاته ما بين كتابات بروجش، ولبسيوس، ومارييت، وشاباس، وماسبيرو، وهيرودوت، ومانيثون، وديودور الصقلي. كما كان يشير إلى عمل "علي مبارك" عند أحاديثه عن النيل. وقد سار أيضا على نهج "الطهطاوي" و"مارييت"، من حيث اتباع التحقيب الزمني الطويل، وفي كتابه عن تاريخ مصر القديمة الذي نشره عام 1882، حدد الحوادث بالتقويم الشمسي قبل الهجرة، كما في الكتب الدراسية عند الطهطاوي ومارييت، ولكن عند نشر كتابه الذي أصدرته الجامعة كان استخدام تواريخ ما قبل الميلاد شائعا، فلم يعد "كمال" يستخدم تاريخ ما قبل الهجرة.وقد رتب فصوله على أساس موضوعي، فتحدث عن النيل والبيئة على ضفتيه وفي الدلتا، والدين، والتقسيمات الجغرافية إلى ولايات، والنظام الاجتماعي والسياسي، واللغة ونظام الكتابة، وشامبليون، وفك رموز الهيروغليفية. أما الفصول التي رتبت على أساس الحقبة الزمنية، فتناولت الأسرات واحدة تلو الأخرى، وحكما تلو الآخر، مستقيا مادته من الآثار وخراطيش الملوك. وقطع تسلسل تلك الفصول بأخرى لموضوعات مثل: "التجارة في عصر منف"، و"الفن المصري القديم".


صور لأنتيكخانة بولاق

وعلى الرغم من كل تلك الإنجازات التي نجح "كمال" في تحقيقها، إلا أنه فشل في تحقيق إنجاز يعتبر من أعظم إنتاجه العلمي، بإخراج قاموسه للغة المصرية القديمة إلى النور وهو على قيد الحياة، حيث جمع مفردات اللغة المصرية القديمة وما يقابلها بالعربية والفرنسية والقبطية والعبرية في 22 مجلدا من القطع الكبير، وتقدم بها إلى وزارة المعارف لطبعه على نفقتها، والتي قررت إحالة جزء منه إلى مدير المطبوعات، وكان إنجليزيا، فأحاله إلى كبير الأمناء الإنجليزي بمصلحة الآثارلإبداء الرأي، فأشرك معه عضوين: أحدهما أمريكي، والآخر فرنسي، وجاء رأي اللجنة مخيبا للآمال فلم تهتم الوزارة بطبعه، وأهمل عمل كان نشره سيدحض نظريات الاستشراق والتغريب التي تدعو إلى الفرعونية، وتباعد بين أصل جنس الشعب المصري والجنس العربي، ويكشف عن عراقة عروبة مصر على امتداد تاريخها الطويل. وظل هذا المعجم مخطوطا غير مطبوع حتى تقدمت مؤخرا "منى البارودي" حفيدة "أحمد كمال" بطلب رسمي إلى "ممدوح الدماطي" مدير المتحف المصري الأسبق، و"زاهي حواس" الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار سابقا لطبع القاموس، وقد طبع بالفعل وهو الآن بين أيدي القراء. 

من أهم إنجازات "أحمد كمال" أنه أقنع "أحمد حشمت باشا" ناظر المعارف بافتتاح قسم للآثار المصرية بمدرسة المعلمين العليا عام 1910، حيث قام بالتدريس مرتين أسبوعيا لثمانية طلاب، وهم كما ذكرهم صاحب كتاب "صفوة العصر": (سليم حسن، محمود حمزة، أحمد عبد الوهاب، محمد فهيم، حسن كمال، رياض جندي ملطي، رمسيس شافعي، وأحمد البدري). وقد أخذهم "كمال" في جولات ميدانية بين آثار الصعيد والمتحف المصري، حتى تخرجت الدفعة الأولى عام 1912، والتحقت دفعة جديدة بالقسم. وحاول إدخالهم المتحف المصري ليتفرغوا للبحث العلمي، أسوة بالأجانب، حتى يكون لدى الأمة المصرية عددا وفيرا من الأثاريين الإخصائيين، ولكنه لم ينجح في هذا المسعى، لأن الحكومة المصرية لم تفقه بعد معنى الآثار المصرية، ولأن الأجانب كانوا يعاكسون كل مشروع من هذا القبيل.

على أية حال، شق خريجو القسم المصري بمدرسة المعلمين طريقهم في مجالات شتى كان أبرزها التدريس بالمدارس، إلا أن "كمال" لم يهدأ حتى استطاع إقناع وزير الأشغال العمومية في عام 1921 بتعيين بعضهم في المتحف المصري، فتقرر تعيين كل من: "سليم حسن" و"محمود حمزة" و"سامي جبرة" أمناء بالمتحف. ولم يكتف بذلك بل سعى لإيفادهم إلى فرنسا وإنجلترا لإتمام دراسة الآثار فيها. وهكذا انتهى من المرحلة الأولى لتكريس مدرسة مصرية وطنية لعلم الآثار فنجح في إقناع "محمد توفيق رفعت باشا" وزير المعارف لإنشاء مدرسة عالية لدراسة الآثار المصرية، على الرغم من اعتراض مصلحة الآثار المصرية على هذا المشروع. 
وفي 6 أغسطس سنة 1923، توفي "كمال" بعد أن أسس لمدرسة وطنية مصرية في علم الآثار، وقد استطاع الدفع بالعديد من المتخصصين المصريين إلى حقل العمل الأثاري، من أمثال: محمد شعبان ومحمود حمزة وحسن كمال وسامي جبرة، وأيضا سليم حسن، متحديا بهم وببراعة كل محاولات الأجانب للنيل من مشروعه لتمصير علم المصريات.



تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع