أفكار

بيت هوارد كارتر...

1- عندما انحنت وريثة العرش .. للفرعون

 في مارس 1972، وقفت الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا العظمى، أمام تمثال خشبي للملك توت عنخ آمون وهو يمسك حربة في يده، ولاحظت أن التمثال فيه انحناءة، وقالت: هذه أول مرة أرى فيها تمثالا لفرعون مصر وهو ينحني. أوضح لها د. جمال مختار مدير هيئة الآثار المصرية (آنذاك) أن التمثال تعرض لتأثيرات عوامل التعرية، وأن العارضين لم يراعوا ذلك، وهم يثبتون قاعدة التمثال، وقال: فراعنة مصر لا ينحنون. فابتسمت "صاحبة الجلالة" وهي تنحني بلطف أمام التمثال، وتكمل جولتها.
كانت الحكومة المصرية قد وافقت أخيرا على أن تنظم صحيفة التايمز البريطانية معرضا لـ 50 قطعة من آثار "الملك الصغير" في المتحف البريطاني، تم التأمين على الآثار المشاركة فيه بمبلغ 10 ملايين جنيه استرليني (مليون منها لقناع الملك وحده)، وافتتحت الملكة إليزابيث الثانية المعرض.


 تفصيل من نسخة مقبرة الملك "توت" الملحقة ببيت "كارتر"

كيف تهرب من توت
وكما حدث عند اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، عام 1922، اجتاحت العاصمة البريطانية حمى "توت مانيا" التي طالت كل شيء، من ماركات السجائر، إلى خطوط الموضة، ومن أطباق جديدة باسم توت، إلى برنامج كوميدي عنوانه "كيف تهرب من توت". أما المكتبات فقد تصدرت كتب التاريخ المصري ومذكرات هوارد كارتر عن أشهر اكتشاف أثري في القرن العشرين قوائم المبيعات بها.
غير أن بطلين رئيسين في القصة لم يمتد بهما العمر لكي يعيشا تلك اللحظة، لحظة وصول الملك الصغير إلى قاعة العرض في المتحف البريطاني، ولو في زيارة "قصيرة". غاب الإقطاعي البريطاني النبيل اللورد كانارفون (جورج إدوارد ستانهوب هربرت كارنارفون)، ابن وزير المستعمرات البريطاني في حكومتين سابقتين، وممول بعثة الكشف عن توت عنخ آمون، كما غاب هوارد كارتر، المستكشف الأثري الأكثر شهرة في القرن العشرين، والذي نال 18 سطرا في دائرة المعارف البريطانية بفضل اكتشافه لمقبرة الفرعون الصغير. فقد توفي الأول بعد الكشف بشهور، في 5  أبريل 1923، وتسببت وفاته في اهتمام إعلامي كبير بمسألة "لعنة الفراعنة"، أما الثاني فكانت لعنته مختلفة. لقد حارب الجميع من أجل هذا الكشف، وصنع من الجميع خصوما: الآثاريين أحيانا، ومصلحة الآثار، والحكومة المصرية، وصحف العالم، واللورد كارنارفون، وتوت عنخ آمون نفسه. وانتهى به الأمر وحيدا ومريضا في أحد أحياء لندن الباردة، بائسا ، ومتعجرفا كعادته، وتوفي في 2 مارس 1939.


 اللورد كارنارفون من متحف "كارتر" بالأقصر

قانون ماسبيرو
وكعادته، حمل الفرعون الصغير سحر الماضي معه، وأحيا قصة أول حضارة عرفتها الإنسانية، كما أعاد الفرعون الصغير الحديث عن دور التايمز في قصة اكتشاف المقبرة ، والمفاوضات السرية للمتحف البريطاني من أجل اقتناء بعض من آثار المقبرة. ولماذا لم ينل هوارد كارتر، الأثري البريطاني الذي اكتشف المقبرة، أي تكريم ملكي بريطاني، في الوقت الذي تم فيه استقبال ممول بعثته، اللورد كارنارفون، في قصر بكنجهام؟ وتذكر البعض استقبال اللورد كارنارفون لسعد زغلول، زعيم الأمة المصرية، في مزرعته، واستعادوا قصة قانون ماسبيرو للبعثات الأثرية، وتساءلوا، ربما، لماذا كان منصب مدير مصلحة الآثار فرنسيا في عهد الاحتلال البريطاني؟ أو لماذا أقال اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني، كارتر من العمل كمفتش للآثار في بني حسن؟
 

مدخل بيت هوارد كارتر في الأقصر

بيت كارتر
في البر الغربي بالأقصر، وبالقرب من الفرعون الصغير في وادي الملوك، أقام كارتر استراحته لبدء عمليات التنقيب لصالح اللورد كارنارفون، بحثا عن "مقبرة كاملة لفرعون مصري". أنشأ كارتر الاستراحة على طراز حديث (في عصره)، وزودها بمساقط تهوية، ومولد للكهرباء (يعمل بالسولار)، ومعمل كامل للتحميض والطبع، كما اشتملت غرف النوم على لوازم مكافحة البعوض أيامها (الناموسيات)، وتم تأثيثها بأثاث معاصر وعملي. تلك الاستراحة، "بيت كارتر"، التي حولتها وزارة الآثار إلى مزار ومتحف، كانت شاهدا على كثير من التحولات ومن لحظات التوتر في قصة البحث، والاكتشاف، وما تلاها من صراعات أكاديمية وسياسية، ومن سرقات ومزاعم، وصلت جميعها إلى لحظة انحناء وريثة العرش الإمبراطوري أمام الملك المصري ذي ال3500 عام.
 

نسخة "طبق الأصل" من مقبرة "توت" ملحقة بمنزل كارتر


غرفة نوم كارتر

عندما تجتاز المدخل الصغير إلى  البيت، سوف تعبر مصطبتين طينيتين على جانبي المدخل، غطت الجدارين وراءهما بعض صور اللقاءات بين كارتر واللورد كارنارفون، ولقطات عامة لأعمال التنقيب. صور كانت الحمير وسيلة النقل الوحيدة، أيامها، و القبعات الكبيرة، والملابس القطنية والأحذية الخاصة بالمناطق الوعرة تفاصيل اعتيادية فيها.  سوف تعبر الباب إلى صالة استقبال تتوزع منها غرف أٌعدت إحداها كاستراحة للزائرين. ثم غرفة مكتب، بها مكتب خشبي وآلة كاتبة وخزنة صغيرة وراديو ومكتبة، وبعض من معدات التنقيب وأدواته، وقبعتان وبعض من عصي كارتر، ومظلتان وجرامافون. وبجوارها في واجهة المدخل غرفة النوم، بها سرير صغير ودولاب من أربعة أبواب ومقعدان من الجلد وبعض الحقائب القديمة. وعلى مكتبه عدد من المخططات التي نفذها كارتر بأحبار تلك الفترة، والتي تقسم منطقة الحفر إلى عشرات المساحات المثلثة، كان يظلل كل مثلث منها بعد انتهاء التنقيب.


صورة تجمع اللورد والمستكشف في مدخل البيت

نسخة من المقبرة
وقبل أن تنشغل بآلة كارتر الكاتبة، أو بالجرامافون الأثري، أو الاسطوانة التي كانت فيه آخر مرة، سوف يدعوك موظف هيئة الآثار لزيارة نسخة "مرخص لها ومطابقة للأصل" من مقبرة توت عنخ آمون، نفذها مركز طارق والي للعمارة والتراث، بالقاهرة، لصالح مؤسسة فاكتوم للتكنولوجيا الرقمية في الحفظ والصيانة بمدريد، وجمعية أصدقاء المقابر الملكية في مصر، بزيورخ، كهدية لشعب مصر. هناك سوف ترى نسخة "طبق الأصل" من تابوت الملك الحجري الضخم، وتصويرا مطابقا للرسوم على جدران المقبرة، فيما يمكن أن تقرأ أخبار الكشف وأهميته، ووصفا تفصيليا لأهم مقتنيات المقبرة، وفي مقدمتها قناع الملك. كما قد تطلع (في الحديقة الصغيرة بين البيت والمقبرة) على الصفحات الأولى من الصحف المصرية التي تناولت الكشف الأثري الجليل، قبل أن تعود إلى مكتب كارتر ومعمل تحميض صوره، وأدواته وعصيه، لكي تستنطقها، وتنسج أطراف القصة الكاملة.


آلة "كارتر" الكاتبة


 صور مجمعة للعمال المصريين الذين حفروا بحثا عن "توت"
 
في كتابه "سرقة ملك مصر" يعقد الكاتب الصحفي محسن محمد أكثر من مقارنة بين اللورد كارنارفون وبين المستكشف الأثري هوارد كارتر. يتحدث مرة عن أوجه الشبه بين كارتر وكارنارفون، في البنية الجسدية، وفي الاعتزاز بالنفس، وفي الولع بالآثار. ثم يتناول في مرة ثانية أوجه الاختلاف بين الاثنين في التصرف وإدارة العلاقات. فبينما حرص اللورد، معظم الوقت، على التصرف كأرستقراطي نبيل، محب للعلم وللبشر، تصرف كارتر كبريطاني صلف، يشعر بالتمايز عن الجنسيات الأخرى، لمجرد انتمائه للتاج البريطاني. أو هو الاختلاف الطبقي، بصورة ما، والذي عبر عنه الكتاب بتعبير "الناس اللي فوق والناس اللي تحت".

فاللورد كارنارفون يمتلك عزبة مساحتها 36 ألف فدان. ودرس في أشهر جامعتين بريطانيتين، غير أنه لم يحصل على شهادة جامعية، توفيت والدته وعمره 9 سنوات، وكان أبوه وزيرا للمستعمرات مرتين. وهو يهوى الطائرات والسيارات (كانت سيارته الثالثة التي يسمح بملكيتها في لندن، وحملت رقم 3). كما أنه أحد مشاهير سباقات الخيل، فازت خيوله في 12 سباقا عام 1902، وربح 5370 جنيها. وفي 29 سباقا عام 1904، وربح 12143 جنيها. ويهوى الصيد والفلاحة، وهو أحد خبراء التصوير، وأقام عدة معارض لاقت نجاحا فائقا. بالإضافة إلى غرامه بجمع اللوحات والكتب النادرة (كان مكتبه مكتب نابليون بونابرت في منفاه بجزيرة ألبا، وعليه أثر لأظافر الإمبراطور!). طاف معظم دول العالم، وحصل على وسام من السلطان التركي عبد الحميد.


مدخل النسخة المقلدة للمقبرة

عندما سقطت سيارته في حفرة، بألمانيا، وكان في الطريق للقاء زوجته بالريفيرا الفرنسية، ترك الحادث آثارا في صدره ومعدته وقدميه، ونصحه الأطباء بالابتعاد عن رطوبة انجلترا والاستشفاء في جنوب فرنسا، ولما لم يتحسن نصحوه بمصر. فقدم إليها بعد 4 سنوات من الحادث. ونصحه القنصل البريطاني العام في مصر، اللورد كرومر، بتمويل بعض عمليات البحث عن الآثار، وقال له عالم الآثار، بيرسي نيوبري، أستاذ التاريخ القديم بالجامعة المصرية، والخبير بالمتحف المصري: إنني أفضل اكتشاف قبر فرعوني على الفوز بالجائزة الأولى في سباق الديربي الشهير.
أعجب اللورد بالفكرة، وقام بحفائر في أحد المواقع، لستة أسابيع، ولم يجد سوى مومياء قطة، فعلق بقوله: هذا كشف فريد!

الفرنسيون السكارى
أما هوارد كارتر فقد ولد في عام 1873 في قرية بريطانية، وكان الابن الحادي عشر لأب فقير، لم يستطع إرساله إلى أي مدرسة، فتعلم في البيت، ولقنه أبوه فن الرسم بالألوان المائية، الأمر الذي رشحه للعمل مع الباحث الأثري بيرسي نيوبري في نسخ اللوحات الموجودة على جدران المعابد والآثار المصرية. دربه نيوبري 3 شهور في المتحف البريطاني بلندن، ثم جاء به إلى مصر في عام 1890، في بعثة يمولها صندوق البحث عن الآثار المصرية التابع للمتحف البريطاني، وكان عمره 17 عاما. 
عمل مع أحد كبار علماء الآثار المصرية وقتها، وهو السير ويليام فلاندرز بيتري لـ7 سنوات كاملة. وتم تعيينه مفتشا للآثار في صعيد مصر والنوبة، بالأقصر عام 1899، في سن 25 عاما، ليشرف على العديد من الحفائر ويشارك فيها، وينقل الرسوم عن جدران المعابد، ويتقن اللغة العربية، ويتعلم أسس اللغة المصرية القديمة.
في عام 1903، كان السير بيتري وزوجته، وثلاث سيدات مساعدات في سقارة، عندما اقتحم الخيام في المساء ثلاثة من الفرنسيين السكارى. أرسل بيتري إلى كارتر، فجاء مع بعض المعاونين المصريين في مصلحة الآثار، طردوا السكارى معه، وقام بضرب أحدهم وأسقطه أرضا.

قدم الفرنسي شكوى إلى قنصل بلاده، فطالب القنصل أبولينير كارتر بالاعتذار، لكن كارتر رفض، رغم تدخل مدير عام مصلحة الآثار. ولما استدعاه اللورد كرومر وأمره بالاعتذار، رفض مرة أخرى، وأصر على ألا ينحني لـ"الفرنسيين السكارى"، فاضطر مدير الآثار لطرده من المصلحة.
عمل كارتر خلال السنوات الأربع التالية مرشدا للأفواج السياحية، يقف على باب فندق ونتر بالاس، يبيع رسومه المائية، كما عمل في تجارة الآثار والتحف. وساعده بيتري فاستأجره في البحث عن قبور الفراعنة، واستمر الصندوق البريطاني للبحث عن الآثار يشتري رسومه. وحاول الحصول على ترخيص بالبحث عن الآثار لكن الفرنسيين رفضوا منحه إياه. ثم عمل مع المحامي والمليونير الأمريكي تيودور دافيز، الذي حصل على ترخيص بالحفر في منطقة وادي الملوك، في عام 1902. وظل 12 عاما ينقب، وجد خلالها مقابر تحتمس الرابع، وحور محب، والملكة حتشبسوت، والملك سيتي، غير أنها كانت خالية، نهبها اللصوص.


 صورة أخرى تجمع كارنارفون بكارتر

لقاء في الأقصر
عندما التقى اللورد كارنارفون والرسام والمنقب الأثري هوارد كارتر في الأقصر في 1907، كان مدير الآثار اقترحه على اللورد اللطيف، وبدأ الاثنان تعاونا دام 16 عاما، نال عنها اللورد 16 سطرا في دائرة المعارف البريطانية، وحصل كارتر على 18 سطرا، و400 جنيه سنويا.

 

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع