أفكار

بيت الحكمة ولقاء الثقافات

 
 يرجع تأسيس بيت الحكمة في بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى الخليفة / هارون الرشيد، الخليفة العباسي الخامس (170 هـ ـ 193 هـ ). وقد ذكر ابن النديم عندما تكلم عن أبي سهل الفضل بن نوبخت أنه: كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد (أي كان يعمل بها) . وذكر ابن النديم في ترجمة علان الشعوبي أنه كان منقطعاً إلى البرامكة ، وكان ينسخ في بيت الحكمة للرشيد، وبعد ذلك لابنه المأمون ، الخليفة العباسي السابع ، والمتوفى سنة 218 هـ ، كما كان ينسخ للبرامكة . 

غير أن نشاط بيت الحكمة العباسي وصل إلى ذروته في عهد المأمون العباسي (عبد الله أبوالعباس) الفتى الذهبي للحضارة الإسلامية ، الذي كان واسع الثقافة ، غزير العلم ، حر الفكر ، وله شغف كبير جداً بالآداب والعلوم  والمعارف ، ومن أجل هذا أولى بيت الحكمة عناية خاصة ، كان من نتائجها المباشرة تطور الثقافة عند المسلمين ، ودخول الكثير من العلوم الأجنبية إليهم ، حيث احتضنوا هذه العلوم بالنقد والإضافة والتطوير، مما أدى إلى حفظ ذلك التراث ، ونقله إلى الأجيال التالية ، وكان على وشك أن يضيع أو يندثر .

هذا، وقد ضم بيت الحكمة العباسي كتباً عديدة وضعت في الأصل بلغات مختلفة ، ومن أبرزها الكتب اليونانية ، والفارسية ، والهندية ، والقبطية، والآرامية .. ومن أجل هذا كان المترجمون من الكثرة بمكان ، ينقل بعضهم من اللغة اليونانية ، وينقل آخرون من الفارسية ، وينقل فريق ثالث من الهندية ، وهكذا دواليك .. أي أن بيت الحكمة كان بمثابة مؤسسة علمية متكاملة بمعنى الكلمة .  ويحيى بن خالد فارسي الأصل والثقافة ، لذلك اهتم اهتماماً كبيراً بأن ينقل إلى اللغة العربية مجموعة كبيرة من الكتب الفارسية ، وعين لترجمتها أشخاصاً لهم قدرة لغوية في الفارسية ، مع معرفة واسعة باللغة العربية من أمثال : أبي سهل الفضل بن نوبخت، وعلان الشعوبي ، وغيرهما ..
 والقارئ لتاريخ بيت الحكمة العباسي في بغداد يعرف أن العناية في بدء العهد به كانت توجه إلى الكتب الفارسية والهندية ، ويرجع السبب في ذلك ـ كما يذهب بعض الباحثين ـ إلى أن يحيى بن خالد البرامكي ، كان في هذه الأثناء يشرف على شئون الدولة بوجه عام ،  وعلى النهضة الثقافية في الدولة العباسية بوجه خاص.


ويقول ابن النديم في كتابه (الفهرست) عن ابن نوبخت : له نقول (ترجمات) من الفارسي إلى العربي ، ومعوله في علمه على كتب الفرس وكان للفرس صلة وثيقة بالهنود ، ومعرفة بالثقافة الهندية، وإحاطة بمدى رقيهم ، ومن أجل هذا نجد يحيى بن خالد البرامكي ، يرسل في طلب بعض العلماء من الهنود  اتباً عاماً على خزانة بيت الحكمة ، وبالتحديد على كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص ، حيث إن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان ، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليها أحد، فجمع صاحب هذه الجزيرة بطانته ، وذوي الرأي  عنده،  استشارهم في حمل الخزانة إلى المأمون العباسي ، فكلهم أشاروا بعدم الموافقة إلا مطراناً واحداً قال : الرأي أن نعجل بإنفاذها إليه ، فما دخلت هذه العلوم العقلية على دولة شرعية إلا أفسدتها ، وأوقعت بين علمائها !! .. وتم إرسال خزانة الكتب إلى المأمون ، الذي اغتبط بها ، ولم تفسد دولته الشرعية.!!  
 
وهناك مجموعة ثالثة جاءت من القسطنطينية إلى خزانة بيت الحكمة العباسي في بغداد ، يحدثنا عنها ابن النديم في كتابه (الفهرست ) فيقول : إن المأمون العباسي كانت بينه وبين ملك الروم مراسلات ، وقد استظهر عليه المأمون (أي هزمه وانتصر عليه، ثم تم التصالح بينهما )، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلاد الروم ، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع ، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم : الحجاج بن مطر ، وابن البطريق ، وصاحب بيت الحكمة (رئيسه أو المشرف عليه ) ، وغيرهم ، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا ، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فتم نقله . 
 
وقد قيل : إن ( يوحنا بن ماسويه) كان ممن أرسلوا إلى بلاد الروم للتعرف على المزيد من الكتب الصالحة للترجمة . واحضر المأمون العباسي (حنين بن إسحق) وكان فتى السن ، وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين إلى اللغة العربية ، وإصلاح ما ينقله غيره فامتثل لأمره .
 
تلك بعض مجموعات الكتب اليونانية التي وردت إلى بيت الحكمة في العاصمة العباسية بغداد ، وقد صنفت هذه الكتب بحسب موضوعاتها أي تم فهرستها فهرسة علمية ، واختير لها المترجمون الأكفاء ممن لهم خبرة علمية بالموضوع الذي يترجمون منه ، بالإضافة إلى سيطرتهم وتمكنهم من اللغتين اليونانية والعربية. ومن أشهر الذين اشتغلوا بترجمة هذه الكتب (يوحنا بن ماسوية) ، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق بن حنين ، ومحمد بن موسى الخوارزمي ، وسعيد بن هارون ، وثابت بن قرة ، وعمر بن الفرخان وغيرهم من المترجمين .
 
وبيت الحكمة الذي أنشأ في العصر العباسي هو أول مكتبة عامة ذات شأن في العالم الإسلامي ، بل أنه أول جامعة إسلامية بمعنى الكلمة أو أول مؤسسة [تربوية / تعليمية / بحثية ] اجتمع فيها الباحثون والعلماء ، ولجأ إليها طلاب العلم والثقافة , فكان بذلك أول مركز علمي يحقق للطلاب زاداً علمياً وفيراً ، ويخرج لهم من جهد القائمين عليه ثقافة مختلفة الاتجاه تشمل علوم الطب والحكمة وغيرها. ويعين من يترجم عنهم كتبهم وأفكارهم إلى اللغة العربية، وبواسطة هؤلاء العلماء الذين استدعاهم يحيى البرامكي نقلت الكثير من فنون الثروة العلمية من اللغة الهندية إلى العربية . 

 
 

ثم جاءت الثروة الضخمة إلى بيت الحكمة العباسي في أخريات عهد هارون الرشيد ، وخلال عهد المأمون العباسي ، عن طريق التراث اليوناني الذي قتبس الكثير من الحضارة المصرية القديمة ، وقد حفلت المراجع العربية بأحاديث مستفيضة عن ذلك التراث : ـ 
ففي كتابه (عيون الأنباء) يقول ابن أبي أصيبعة : إن الرشيد قلد يوحنا بن ماسويه ترجمة الكتب القديمة مما وجدها في أنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم  ذلك حين دخلها المسلمون وحصلوا عليها (أي أنه جعله رئيساً لقسم ترجمة الكتب القديمة ببيت الحكمة) . 
وهناك مجموعة ثانية من الكتب اليونانية جلبت من جزيرة قبرص ، يحدثنا عنها ابن نباتة المصري ،فيقول : إن المأمون العباسي جعل سهلاً بن هارون  النص الأول :
 في كتابه (عيون الأنباء) يقول ابن أبي أصيبعة : إن يوحنا ماسويه تقلد ترجمة الكتب اليونانية (قسم الترجمة من اليونانية ) في بيت الحكمة ، وخدم هارون ، والأمين ، والمأمون وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل على الله الخليفة العباسي . 
 
ومعنى ذلك أن دور بيت الحكمة كان مستمراً (مهما كانت أحواله ) بعد المأمون على أيام المعتصم بالله (المتوفى سنة 227 هـ) ، وأيام ابنه  الواثق بالله / هارون بن جعفر ( 227 هـ ـ 232 هـ) ، وأيام أخيه / المتوكل على الله جعفر أبو الفضل الذي قتل في (247 هـ ) .
 
النص الثاني :
 يذكر ابن النديم في (الفهرست) أنه نقل أنموذجاً لكل من الخط الحميري ، والخط الحبشي ، وذلك النقل تم من خزانة بيت الحكمة ، وكان توقيت ذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الهجري . 
 
النص الثالث :
يذكر القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) أن هذه الخزانة(مكتبة بيت الحكمة) ظلت حتى دهم التتار بغداد ، وقَتَل ملكهم هولاكو المُسْتَعْصِم بالله ، آخر خلفاء العباسيين ، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهبت ، وذهبت معالمها ، وأعفت آثارها.  
 
أي أن بيت الحكمة ظل إلى سنة 656 هـ حيث تم سقوط بغداد ، والدولة العباسية ، أي مرَ عليها منذ أن أنشأت (32) خليفة .  ألا يحق لنا بعد ذلك أن نقول إن بيت الحكمة ببغداد كان مؤسسة ثقافية من طراز فريد ؟ ، وليكون في نفس الآن أكبر دليل على اهتمام المسلمين بالمعارف والعلوم ونشر الثقافة التي هي حق مشروع لكل إنسان.  

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع