أفكار

انعكاسات حرب أكتوبر المجيدة على العلاقات الإفريقية الإسرائيلية

إن حرب أكتوبر المجيدة 1973 لم تكن حربا بمعناها التقليدي، ولكنها حربا ذات طبيعة خاصة سعى من خلالها العرب لاستعادة كرامتهم وإرادتهم التى تحققت على يد القوات المصرية والسورية هذا وسط حضور قوى وفاعل من قبل الأشقاء الأفارقة وهو الدور الذى ثمنه كثيرا الرئيس السادات، ولذلك فقد طلب المساعدة الإفريقية بوضوح خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية التى شهدتها مدينة الجزائر العاصمة مطلع سبتمبر 1973، وهو الطلب الذى بادرت الدول الإفريقية بتنفيذه إذ أعلنت جميع الدول الإفريقية آنذاك قطع علاقاتها مع إسرائيل باستثناء ثلاث دويلات إفريقية فقط وهو: مالاوي، ليسوتو (دولة حبيسة داخل اتحاد جنوب إفريقيا وأخيرا مملكة سوازيلاند (مملكة اإريقية داخلية تحيط بها جنوب إفريقيا).
 


بالإضافة إلى ذلك وعلى الرغم من قوة ومتانة علاقة بلادة بإسرائيل، فقد أعلن السيد / موبوتوسيسيكو، رئيس زائير فى الرابع من أكتوبر 1973 قطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع إسرائيل مؤكداً "أن إسرائيل بلد صديق حميم لنا، ولكننا مضطرين إلى قطع علاقاتنا الدبلوماسية معها، لأن الإنسان يمكنه اختيار أصدقائه ولكن لا يمكنه اختيار أشقائه".

وترتب على أن ذلك أن فقدت إسرائيل رسميا معظم اتصالاتها وعلاقاتها فى القارة الإفريقية، الأمر الذى دفعها لأن تسعى نحو التحايل على هذا المأزق الصعب لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية وهى الحيلة التى ساعدتا فيها بعض العواصم الغربية بوجود عناصر ببعض السفارات الغربية فى إفريقيا مسئول عن ملف المصالح الإسرائيلية، فقد كان لسفارة بلجيكا فى أبيدجان مسئول عن رعاية المصالح الإسرائيلية وذات الأمر بالنسبة لسفارة الدنمارك فى الجابون ونيروبى وكذلك سفارة سويسرا فى أكرا، وهى الحيلة التى لجأت إليها إسرائيل لحماية مصالحها فى إفريقيا جراء القرار الإفريقى الداعم للحق العربى فى حرب أكتوبر 1973.
 


وفى سياق متصل، يؤكد السيد/ Léon César Codo الدراسات الإفريقية بمدينة بوردو الفرنسية "على أنه جراء هذه الحيلة التى لجأت إليها إسرائيل لمجابهة المقاطعة الإفريقية لها على خلفية حرب أكتوبر 1973 تضامنا منها مع الحق العربي، فقد ارتفع حجم الصادرات الإسرائيلية نحو إفريقيا فى الفترة من 1973 إلى 1979 من 30 مليون دولار إلى 75 مليون دولار بفضل الشبكة التجارية التى زرعتها إسرائيل من خلال بعض السفارات الغربية فى إفريقيا وخاصة فى كينيا وكوت ديفوار وأكرا وإثيوبيا" وهى الشبكة التى أحدثت نجاحات كبيرة فى ظل المقاطعة الإفريقية لإسرائيل.
 
وعلى جانب آخر، يؤكد السيد/ Léon César Codo على أنه "مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، فقد نجحت الشركات الإسرائيلية العاملة فى مجال الإنشاء والهندسة والزراعة الهيدروليكية من الحصول على عقود ضخمة فى إفريقيا تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، ثم تطور هذا الوضع إلى مجالات أخرى مثل (المنتجات الحساسة مثل السلاح والمعدات الإلكترونية المعقدة ذات الاستخدام العسكرى هذا بالإضافة إلى الألماس واليورانيوم والنفط).

وعلى الرغم من غياب العلاقات الرسمية بين إسرائيل ومعظم دول القارة الإفريقية، إلا أن الخبرة الإسرائيلية فى مجال الأمن قد نجحت فى التغلغل إلى القارة الإفريقية عن طريق عناصر الموساد وكذلك المبعوثين العسكريين والعناصر المتخصصة فى بعض مجالات الأمن الدقيقة وخاصة فيما يتعلق بالتدريب والتأهيل الأمنى لقوات الحرس الرئاسى فى العديدة من الدول الأفريقية وهى السياسة التى نجحت فى أن تأتى ثمارها إلى حد كبير إذ ترتب عليها أن أعادت بعض الدول الإفريقية علاقاتها الرسمية مع إسرائيل وتأتى زائير على رأس هذه الدول، واليوم، فيتجاوز عدد الدول الإفريقية التى لها علاقات مع إسرائيل أربعين دولة إفريقية، كما فتحت 14 دولة إفريقية سفارات لها بتل أبيب.
 


المساندة الإفريقية خلال الحرب:
إذ كانت إفريقيا جنوب الصحراء قد لعبت دورا فاعلا فى خدمة الحق العربى خلال حرب أكتوبر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، إلا أن شمال إفريقيا والسودان كان لهم دور فاعل بتقديم المساعدات المالية والعسكرية خلال الحرب، وهى المساعدة التى تأتى على النحو التالي:

الجزائر:
أرسلت الجزائر عناصر من المشاة واستخدمت جميع أنواع السيارات الثقيلة بما فى ذلك السيارات المدنية كذلك التى تصل حمولتها إلى 65 طن لتتمركز فى شرق البلاد الأمر الذى سهل من شأنه انتشار الفرقة الثامنة التى كانت تتأهب منذ 12 أكتوبر، حيث تم نقل 3 آلاف جندى و 128 دبابة و 670 سيارة من طرازات مختلفة و12 مدفعا و16 مدفعا للدفاع الجوى، وهى المعدات التى وصل جميعها إلى مصر فى الخامس والعشرين من أكتوبر وتمركزت فى نطاق القاهرة بداية من ليلة السادس من نوفمبر لمساعدة قوات الحرس الجمهورى.
وعلى المسار المالي، فقد خصصت الجزائر أيضا 200 مليون دولار ووضعتهم تحت تصرف الجانب الروسى لتمويل معدات مصر وسوريا بواقع مائة مليون لكل بلد .
 


المغرب: 
أرسلت المغرب كتيبة مشاة إلى سوريا فى منتصف صيف 1973 وهو تصرف لم يكن من السهل تنفيذه فى ظل العلاقات المركبة بين الملك حسن الثانى وحافظ الأسد، وقد لعبت الكتيبة المغربية دورا بطوليا على الجبهة السورية حالت دون إحداث الجيش الإسرائيلى ثغرة فى القنيطرة، وسميت إحدى ساحات دمشق باسمها تخليدا (ساحة التجريدة المغربية )، كما كان من المقرر إرسال سرب طائرات أف 5 لمصر قبل بداية الحرب، ولكنه وصل بعد وقف إطلاق النار فى التاسع من فبراير.
 


ليبيا:
وقد تمثل الدعم الليبى فى الآتي،300دبابة، 47 ناقلة جنود مدرعة، 110 سيارات شحن، 33 مدرعة استطلاع، 8 عربات مجنزرة خاصة بالإنقاذ، رافعات مختلفة، مستشفى ميدانى كامل المعدات، 8 مدافع ميدان ذاتية الحركة عيار 155ملم، 2 عربة قيادة، 11 مدفعا عيار 105 ملم. 12 مدفعا رباعيا شيلكا، 12 مدفعا عيار 23 ملم (م ط)، 240 صاروخ (استريلا)، سرية صواريخ كور تال فرنسية الصنع. 70طائرة ميج 21، 54 طائرة ميراج ليكونوا سربين واحد بطيارين مصريين وأخر بطيارين ليبيين، قطع غيار للطائرات، طائرات عمودية مع قطع غيارها، ذخيرة طائرات وصواريخ، معدات استطلاع جوى.
وفيما يتعلق بالدعم الليبى لسلاح الجو المصرى يقول الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد الجيش المصرى ومهندس العبور فى مذكراته:" إنه عند قيام الحرب كانت القوات الليبية المتمركزة فى مصر عبارة عن سربى ميراج، أحدهما يقوده طيارون ليبيون، والآخر يقوده طيارون مصريون، ولواء مدرع.
بالإضافة إلى ذلك فقد أسهمت ليبيا فى دعم البحرية المصرية بمعدات، أجهزة رادار بحرية، أجهزة إلكترونية بحرية، وقد قامت ليبيا بشراء القوارب المطاطية التى عبر بها الجنود المصريون قناة السويس من إيطاليا، وعدد 5 محطات لاسلكية متحركة، عدد 63 مدفع هاون مختلفة الأعيرة بذخائرهم، عدد 79 قاذفة للصواريخ مع 5 ألاف صاروخ، عدد 93 مدفع رشاش، عدد (3000) بندقية، عتاد بنادق ورشاشات، عدد 26 ألف قنبلة مدفعية.
وقد شاركت ليبيا بقوات عسكرية على الميدان كان يقودها، القائد العام الحالى للجيش الليبي، خليفة حفتر، والذى حاز فى أعقاب الحرب على نوط نجمة العبور المصرية، التى تمنح للضباط الذين ساهموا فى عبور قناة السويس، كما تكفلت ليبيا بتغطية احتياجات مصر التموينية طوال فترة الحرب.
 


السودان:
لقد أرسلت السودان للجبهة المصرية لواء مشاة إضافة إلى عدد من المتطوعين السودانيين والذين عبر عدد منهم القناة مع القوات المصرية، وحاربت القوات السودانية رسمياً إلى جانب القوات المصرية كقوة مشتركة بجانب عدد من المتطوعين الذين قاتلوا فى الجبهة السورية، وتنقلت القوات السودانية بين خطوط الحرب حسب الأوامر التى تصدر من القيادات العليا التى تدير المعركة وقد أسهمت القوات السودانية بشكل كبير فى حماية ثغرات مهمة، كما كانت هناك قبل قوات سودانية تنتشر على خط القناة فى حالة استعداد تام وشاركت فى حرب الاستنزاف والحفاظ على ضفة القناة والروح العالية للجيش العربي.
 
تونس:
ومن جانبها، فقد شارك جيشها فى الحرب بكتيبة مشاة قوامها 1200 جندى على الجبهة المصرية وقد انقسمت هذه الكتيبة إلى قسم استقر فى منطقة الدلتا النيل وبورسعيد للتأمين، وقسم انتقل مباشرة الى الجبهة إذ إن وصول القوات التونسية كان بعد بدء الحرب بأيام، وقد أظهر الجنود التونسيون بشهادة الضباط المصريين شجاعة استثنائية، كما كانت القوات التونسية هى القوة العربية الوحيدة التى قامت بعملية إنزال بحرى بسيناء.

(52 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع