أفكار

من صحافة العرب والعالم..

النكبة ميلاد الوطنية الفلسطينية

ولدت الوطنية الفلسطينية الحديثة من الانقطاع التاريخي الذي جرى بإعلان دولة إسرائيل ودخول التجربة الفلسطينية حالة الاقتلاع من الوطن. أي أنها ولدت بعد غياب الوطن عن الخارطة السياسية، وبعد غياب أصحاب الوطن عن وطنهم. ويكمن اعتبار هذا الانقطاع في التجربة الفلسطينية، قطيعة نهائية مع التاريخ الفلسطيني السابق للاقتلاع الفلسطيني. بمعنى آخر، لقد ولدت الوطنية الفلسطينية الحديثة بفعل هذا الحدث التأسيسي للتجربة الفلسطينية، وبذلك يكون تشكُّل الوطنية الفلسطينية الحديثة وليد النصف الثاني من القرن العشرين زمانياً، ووليدة نجاح المشروع الصهيوني ببناء دولة إسرائيل على أنقاض الوطن الفلسطيني، ما عنى غياب الأرض الفلسطينية عن الجغرافيا.
 
وإذا ذهبنا خطوة إضافية إلى الأمام يمكن القول- وهو ما يحتاج إلى الكثير من النقاش- إن الشعب الفلسطيني ولد في هذا السياق الزمني والحدثي، بمعنى أنه، كما الوطنية الفلسطينية الحديثة، ولد بفعل النكبة التي عاشها من فقدان الوطن وقيام دولة إسرائيل عليه، وليس قبلها.
 
على أي أساس نبني القول إن الوطنية الفلسطينية الحديثة والشعب الفلسطيني ولدا بعد النكبة، وبفعلها؟
 
أعتقد أن الفلسطينيين لم يملكوا قبل العام 1948 مفهوم الوطن بمعنى جغرافيا الانتماء السياسي، أي المفهوم الحديث للوطن، حيث المواطن معني بكل متر من أرض وطنه سواء كان يعيش عليه أم لا. كان مفهوم الوطن «جزئياً» عند الفلسطينيين إذا صح التعبير. فعلى رغم مخاطر المشروع الصهيوني التي كانت تبني ذاتها وفق مخطط يتم تعديله وفق واقع الحال للسيطرة على أرض فلسطين التاريخية، لم يكن هناك وعي مجتمعي عند الفلسطينيين بأن هذا الخطر يمكن أن يبتلع أرضهم ويرميهم خارجها.
 
وترافق ذلك مع مفهوم الوطن الجزئي، حيث الأغلبية الفلاحية في فلسطين كانت تعتبر قراها هي وطنها القومي النهائي. وعلى هذه القاعدة يمكن فهم ما سمي في التجربة الفلسطينية الكفاحية قبل النكبة بـ «الفزعة» حيث يذهب مقاتلو قرية لنجدة قرية مجاورة، وعندما تتراجع الهجمة الصهيونية يعودون إلى قراهم، على اعتبار أن مهمتهم انتهت. كما أن هناك ظاهرة فلسطينية في حرب 1948 لم تقرأ دلالاتها جيداً، وهي: لماذا صمدت القرى الفلسطينية صموداً جزئياً أكثر من ستة أشهر بعد سقوط المدن الفلسطينية الرئيسية؟ لقد امتلك المشروع الصهيوني خطة متكاملة للسيطرة على فلسطين، وهي الخطة المعروفة بالخطة «دالت»، ولكن لم يملك الفلسطينيون خطة متكاملة للدفاع عن الأرض الفلسطينية، لأنهم ببساطة لم يتوقعوا أن يخسروا أرضهم دفعة واحدة، كما حصل في الواقع والتاريخ، وبقوا إلى سنوات غير مصدقين ما جرى على أرض الواقع. وعندما صمدت القرى في وجه العصابات الصهيونية، صمدت في مواقعها، ولم يكن لها صلات مع صمود قرى أخرى قريبة منها. حتى أكثر من ذلك، فإن بعض القرى التي صمدت صموداً بطولياً، عندما سقطت هذه القرى باع مقاتلوها أسلحتهم إلى قرى أخرى كانت ما تزال صامدة، لأنهم في العقلية الفلاحية خسروا وطنهم النهائي، فطالما سقطت القرية التي ينتمي الفلاح إليها، فهذا يعني بالنسبة له سقوط الوطن النهائي، وبالتالي فالقرية المجاورة هي وطن نهائي آخر لآخرين ولا ضير في بيعه السلاح إذ انتهت المعركة بالنسبة له.
 
من جهة ثانية هناك ظاهرة اللجوء في الوطن الفلسطيني، فإذا كان من المفهوم أن الفلسطيني في دول الجوار قد اتخذ صفة اللاجئ، فكيف يمكن فهم أن يكون الفلسطيني لاجئاً في ما تبقى من وطنه؟!
 
وعن "جريدة الحياة اللندنية" هذا توصيف لوقائع جرت على الأرض، وليس إدانة للتجربة الفلسطينية. إنه محاولة للفهم، وحتى لا نغرق في تفاصيل من هذا النوع، فما أريد قوله باختصار إن الفلسطينيين الذين أحبوا أرضهم وضحّوا من أجلها، لم يتبلور لديهم المفهوم الحديث للوطن بوصفه اختراعاً للجماعة الوطنية، وعدم تبلوره جعل الصمود الفلسطيني بوجه الهجمة الصهيونية أقرب إلى الفوضى.
 
بفعل كارثة الاقتلاع، أخذ التاريخ الفلسطيني مساراً آخر، وانتقل الوطن الجزئي إلى وطن متخيل له طابع رمزي وبات أكبر من واقعة في الجغرافيا الواقعية. فالغياب الذي حصل لفلسطين من خلال الابتلاع الصهيوني للأرض الفلسطينية، ولتجربة المنافي التي دخلها الشعب الفلسطيني شتاتاً في عدد من الدول العربية، بات هو الواقع الذي على الفلسطينيين أن يعيدوا تشكيل ذاتهم من خلاله، وهو ما كان. باتت فلسطين في المتخيل أهم وأجمل من فلسطين الواقع، وباتت «الفلسطينية» كانتماء أكبر من حدود الجغرافيا الفلسطينية، ولو جمع باحث الملكيات الزراعية التي يتحدث الفلسطينيون عنها في المنافي بصفتها ملكيتهم، لاكتشف أن هذه الملكيات تعادل أضعاف مساحة فلسطين، ليس لأنهم يكذبون، بل لأنهم رفعوا وطنهم إلى مرتبة المقدس. فقد باتت فلسطين وطناً مقدساً ومتعالياً ورمزياً ومتخيلاً. هذا الوطن الذي رسمت صورته الذاكرة على هذه الشاكلة، هو الذي أعاد اختراع الشعب الفلسطيني وأعطاه وحدته الأهم في تجربته الحديثة. فعندما كان الفلسطينيون يعيشون على أرضهم، كان مفهومهم عن الوطنية مفهوماً جزئياً، وانتماءً جزئياً، وعندما خسروا وطنهم باتوا يتوحدون كشعب على صورته التي رسمها مخيالهم الجمعي، حيث بات الانتماء إلى الرمز والمتخيل أهم من الانتماء إلى الواقع الحقيقي، وبقي الفلسطينيون في شتاتهم يعودون بانتماءاتهم حتى اليوم إلى تلك الانتماءات التي تركوها في فلسطين: هذا ابن مدينة وهذا فلاح وهذا بدوي... على رغم أن الجميع يعيشون في المخيمات أو في المنافي منذ ستين عاماً.
 
ولأن الوطنية الفلسطينية الحديثة كانت نتاج المتخيل الجمعي الرمزي الفلسطيني، وهو ما كان يميزه ويوحده في تجربته الحديثة، فعندما دخلت هذه التجربة حيز الجغرافيا المتاح باتفاقات أوسلو مع إسرائيل، أخذت الوطنية الفلسطينية في التحلل، وأخذ الشعب الفلسطيني بفقدان وحدته، واكتشف أن فرادته كانت خيالاً مريضاً. ولذلك نرى التجربة الفلسطينية اليوم تدخل متاهات يبدو أنها لن تخرج منها.

سمير الزبن

(627 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع