أفكار

في ذكرى ميلاده..

المنفلوطي شاعر الشعب

يقول الدكتور شوقي ضيف: " وما أشبه أدب المنفلوطى في عباراته الرصينة المنغمة بالآنية المزخرفة، ولكنها آنية قلما حملت غذاء للذهن والفكر، ونحن نطلب اليوم الغذاء الفكري بأكثر مما نطلب الوسائل التى تؤديه، ولعل هذا ما جعل المازنى يحمل عليه في كتاب الديوان غير انه يقسو في حملته " (1) ثم يستدرك ليفي الرجل حقه، فيقول في الصفحة نفسها: " ومن الواجب أن نقيس الأديب بمقاييس عصره وان نحكم عليه بظروف بيئته، وأن لا ننتقل به إلى عصر تال نستمد منه مقاييسنا عليه، والمنفلوطى من هذه الناحية أدى لمصر في أوائل القرن وإلى الحرب العالمية الأولى آثارا أدبية بارعة، وكانت هذه الآثار المثل الأعلى للشباب في إنشائهم وفى صقل مواهبهم" (2) 



والسؤال الآن ماذا تبقى من المنفلوطى اليوم لكي نعيد قراءته أو نقدمه من جديد ؟ 
أعتقد اعتقادا جازما أن الأدب الحقيقي الصادق لا يموت بموت صاحبه، و أدب المنفلوطى أدب حقيقي صادق، ويكفينا منه هذه النظرة الإنسانية الرقيقة إلي الإنسان ،وتعاطفه مع الفقراء والمنبوذين، ومن ناحية الشكل يكفيه أن نقرأه لترسخ في نفوسنا بناء الجملة العربية السليمة ذات الإيقاع الموسيقى التي تصل بسهولة إلى القلب والعقل . 

ولد مصطفى لطفي المنفلوطي في 30 ديسمبر سنة 1876 ببلدة منفلوط إحدى بلدان محافظة أسيوط لأسرة مصرية عريقة معروفة بالشرف والحسب، واختلف في أول حياته إلى الكتاب فحفظ القرآن , ولما تجاوز الحادية عشرة أرسل إلى الأزهر في القاهرة ليتم تعليمه فيه، وظل به عشر سنوات يدرس ويحصل، وفي الأزهر لزم الشيخ محمد عبده لما أعجب بأسلوبه في تفسير القرآن ودراسة كتاب دلائل الإعجاز، ويبدو أن المنفلوطي لم يكن ليبحث في الأزهر عن العلم بقدر ما يبحث عن الأدب، لذلك نجده ينصرف عن الأزهر وعلومه ورجاله ويلزم دروس محمد عبده، كما أخذ يهتم بدراسة كتب القدماء ودواوينهم، فنجده يقرأ ابن المقفع والجاحظ وبديع الزمان وغيرهم من الأدباء والنقاد، وللمنفلوطي كتاب أسماه "مختارات المنفلوطي" ينم عن ذوق رفيع، فهو مليء بمختارات من الأدباء الذين ذكرتهم إلى جانب كبار الشعراء أمثال ابن الرومي وأبي تمام وأبي العلاء .



 وقد أسف المنفلوطي أسفا شديدا بعد موت محمد عبده عام 1905، فيقال أنه رجع إلى بلده ومكث بها عامين، يكاتب صحيفة المؤيد، ثم عاد مرة أخرى إلى القاهرة يستأنف عمله الأدبي، وكان سعد زغلول معجبا به، لذلك وظفه في وزارة دار المعارف عندما تولى وزارتها، ولما انتقل إلى وزارة العدل نقله معه، ولكنه - أي المنفلوطي - فصل من العمل بعد خروج سعد من الوزارة، فظل يكتب في الصحف إلى أن قام برلمان عام 1923، فعينه سعد رئيسا لطائفة من الكتاب في مجلس الشيوخ، ولكن القدر لم يهمل كاتبنا طويلا، فمات بعد ذلك بشهور قليلة ( 1924 ) .
 وقد يبدو للمتعجل أن حياة المنفلوطي القصيرة (48 عاما ) كانت سهلة ميسورة، ولكن الواقع غير ذلك، لقد عاش البؤس والظلم والسجن في حياته، فقد ذاق مرارة السجن وهو طالب في الأزهر، فعندما هجا الخديوي عباس الثانى بقصيدته المشهورة: قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدُ، حكم عليه بالسجن فزج به فيه وخرج منه بعد ستة أشهر، ولم ينتظم في عمل حكومي أو وظيفة تدر عليه دخلا ثابتا إلا في أوقات قليلة متقطعة، كما رأينا في الوظائف التي عينه بها سعد زغلول، لذلك لا نعجب عندما نراه منحازا إلى الفقراء في كتاباته، وقبل ذلك في شعره، ولا يمكن نسيان قصيدته المشهورة: يا بني الفقر سلاماً عاطراً، كما نرى ذلك الإحساس بالبؤس في هذه الأشعار والكتابات، لقد كان المنفلوطي صادقا فيما يكتب وفيما ينظم من شعر، فهي انعكاسات لحياته الخاصة بدرجة أو بأخرى .
 
وقد بدأ المنفلوطي شاعرا قبل أن يصبح الكاتب المعروف صاحب الأسلوب المتميز والمجدد في النثر العربي، يقول الدكتور محمد أبو الأنوار: "ولا يغيب عن الذهن أن النتاج الشعري في حياة المنفلوطي يشكل حياته الأدبية الأولى التي هجرها إلى النثر فيما بعد "(3) .
 والمنفلوطي في رأي أبي الأنوار من شعراء الاتجاه المحافظ البياني الذي راده البارودي وتربع على قمته شوقي، وهو أيضا واحد من الشعراء الثواني في هذا الاتجاه يقول أبو الأنوار الذي اهتم بدراسة شعر المنفلوطي وجمعه في ديوان موثق: وفي بعض صياغاته الفنية جنوح إلى بعض التعبيرات التراثية والصور المتداولة والأفكار والأخيلة المسبوقة، أو المعادة مع إيراد أحيانا لبعض الألفاظ المتشحة بشيء من الغرابة أو الصعوبة، وهذا كله جنوح تراثي له من زاد الشاعر وثقافته سند ومعين، وله من مزاج العصر حافز يعلي من موهبة صاحبه، ويمنحها الأصالة والإجادة بين أدباء عصره، وأيضا لدى جمهور الأدب من محبيه وعشاقه، لكن السمة الواسعة في شعره أنه يتسم بالسهولة والصفاء والوضوح وتشيع لديه الحكمة كثيرا ـ إلى حد ملفت للنظر ـ ولا يخلو من عناصر تصويرية متميزة أحيانا ومتواضعة أحيانا أخرى والأسلوب التقريري المباشر ينتشر هنا وهناك " (4) .
 ويوضح لنا أبو الأنوار المقصود بالشعراء الثواني بوصف المنفلوطي واحدا منهم فيقول: " والشعراء الثواني طبقة في آداب الأمم لا يمكن الاستغناء عن دراستها والعناية بها في كل عصر وجيل، لأنهم أقرب إلى الواقع وألصق بالحياة، حيث يعكسون باقتدار وصدق وسعة مكونات الحياة في صميمها الحق، ممثلة في تلك المفردات الشعرية التي يتميزون بمعايشتها ومن ثم تمثل أشعارهم جوهر حياتهم وحياة الناس حولهم، وهم بذلك يمثلون بصدق واقع الإنسان في عصرهم، ونعني بذلك إنسان الطبقات العريضة التي هي سواء الشعب الكادح الذي يمثل بحق جوهر الأمة وطبيعتها "(5) .



وهكذا كان المنفلوطى الشاعر لسان حال عصره وطبقته الفقيرة ومواطنيه الناقمين على ظلم الخديوى، وقد بدأ المنفلوطى ثائرا وناقما في القصيدة التى أشرنا إليها آنفا: قدوم، والتي نشرت بمجله الصاعقة في نوفمبر 1897م ودخل بسببها السجن: 
قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدُ وملكٌ وإن طالَ المدى سيبيد 
بعدتَ وثغر الناس بالبشرِ باسم وعدتَ وحُزنٌ في الفُؤادِ شديد
تمر بنا لا طرفَ نحوكَ ناظر ولا قلبَ من تلك القلوبِ ودُودُ
علام التهاني هل هناك مآثر فنفرحَ أو سعىٌ لديكَ حميدُ
إذا لم يكن امر ففيمَ مواكبٌ وإن لم يكن نهى ففيمَ جُنودُ
تذكرنا روياكَ أيامَ أُنزِلَت علينا خطوبٌ من جُدودِكَ سُودُ
رَمتنا بكم مقدونيا فأصابنا مصوبُ سهمٍ بالبلاءِ سديدُ 
والقصيدة طويلة كلها هجاء لاذع للخديوى عباس وجدوده، فاستحق المنفلوطى أن يدخل بسببها السجن بجدارة . 
والمنفلوطى شاعر الشعب تماما كما هو كاتب الشعب أيضا والمعبر عن آلامه وآماله معا، يقول من قصيدة على لسان العامل: 
أقضى نهارى مقبلا مدبرا كأنني الآلة في المعمل
وصاحب المعمل لا يرتضي مني بغير الفادح المثقل
فإن شكوت النزر من أجره برح بي شتما ولم يجمل
حتي إذا عدت إلي منزل وجدت سوء العين في المنزل 
 أما قصيدته المشهورة: ( يا بنى الفقر سلاما عاطرا )، فيحسن أن نوردها كاملة هنا، حيث تعد نموذجا معبرا عن الصدق الفنى والعاطفى للشاعر، وبيانا شعريا يؤكد انحياز الشاعر للفقراء، يقول المنفلوطى: 
يا بني الفقر سلاماً عاطراً 
من بني الدنيا عليكم وثناء
 
وسقى العارضُ من أكواخِكم 
معهدَ الصدق ومَهد الأتقياء
 
كنتمُ خير بني الدنيا ومن 
سعدوا فيها وماتُوا سُعداء
 
عشتم من فقرِكم في غبطةٍ 
ومن القلةِ في عيشٍ رَخاء
 
لا خصامٌ لا مِراءٌ بينكم 
لا خداعٌ لانفاقٌ لا رياء
 
خلقٌ بَرٌ وقلبٌ طاهرٌ 
مثل كأس الخمرِ معنىً وصَفاء
 
ووفاءٌ تثبَتَ الحبُّ به وثباتُ 
الحبِّ في الناسِ الوفاء
 
أصبحت قصتكم معتبراً 
في البرايا وعزاءَ البؤساء
 
يجتلي الناظر فيها حكمةً 
لم يُسطِرها يَراعُ الحُكَمَاء
 
حِكَمٌ لم تقرءوا في كتبها 
غيرَ أن طالعتُمُ صُحفَ الفَضاء
 
وكتابُ الكونِ فيه صُحفٌ 
يقرأ الحكمةَ فيها العُقلاء
 
إن عيش المَرء في وَحدَتهِ 
خيرُ عَيش كافِلٍ خَيرَ هَنَاء
 
فالورى شرٌ وهمٌ دائمٌ 
وشقاءٌ ليس يَحكِيه شَقَاء
 
وفقيرٌ لِغَنىً حاسدٌ 
وغنىٌ يستذلَّ الفقراء
 
وقويٌّ لضعيفٍ ظالمٌ 
وضعيفٌ مِن قوىٍّ في عناء
 
في فضاء الأرض منأى
 
عنهمُ ونجاءٌ منهمُ أي نَجاء
 
إن عيش المرءِ فيهم ذلةٌ 
وحياةُ الذلِ والموتُ سواء
 
ليت فرجيني أطاعت بولسا 
وأنالته مناهُ في البقاء
 
ورثت للأدمعِ اللاتي جَرَت 
من عيونٍ ما دَرَت كيفض البُكاءِ
 
لم يكن من رأيها فُرقَتُه 
ساعةً لكنه رأيُ القضاء
 
فارقتهُ لم تكن عالِمةً 
أن يومَ المُلتقى يومُ اللقاء
 
ما لفرجيني وباريس أما 
كانَ في القفرِ عن الدنيا غَناء
 
إن هذا المال كأسٌ مُزِجَت 
قطرةُ الصهباءِ فيه بدِماء
 
لا ينالُ المرءُ مِنه جُرعَةً 
لم يَكن في طيّها داءٌ عَيَاء
 
عَرَضوا المجدَ عليها بَاهِراً 
يَدهَشُ الألبابَ حُسناً ورُواء
 
وأَرُوها زخرفَ الدنيا وما 
راقَ فيها مِن نعيمٍ وَثَراء
 
فأبته وأبى الحبُّ لها 
نَقضَ ما أبرَمَه عَهدُ الإِخاء
 
ودَعَاها الشَوق للقفر وما 
ضمَّ مِن خَيرٍ إليهِ وهَناء
 
فَغَدت أهواؤُها طائرةً 
بجناحِ الشوقِ يُزجِيها الرَّجاء
 
يأمُلُ الإِنسانُ ما يَأمُلُه 
وقضاءُ اللَه في الكونِ وراء
ما لِهذا الجوّ أمسى قاتِماً
يُنذرُ الناسَ بويلٍ وبَلاء
 
ما لِهذا البحر أضحى مائجاً 
كَبِنَاءٍ شامخٍ فوقَ بِنَاء
 
وكأَنَّ الفُلكَ في أمواجِه 
رِيشةٌ تحملُها كفُّ الهواء
 
وَلِفرجِيني يدٌ مبسوطةٌ 
بدعاءٍ حين لا يُجدي دُعاء
 
لَهَفِي والماءُ يَطفو فَوقَه 
هيكلُ الحُسنِ وتِمثَالُ الضيّاء
 
زهرةٌ في الرّوضِ كانت غَضَّةً 
تملأُ الدُّنيا جَمالا وبَهاء
 
من يَراها لا يَراها خُلِقَت 
مثلَ خَلقِ الناس من طِينٍ وماء
 
ظَنَّتِ البحرَ سماءً فهوت
لتُبارى فيه أَملاكَ السّماء
 
هكذا الدنيا وهذا مُنتهى
كلِّ حيٍّ ما لحيٍّ من بَقاء . 
 
 وبعد كل هذا يمثل الشعر في حياة المنفلوطي ـ على أهميته ـ المرحلة الأولى وكانت مرحلة مهمة وأساسية وهي بمثابة وجه العملة الأولى لينتقل بعدها المنفلوطي إلى مرحلة ثانية هي الكتابة النثرية عبر كتبه النظرات والعبرات ومترجماته الفضيلة والشاعر وماجدولين وفي سبيل التاج، وهي تمثل وجه العملة الثاني لأدب وفكر المنفلوطي .
 وتحول المنفلوطي من الشعر إلى النثر يعد تحولا استراتيجيا فالمنفلوطي الشاعر لم يكن أبدا إلى قامة شوقي وحافظ، فهو كما قال الأستاذ أبو الأنوار أحد الشعراء الثواني ضمن كوكبة معروفة في ذلك الوقت، أحمد نسيم وعلى الغاياتي وأحمد الكاشف وأحمد محرم وغيرهم، في حين عندما تحول إلى النثر ناقلا إليه روحه الشعورية وميله إلى تصوير الحياة الاجتماعية ونزعته السياسية المتعاطفة مع الفقراء، عندما نقل هذا إلى نثره فضلا عن نقاء أسلوبه وتخلصه من قيود الصنعة، أصبح ندا لكبار الشعراء في ذلك العصر، فإذا كان شوقي هو الشاعر الأول، فالمنفلوطي هو الكاتب الأول الذي استحوذ على قلوب القراء والأدباء وأصبح صاحب مدرسة في النثر العربي الجديد، وقد لخص شوقي هذا الأسلوب في قوله وهو يرثيه :
 تتخــيل المنـظـوم فـي منثـوره فتراه تحت روائع الأسجاع
 لم يجحـد الفصحى ولم يهجم على أسلوبها أو يزر بالأوضاع
 لكن جرى والعصر في مضمارها شـوطا فأحرز غاية الإبداع
 حـر البيـان: قديمـه وجـديده كالشمس جـدة رقعة وشعاع
 ومن مفارقات القدر أن يموت المنفلوطي في نفس اليوم الذي أطلق فيه النار على سعد زغلول، يوم الأحد12 يوليو عام 1924 م، فانشغلت الأمة كلها بزعيم الأمة سعد زغلول، وتركوا كاتب الشعب ومجدد النثر في الأدب العربي الحديث يموت دون أن يشيعه إلى قبره إلا القليل جدا من الناس، والآن الاثنان في ذمة التاريخ، سعد زغلول ومصطفى لطفي المنفلوطي ،أيهما أبقى ذكرا وأكثر أثرا ؟ لا أظن الإجابة عويصة 
---------------------
الهوامش :
(1) ـ شوقي ضيف: الأدب العربي المعاصر في مصر، دار المعارف، ط2، القاهرة 1962، ص 233 
(2) ـ شوقي ضيف، المرجع نفسه، ص 23 
(3) ـ محمد أبو الأنوار: مصطفى لطفي المنفلوطي حياته وأدبه، ج3، مكتبة الشباب، القاهرة 1986، المقدمة، ص 5 
ـ محمد أبو الأنوار، المرجع نفسه ،ص 272، 273 

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع