أفكار

المسلات الفرعونية تعانق سماء ايطاليا

هى حدوتة مصرية تفرض حضورها الخاص فى أشهر ميادين إيطاليا تم نقلها فى أزمان بعيدة وأخرى قريبة تعبيراً عن الصداقة بين مصر والغرب تارة وتجسيداً للهيمنة الاستعمارية القديمة تارة أخرى.
إنها المسلة.. قطعة واحدة مستطيلة من الحجر، طويلة متدرجة ذات قمم هرمية مذهبة تعبر عن معتقدات القدماء المصريين الراسخ بأن الشكل الهرمى يرمز إلى إله الشمس رع. كانت المسلات تُـقَّطع من الأحجار شديدة الصلابة مثل حجر الكوارتز أو الجرانيت وقد توضع داخل المقابر وفى هذه الحالة تكون المسلة صغيرة الحجم إذا ما قورنت بتلك المسلات الضخمة التى كانت تقام أمام المعابد. ترجع أشهر المسلات إلى عصر الدولة الحديثة - فى التاريخ الفرعونى- فى فترة الأسرتين الثامنة عشر والتاسعة عشر، كذلك فترة ما بين الأسرتين السادسة والعشرين والثلاثين. وأول مكان أقيمت فيه المسلة كان مدينة أونو أو هليوبوليس (فى المطرية بالقاهرة حالياً) التى كانت معبد رع منذ القدم.



ولا أحد يعرف على وجه الدقة إن كان ذلك فى صالح الحضارة المصرية أم ضدها أن يتم نقل أعداد كبيرة من المسلات المصرية لتزين مبانى وميادين المدن الأوروبية، حدث ذلك فى العصور القديمة مثل تلك المسلات الى أقيمت فى معبد إيزيس بروما، أو فى العصر الحديث مثل مسلات حديقة سنترال بارك بنيويورك ومسلة نهر التيمز بلندن ومسلة ميدان الكونكورد بباريس. وفى العاصمة الإيطالية وحدها توجد ثلاث عشر مسلة مصرية. وكان الإمبراطور أغسطس أول من فكر فى نقل المسلات المصرية على نحو يتضمن اعترافاً بعظمة الحضارة المصرية وإنجازاتها.
 
ولم يترك المصريون القدماء مسلاتهم دون نقش على الإطلاق، فقد كان الغرض الدنيوى لإقامة المسلة أن ينقش الفرعون عليها إنجازاته وانتصاراته وألقابه وغير ذلك مما يرغب الملوك فى التفاخر به. أما الغرض الدينى فقد كان يستدعى تكريس المسلة لإله الشمس على نحو يليق به متضمنة ما تيسر من أدعية وزخارف. وفى هذا السياق، يبدو مدهشاً اكتشاف مجموعة من المسلات غير المنقوشة بروما، حيث ذهب بعض المؤرخين إلى أنها مسلات منقولة من مصر ولكنها لم تكن قد اكتملت. والحقيقة أن فكرة نقل مسلة غير مكتملة لا توافق المنطق، إذ كيف يترك الرومان عند اختيارهم لمسلة تزين مدينتهم المسلات المنقوشة المكتملة، ليتجشموا عناء نقل مسلات غير مكتملة حسبما يرى مؤرخون آخرون. وعلى الأرجح أن تلك المسلات غير المنقوشة قد صنعت بأوامر من الأباطرة أنفسهم، كما يتبين من مسلات حملت نقوشاً للإمبراطور هادريان يخلد فيها ذكر رفيقه أنتينوس الذى غرق فى النيل. وكما يتبين أيضاً من النقوش الهيروغليفية غير المتقنة وفى بعض الأحيان غير المقروءة التى تدل بشكل قاطع على أن من نقشها كان غير مصرى!
 
إيطاليا -إذن- هى الدولة الأوربية التى تستأثر بنصيب الأسد من مسلات الفراعنة. وترجع المسلة القائمة حالياً بميدان بياتسا دل بوبولو بروما إلى عهد سيتى الأول ورمسيس الثانى وكان " موطنها الأصلى " فى معبد الشمس فى هليوبوليس. يبلغ ارتفاعها 77ر32 متراً ووزنها 235 طناً. وهى أقدم ما نُــقل من مسلات مصر حيث تم نقلها فى عام 10ق.م. تعبيراً عن ضم مصر لحدود الإمبراطورية الرومانية. ظلت المسلة هناك حتى القرن الرابع ثم فى القرن السادس عشر أقيمت فى ميدان بياتسا دل بوبولو فوق قاعدة تحمل نقش أغسطس وتحيط بها تماثيل الأسود.
 
وهناك أيضاً مسلة مونتى تشيتوريو التى ترجع إلى عصر بسماتيك من الأسرة السادسة والعشرين، إنها مسلة عملاقة يبلغ ارتفاعها 79ر21متراً. تم نحتها من الجرانيت الوردى. نُـقلت أيضاً فى عام 10ق.م تنفيذاً لأوامر أغسطس الذى يبدو أنه قد انتقى أفضل مسلات مصر لتعبر عن عظمة إمبراطوريته التى تطاول 
إمبراطورية الفراعنة. لهذه المسلة أهمية خاصة، إذ خطط بدنها بطريقة مدرجة الغرض منها معرفة التوقيت، للاستفادة من ارتفاعها وثباتها كقائم تحسب به ساعات النهار. نُـقلت المسلة إلى موقعها الحالى فى ميدان مونتى تشيتوريو بروما فى القرن الثامن عشر.
ويحتضن معبد إيزيس الفرعونى بروما مسلتين نقلتا لتزيينه فى عصر الإمبراطور الرومانى دوميتان، وهما مصنوعتان من الجرانيت ويبلغ طول الواحدة منهما حوالى 6.34 متر. 


مسله سولاري

وهناك مسلتان أخريان أيضاً من الجرانيت الأسوانى، يبلغ طول إحداهما 25ر9 متراً، والثانية 87ر4 متراً. نُـقلت الأولى بعد تهدم المعبد فى إيطاليا إلى عاصمة مملكة الحبشة آكسوم، عند فرض السيادة الرومانية عليها قديماً، ثم نُـقلت مرة أخرى إلى روما حيث استقرت جنوب حديقة فيالى دلا. أما المسلة الثانية التى كانت تحمل نقوشاً وزخارف مشابهة، فقد نُـقلت إلى فلورنسا حيث زينت حديقة فيلا مديتشى، ثم إلى حديقة بوبولى فى نفس المدينة.
 
وعند الحديث عن المسلات الفرعونية بإيطاليا لا يمكننا تجاهل مسلة سان بيترو! هى مسلة غير منقوشة يبلغ ارتفاعها 37ر25 متراً، وقد أمر الإمبراطور أغسطس بنقلها من هليوبوليس إلى الإسكندرية لتجمل ساحة السوق الأغسطسى فى المدينة التى أراد لها أغسطس أن تحمل مظاهر جديدة تدل على عظمة روما. وسواء كانت المسلة فرعونية الأصل أم صنعت خصيصاً لهذا السوق فإن استخدام مسلة مصرية فى موقع السوق الأغسطسى بالإسكندرية إنما يدل على مدى عمق الشعور الرومانى بعظمة الحضارة المصرية التى يتمثلونها فى المسلات. وتقرر هدم السوق الأغسطسى فى عهد الإمبراطور كاليجولا الذى أمر أيضاً بنقل المسلة إلى روما حيث أقيمت أمام كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان. 
 

(6 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع