أفكار

القيمة الحقيقية للنقود فى "كوكب اليابان"

 المواطن اليابانى يعتز بعملة بلاده، ولا يرضى عنها بديلا، لذا عليك فور هبوطك على أرض هذا الكوكب أن تتوجه إلى مكاتب تغيير العملة لاستبدال ما معك من دولارات إلى عملة هذا الكوكب من الينات (الين)، الأمر الملفت للنظر عند استبدال الدولار الأمريكى بالين اليابانى، ارتفاع قيمة الدولار أمام الين(الدولار الأمريكى = 120 ينا يابانيا) .!ولم أجد فى حينها لهذا سببا واضحا.! وأصابتنى الحيرة كيف لاقتصاد قوى مثل دولة اليابان، يحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم يصاحبه ضعفا فى قيمة صرف عملاتها؟! 
وأصبح هذا السؤال يهاجم عقلى من حين لحين آخر طوال مدة إقامتى بطوكيو وحتى بعد عودتى، ولم أجد عند الكثيرين من أصدقائى ممن يعملون بمجال المحاسبة والبنوك إجابة شافية، وقررت أن أقرأ عن الاقتصاد فى كوكب اليابان بصفة خاصة، لعلى أجد إجابة علمية دقيقة وواضحة على سؤالى، لا وهذا أمر صعب جدا فتقريبا كل الكتب التى تتحدث عن اقتصاد اليابان بصورة مباشرة. لم أجد بها إجابة شافية.!
وأخيرا وبعد عام تقريبا من عودتى وجدت ضالتى .. حيث تمثل اليابان مع الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب من 40% من إجمالى الإنتاج العالمى، وقد أثار التقدم الاقتصادى الكبير لليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار الشركات العالمية عدة تساؤلات عن العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، ودور الحكومات المتعاقبة فى كلتا البلدين فى تقوية أو إعاقة هذه المنافسة.
 
ورغم أن المواجهات الاقتصادية بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية قد احتدمت منذ 1985م، وكان الهدف هو إرغام اليابان- باسم الحرية التجارية- على الانفتاح، وفك سياج الحماية المجتمعية التى تصون اقتصادها - والتى لمستها بعيناى فى المولات التجارية بطوكيو من إقبال اليابانيين على شراء كل ما هو يابانى فقط- حيث وافقت الدول الصناعية الخمس الكبرى على العمل معا لخفض سعر الدولار مما كان له أثر خطير على الاقتصاد اليابانى، رغم ذلك، ورغم تذبذب معدلات النمو، فلقد استمر الاقتصاد اليابانى يحتل المرتبة الثانية فى العالم، وبلغ إجمالى الناتج القومى لليابان فى 1986م نحو 1958.5 بليون دولار أو 335.84 تريليون ين يابانى. 
 
ولقد لعب الفائض اليابانى دورا فى سداد العجز التجارى للولايات المتحدة فى الثمانينيات من القرن الماضى، وخلال تلك الفترة شهدت اليابان أكبر رواج للمضاربة فى تاريخ العالم، وبلغت أسعار الأسهم والعقارات ذروتها ففى آخر يوم من أيام عام 1989م بلغت قيمة الأسهم فى الأسواق اليابانية خمس القيمة الإجمالية لجميع الأسهم التى تم تداولها فى أسواق العالم كافة، وبلغت قيمة العقارات والأراضى فى اليابان أربعة أمثال قيمة العقارات والأراضى فى الولايات المتحدة الأمريكية كافة، وقد ساعدت على ازدياد اشتعال هذه المضاربات المحمومة تلك القروض الضخمة التى قدمتها بنوك اليابان التى خدعت نفسها بأن قروضها فى أمان؛ لأن أسعار الأراضى لم تهبط أبدا قبل ذلك فى اليابان، وأن كل قروضها كانت مضمونة بعقارات.
وعندما انفجرت الأزمة فى عام 1990م وقعت البنوك فى اضطراب وأصبحت عشرات منها مفلسة من الناحية الفنية وأصيبت اليابان بخسائر كبيرة فى الاستثمار وخاصة فى قطاع الخدمات والعقارات بحلول عام 1991م، الذى انعكس سلبا على الاقتصاد اليابانى فى مختلف المجالات طوال عقد التسعينيات مع تعرض تلك القطاعات لأزمات ركود أو مضاربات حادة.
 
ثم فرضت أمريكا ضريبة غير مباشرة على اليابان-التى كانت تستثمر أموالها بتلك الدول- عن طريق التلاعب بأسعار العملات الآسيوية لحلفاء اليابان الاستراتيجيين فى آسيا ( دول النمور الآسيوية الخمس : كوريا، تايلاند، ماليزيا، اندونيسيا، الفلبين) خلال عامى 1997،1998م، مما استوجب دعم اليابانيين لتلك الدول بعشرات المليارات من الدولارات ذهبت جميعها لدعم الاقتصاد الأمريكى . وهذا معناه ببساطة أن انخفاض قيمة الين أمام الدولار متعلقا بالسياسة أيضا وليس بالاقتصاد فقط، بعد الاعتراف باليابان كقوة اقتصادية عظمى فى العالم فى مواجهة الهيمنة الأمريكية العالمية وخاصة فى منطقة جنوب شرق آسيا. وفى الوقت الذى نرى دول العالم من حولنا وقد وضعت صور الملوك والزعماء على عملتها المحلية مثل:
 صورة الملك عبد العزيز على العملة السعودية، وصورة كمال اتاتورك على العملة التركية، وماوتسى تونج على العملة الصينية، وسيمون بوليفار على العملة الفينزولية، وفرانكلين على العملية اﻷمريكة. وفى مصر كانت صورة الملك فاروق عام 1911م.
 


نجد الشعب اليابانى يقدم نموذجا مغايرا لفكر هذا العالم.! 
فيقدم لنا نموذجا لقيمة العلم: فيضعوا صورة المعلم / فوكوزاوا يوكيتشى Fukazawa Yokkaichi (1834-1901م) على الفئة الورقية اﻷكبر قيمة فئة 10000 ين – بدأ التعامل بها فى 1 نوفمبر 1984م - وهو واحد من رواد التعليم الحديث فى اليابان رافق الوفود والبعثات التى أرسلتها حكومة "توكو جاوا" إلى أوروبا وأمريكا ثلاث مرات،بعد قيام حكومة "ميجى" لم يقبل العمل فى الوظائف الحكومية،واتجه إلى العمل المدنى فأنشأ عام 1858م مدرسة خاصة صغيرة، صارت نواة لأشهر الجامعات اليابانية الخاصة بعد ذلك وهى جامعة "كيو". شارك فى جماعة "العام السادس من ميجى" وساهم من خلال إصداراتها فى نشر أفكار التنوير والانفتاح على الغرب، ومن أعماله: أحوال الغرب، دعوة إلى العلم،مدخل إلى نظرية الحضارة، ونظرية الخروج من آسيا.
  
 
  
ويضعوا صورة تمثل مؤلف القصص والروايات الكاتب ايشيو هيجوشى


 Ichiyo Higuchi على فئة الـ 5000 ين.
 
 
  
وصورة تمثل الطبيب هيديو نوجوشى Hideo Noguchi على فئة الـ 1000ين.
 
 
 
لتتطابق القيمة المادية والقيمة اﻷسمية لكل من أسهم فى نهضة اليابان الحديثة.
إن تفضيلهم للمعلم والمفكر يعكس أولويات هذا الشعب، وإيمانه بقيمة العلم فى بناء دولته الحديثة، فلم يضع صورا لقادة عسكريين بقيمة "توجو هيهاتشيرو" (1847-1934م) وهو قائد القوات البحرية المنتصر فى الحرب اليابانية الروسية، والذى استطاع تدمير أسطول البلطيق الروسى فى معركة بحر اليابان 1905م، وصار بطلا قوميا.
ولم يضع صورا لرجال أعمال واقتصاد حتى ولو بقيمة "شيبوساوا إيئيتشى" (1840-1931م) الذى أسس بنوكا وشركات يقال إن عددها يربو على الخمسمائة شركة فى مجالات مختلفة.
 
وقد علمتنى تجربة تغيير العملة اليابانية الكثير والكثير، ويمكننى القول أن مفتاح تفوق هذا الشعب يرجع إلى نظرتهم الدقيقة والواضحة لأمور حياتهم وأولياتها، وأن ضيق العينين يقرب اﻷشياء بدرجة كبيرة ويضعها فى متناول يدك.وإن اﻷخطر على اﻹنسان هو أن يضيق عقله.!!
 
يذكر الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين أنه تعرف بحكم المهنة كصحفى على الملحق الصحفى الشاب فى سفارة اليابان بالقاهرة، وعرف منه بالمصادفة يوما أنه يواظب على حضور حصص اللغة العربية فى مدرسة المنيرة الثانوية فى شارع المبتديان. ودهشت. وقلت له إن هناك وسائل أخرى أسهل لتعلم العربية بالنسبه له. وقتها قال لى: إنه حقا مبعوث ليعمل ملحقا صحفيا لليابان فى مصر. ولكن مطلوب منه شيئا آخر, هو دراسة اللغة العربية دراسة دقيقة عميقة تمكنه من أداء غاية معينة بعد سنوات وهى: ترجمة كتاب "مقدمة أبن خلدون" إلى اللغة اليابانية.
 
فإذا كنا لا نستطيع أن نصل إلى ما وصلت إليه اليابان فى الوقت الحالى، ونأمل أن نصل إليه فى المستقبل فلا أقل من أن نضع صورا تمثل علماء مصر على أوراقنا النقدية فنجد صورة د.مجدى يعقوب والعالم المصرى النابغة على مصطفى مشرفة ود.نبوية موسى ود.أحمد زويل ورائد الاقتصاد المصرى طلعت حرب وغيرهم الكثير ليعلم النشء قيمة العلم ودوره فى استنهاض الأمم.
 
 
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع