أفكار

العرب.. وتاريخ الفُصحَى

مِن السهلِ الآنَ أن يُطلَق لفظُ "العرب" فينصرِفُ الذهنُ جغرافيًا إلى بعضِ دولِ الوطنِ العربى فى آسيا وإفريقيا، لكن قديمًا وتاريخيًا لم تَكُن كلمةُ "عرب" دالةً إلا على معنَى البدوِ والبداوة، ولم تَكُن تُطلَقُ إلا على سُكَّانِ شِبهِ الجزيرةِ العربيةِ وبعضِ مناطقِ الشامِ والعراق حتى أشرَقَ الإسلامُ واستطاعَ المُسلِمونَ غزوَ بلادٍ وأقاليمَ تحوَّلتْ بمرورِ الوقتِ وانتشارِ لغةِ الغالِبينَ إلى مناطقَ وأقاليمَ عربيةٍ ليتَّسِعَ مَفهومُ العربِ جغرافيًا إلى ما استقَرَّ فى الذهنِ والعيانِ حتى يومِنَا هذا.
 
وإذا كانتْ شِبهُ الجزيرةِ العربية موطنَ العربِ فإنَّ القدماءَ كانوا يَذهبونَ إلى أن هناكَ جنوبًا وشمالا لعربِ تلك الجزيرة، وكانوا يُطلِقونَ على عَرَبِ الجنوبِ اسمَ "القَحطَانِيين" ويَرونَهم أصلَ العربِ ولغتَهم العربية، بينما كانوا يُطلِقونَ على عَرَبِ الشمالِ اسمَ "العَدنَانِيين" ويَرونَهم "مُستَعرِبين" أخذوا لغتَهم عن القَحطانِيينَ وهى اللغةُ التى يقولون إن القرآنَ نزَلَ بها.. وهو الأمرُ الذى أثارَ جدلا كبيرًا بين الباحثينَ المُستشرقين وهُم يُقارِنونَ بين لغةِ القَحطانيين والعَدنَانيين ليكتشِفوا بفضلِ كثيرٍ من النقوشِ والنصوصِ التى تَمَّ العثورُ عليها اختلافاتٍ كثيرةً بين لغةِ عرَبِ الجنوبِ ولغةِ عَربِ الشمال، الأمرُ الذى كان واحدًا مِن أهمِّ أسبابِ ذيوعِ وانتشارِ ما سُمِّى بقضية الانتحالِ فى الشعر الجاهلي، حيث إن الشعرَ الذى وصَلَنا كلُّه وصَلَنا بلغةٍ عربيةٍ واحدةٍ ضَمَّتْ شُعَراءَ من الشمالِ وشُعَراءَ من الجنوب، وقِيلَ إن مَا تردَّدَ مِن اتخاذِ اللغةِ العربيةِ لغةً أدبيةً واحدةً للفريقيْنِ يُمكِنُ فَهْمُه بعدَ نزولِ القرآنِ لا قبلَه. ولا يَعنينا الآنَ الخوضُ فى تفاصيلِ قضيةِ الانتحالِ بِقَدْرِ ما يَعنينا أصلُ تلك اللغةِ وكيفَ نَشأتْ وتَطَورَتْ.
 


والحَقُّ أنه إلى الآن يَصعُبُ على باحثٍ أن يَقطعَ برأى مُحَددٍ فى أصلِ اللغةِ العربيةِ؛ فكلُّ النقوشِ والنصوصِ الأركيولوجيةِ التى تَمَّ العثورُ عليها خاصةٌ بالفترةِ التاريخيةِ مَا بَيْنَ أواخرِ القرن الثالث إلى القرن السادس الميلادي، وهى نصوصٌ ونقوشٌ تؤكدُ أن الخَطَّ العربى نَشَأ شَمَالَى الحجازِ متطورًا عن الخَط النبطي. ويمكِنُ الزعمُ أن الخَطَّ العربى أخَذَ صورتَه النهائيةَ فى أوائلِ القرن السادس الميلادي.. وهو ما أكدتهُ تلك النقوشُ التى عَثَر عليها عددٌ من علماءِ السامياتِ شَمَالَى الحجاز على طولِ طريقِ القوافلِ إلى دمشقَ، وأهم هذه النقوش حَجَر عُثِر عليه سنة 270 م فى قرية أم الجمال غربَى حوران، ثم حَجَر آخر سُمِّى نقش النمارة تم اكتشافه سنة 1901 كان مؤرَّخًا بسنة 328 م وهو خاصٌ بامرئ القيس ثانى ملوكِ الحِيرةِ يقول "هذا قبرُ مَلكِ العرب" وهو الأمرُ الذى يَشى بأن تلك الفترةَ شهِدتْ إحساسَ العربِ بكيانِهم ورغبتَهم فى وحدةٍ سياسيةٍ تَجمعُهم خاصةً مع وجودِ قوتَى الرومِ والفُرسِ الذيْنِ فَرَضَا نفوذَهما على كثيرٍ من المناطقِ العربيةِ فى سلع وتدمر، وفى الحِيرةِ فى الشمال، كما هاجَمَ الحبشُ اليمنَ واستولوا عليها فى الجنوب فى منتصف القرن الرابع تقريبًا، فيمكِنُ الزعمُ أن كلَّ هذه الأحداثِ دَفَعتِ العربَ للبحثِ عن هويتِهم ومن الطبيعى أن تأتى اللغةُ على رأسِ ذلك البحث.
 
بَدَأ الاهتمامُ بِمَكَّةَ وتَحوّلِ القوافلِ التجاريةِ إليها، وكان مِن الطبيعى أن تنموَ الشخصيةُ اللغويةُ للعربِ الشماليين تحديدًا خَطًا ونُطقًا وهو ما تؤكِّدُه عدةُ نقوشٍ أخرى ظهرتْ كنقشِ زيد المؤرَّخ بسنة 512 ميلاديًا، ونَقْش زبد خربة اللذيْن يؤكدانِ بخطوطِهما وتفاصيلِهما اقترابَ الملامحِ مِن اللغةِ العربيةِ الفُصحَى ... فضلا عن نقشِ حران اللجا المؤرَّخ بسنة 568 م وقد وُجِدَ جنوبَى دمشقَ، وكلُّ كلماتِه عربية. 
 
وقد دَلَّ تاريخُ العربِ وتاريخُ الأدبِ فيه أن العربَ أمةٌ صناعتُها الكلام ومَفخرتُها البيان، ولم تَجِد وسيلةً لتسجيلِ انتصاراتِها أو لتخليدِ مَآثرِها أو للتغنِّى بأمجادِها وذِكرِ أفراحِهَا وأتراحِهَا إلا الشعرَ تُنشِدُه وتَروِيه؛ إذْ كان حَظُها مِن تَجلياتِ الحضاراتِ الأخرى كالرسمِ والنقشِ والكتابةِ ضئيلا، فإذا أَضَفنا إلى ذلك طبيعةَ المُحيطِ الجغرافى الذى عاشَ فيه العربُ قديمًا حيث الصحراءُ المتراميةُ، والفضاءُ المفتوحُ، وقِلةُ العُشبِ والكلأ، وندرةُ الماءِ والزاد، كان طبيعيًا أن نَفهمَ كيفَ نَشَأ الشعرُ عند العربِ الذين كان الرصدُ والتأملُ أهمَّ مَلمَحَيْنِ مِن ملامحِ الحياةِ المفروضةِ عليهم، بعدَ أن كان العربى القديمُ مُضطرًا اضطرارًا إلى أن يُصغِى إلى مفرداتِ مُحيطِه مِن تَناوُحِ الرياحِ وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ وتَساقُطِ المَطر.. كلُّ ذلك فى وتيرةٍ واحدةٍ وإيقاعٍ ثابتٍ لا يتغير. ولَنَا أن نَفترِضَ أن العربى القديمَ بدأ يُصغِى لموسيقى الكونِ أو الحياةِ مِن حولِه ليُهَمْهِم بعدَها بكلماتٍ نثريةٍ لم تَلبَثْ أن تَحوَّلتْ على ناقتِه أو فَرَسِه لإيقاعاتٍ منتظمةٍ رُبَّما ارتبطتْ أيضًا عندَه برغبتِه فى الغِنَاء، وقد وَردَ أن العربَ الجاهليين كانوا يُغنون أشعارَهم، ولم يَكُن مِن الغريبِ أن يُطلِقوا على شاعرِهم الأعْشَى مَثَلا لقبَ "صَنَّاجَة العرب" ولا أن يُنشِدَ حسانُ بن ثابت قائلا:
تَغَنَّ بالشعرِ إمَّا كنتَ قائلَه ... إنَّ الغناءَ لهذا الشعرِ مضمارُ
ولعلَّ ارتباطَ مفردةِ "الإنشاد" بالشعرِ تُفَسِّر تلك الصلةَ بين الشعرِ العربى والغِنَاء.
 


وقد يقولُ مؤرخو الآدابِ إن هذا الشعرَ الذى وصَلَنا عن العربِ يعودُ إلى قرنٍ ونِصف قبْلَ الإسلامِ، وهو ما لا يَتَّفِقُ بالطبع مع وصولِ هذا الفنِ بصورتِه المكتملةِ إلينا؛ فلا بُدَّ أن تكونَ له أسبقيةٌ تاريخيةٌ أطولُ مِن ذلك. لكنَّ النصوصَ والنقوشَ ما تزالُ شحيحةً وقليلة، ولقد ورَددتْ بِضعُ أبياتٍ على لسانِ عددٍ مِن شعراءِ الجاهليةِ تَشِى أنهم أَنشَدوا أو عَرَفوا أسماءَ شعراءَ ساروا على مِنوالِهم دونَ أن تتوفَّر لَدَيْنَا معلوماتٌ كافيةٌ عن هؤلاءِ الشعراء، فهذا امرؤ القيس يقول:
" عُوجَا على الطللِ المُحيلِ لعلَّنَا ... نَبكى الديارَ كما بَكَى ابنُ خِذام "
دونَ أن نَعرِفَ مَن هو ابنُ خزامٍ هذا؟
ويقول زهير بن أبى سلمى:
"مَا أَرَانَا نَقولُ إلا مُعارًا ... أو مُعادًا مِن قولِنا مَكرورا"
كما يقول عنترة بن شداد:
"هلْ غادَرَ الشعراءُ مِن متردَّمِ؟"
 
إلى أن استقرتْ فى الذاكرةِ العربيةِ وفى الذائقةِ أيضًا الصورةُ النهائيةُ لشعرِ الفُصحَى عندَ العربِ بِتَجَلِّيهِ فيما اتفقَ عليه باسمِ "المُعَلَّقَات" فضلا عن بعضِ مَصادرِ هذا الشعر كالمُفضَّليات والأصْمَعيَّات، ولا يمكِنُ فَهْمُ واستيعابُ هذا الحضورِ الطاغى لشعرِ الفُصحَى العربى فى التراثِ إلا بِفهمِ واستيعابِ المزاجِ العربى الذى يمكِنُ وصفُه بأنه كان مزاجًا لُغَويًا بطبيعتِه كما يقول المستشار عبد الجواد ياسين فى كتابِه "السلطة فى الإسلام":
"إن المزاجَ العقلى العربى كان مزاجًا لُغويًا بطبيعتِه، فهو يبدو لنا حين نقرأ فى تراثِه الأدبى الأولِ لا سيما الشعر، كما لو كان يُحِبُّ اللغةَ لذاتِها. كانت اللغةُ بالنسبةِ له أكثرَ من وسيلةٍ ضروريةٍ للتعبير. لقد كانت هى فى ذاتِها فَنَّه الأثيرَ، وكان هو على وعى شعورى بهذه الحقيقة، يُدرِكُ على نحوٍ مِن الأنحاءِ أن اللغةَ هى مجالُه الحيوي، أو هى تَخَصصُه الدقيق إنْ صَحَّ هذا التعبير".
هَكَذَا نَشَأتِ اللغةُ عندَ العربِ، وهَكَذَا انبثَقَ مِنها شِعرُها الفَصيحُ الذى حافَظَ عليه أفذاذُ وعباقرةُ العربِ باتِّجَاهِهم فى فترةِ التدوينِ لحفظِ مفرداتِ هذه اللغةِ مُتَّخِذينَ الشعرَ بالطبعِ مَرجعًا ومَصدرًا لهم، وكان طبيعيًا أن تتطوَّرَ الفُصحَى وتتأثَّرَ بالفضاءِ الإسلامى لتعودَ مُحافِظةً مَرةً أخرَى على أصالتِهَا وجَزَالتِهَا فى العصر الأموي، ولِتَبلُغَ أوجَ نشاطِها وتألقِهَا فى الفترةِ الأندلسيةِ ثم بعدَ ذلك فى العصرِ العباسي. 
 

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع