أفكار

الحج إلى البيت العتيق ..

من قوص إلى عيذاب إلى جدة.. الطريق للحبيب

-
 
-

فلما خرج مع رفاقه‏,‏قاصدين بيت الله‏,‏ مروا علي قرية فوجد امرأة تبكي جوع أطفالها‏,‏ فأعطاها كل ما معه‏,‏ وتخلف عن ركب أصحابه‏,‏ثم استحي أن يعود إلي قريته‏,‏ فيسأله الناس لماذا لم تحج؟
فبقي خارجها حتي عاد الحجاج, فلما ظهر, كانت المفاجأة أن كل رفاقه الذين ذهبوا إلي مكة والمدينة استقبلوه محتفين به وكلهم يسأله: لماذا تركتنا في المدينة المنورة هذه هي القصة الشهيرة في الصعيد وربما في قري مصر كلها,عن الرجل الذي لم يحج لأنه دفع كل أمواله وهو في طريق الحج للفقراء,لكن السماء كافأته بحج قلبه الذي تجسد في رؤية زملائه له في المناسك المقدسة.. وهم يسألون لماذا تركتنا في المدينة وكان قد تركهم في مصر ولم يطأ الأرض الحجازية.
كان أفقر أهل القرية صابر لا ينام قبل أن يتمتم:
إن زاد علينا الشوق.. نبعت لك سلام مع مين؟
ورغم أن حجاجا كثيرين مروا عليه في حياته إلا أنه لم يطلب من أحد أن يحمل سلامه إلي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم, أملا في أن يأتي يوم يذهب فيه بنفسه إلي الروضة الشريفة....
ومرت السنون كثيرة وطويلة, حتي مرض صابر مرض الموت, فتساند علي نفسه حتي وصل إلي بيت الشيخ كريم الذي كان يستعد للسفر حاجا, وأبلغه أن يحمل سلامه للنبي والنبي سلامي للنبي..
ولما عاد الحاج كريم راح لصابر يبلغه أنه وصل الأمانة قائلا جملة واحدة: والنبي بيبلغك سلامه..
وفي هذه اللحظة راحت روحه لبارئها..



تحكي مثل هذه القصص دائما في الصعيد مع اختلاف التفاصيل ومع نسبتها لغير شخص, لكن المعني واحد أن الحج لله.. قد يتحقق في مسحة كف علي رأس يتيم او إغاثة ملهوف أو إنقاذ مريض.. فالحج أعظم من كونه ما صار إليه الآن حجا سياحيا أو غير سياحي.. ثم أن الحج حج قلوب وأرواح قبل أن تشد الأجساد الرحيل...
وهناك جملة سمعتها صغيرا, ولا أزال غير قادر علي معاينتها, إذ لما رجع الحاج إسماعيل من رحلة الحج, قالت له زوجته: اسم الله عليك يا حاج.. ربنا حقق لك أمنيتك.. وشفت بيت الله..
فرد: بل البيت هو الذي رآني..
وقد أستطيع أن أزيد قصصا وجملا سمعتها,عن ومن الحجاج القدامي في الصعيد, وما رافقها من مكاشفات ومكابدات روحية, تهون معه مشقة السفر الطويل, إلي بيت الله, لكن هذا حديث آخر- وإن قدمت ببعض منه, فلأني أجد غيره كمفتتح ومنتهي لأسفارهم لبيت الله والتي كانت بواسطة قوافل الدواب من قنا إلي قوص ثم إلي البحر الأحمر ليتجاوزوه إلي الأراضي الحجازية ثم يستخدمون القوافل مرة أخري إلي مكة والمدينة في رحلة تتجاوز أحيانا الأربعة أشهر..
وقد كان طريق الحج المصري من أهم طرق الحجيج كما يقول المؤرخون نظرا لأنه يجمع إلي جانب حجاج مصر أولئك الوافدين للحج عن طريق شمال إفريقيا أو المغرب العربي, وكان هذا الطريق يسلك أحد مسارين, يمتد أولهما من القاهرة شرقا حتي السويس ثم عبر سيناء الوسطي إلي نخل فالعقبة علي رأس الخليج, ثم يسير محاذيا للساحل الشرقي للبحر الأحمر حتي يصل إلي مكة المكرمة, وأما المسار الثاني فكان يأخذ اتجاها إلي الجنوب ملتزما نهر النيل من القاهرة حتي قوص إلي الجنوب من جهة ثنية قنا وبعد ذلك يتوجه عبر الصحراء الشرقية في اتجاه إلي الجنوب الشرقي ملتزما بعض الدروب والأودية الصحراوية حتي يصل إلي عيذاب قرب الحدود المصرية السودانية الحالية, وعندها يعبر طريق البحر الأحمر وصولا إلي جدة ومنها إلي مكة المكرمة وكان طول المسار الأول يصل إلي حوالي1500 كم وطول المسار الثاني بين القاهرة وعيذاب حوالي1200 كلم, وكانت الرحلة تستغرق ما بين شهر وأربعين يوما علي أي من المسارين, في الأول حتي مكة المكرمة وفي الثاني حتي عيذاب قبل عبور البحر الأحمر.
أما إذا استخدمت وسائل نقل سريعة من الخيل أو الإبل فقد يتم قطع الطريق في أحد عشر يوما في المسار الأول من بركة الحاج إلي مكة المكرمة.



وكما يقول د. عطيه القوصي في دراسته الرائعة: طريق الحج المصري علي البحر الأحمر عيذاب هي بداية الطريق إلي الحج من مصر وبلاد المغرب والأندلس وأوروبا, فهي مدينة وميناء نشأ علي الشاطئ الغربي للبحر الأحمر, واستمد شهرته منذ القدم, أيام الفراعنة.
ولقد ارتبطت بميناء عيذاب مدينتان مهمتان في تلك العصور, وهما مدينتا أسوان وقوص عبر طريقين بريين داخل الصحراء الشرقية, الأول من أسوان إلي عيذاب عبر وادي العلاقي, وهو الطريق الذي سلكه الرحالة الفارسي المسلم ناصر خسرو سنة442 هـ/953م, وقد ذكر هذا الرحالة طول هذا الطريق بمائتي فرسخ, أي ستمائة ميل, قطعه في خمسة عشر يوما. أما الطريق الثاني فهو طريق عيذاب قوص, وهو الطريق الذي سلكه الرحالة الأندلسي ابن جبير, وذكر أن مساره فيه استغرق منه عشرين يوما.كذلك فإن عيذاب ترتبط بطريق بري إلي ميناء سواكن السوداني علي البحر الأحمر الذي يقطعه المسافر في تلك الأيام في عشرة أو أحد عشر يوما, وهو يقع علي خط عرض.
وكان ميناء عيذاب هو بداية الرحلة البحرية إلي بيت الله الحرام, وهو أهم الموانيء المصرية علي البحر الأحمر, وكانت ترد إليه مراكب الهند واليمن وتغادره بالإضافة إلي مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وقد ظل هذا الميناء طريق الحج الوحيد إلي مكة لفترة زمنية طويلة وكان الحجاج من قنا وسوهاج وأسيوط وأسوان وغيرها من بلاد الصعيد يعلنون عن نية الحج قبل سفرهم بثلاثة أشهر يزورون فيها ويتزاورون مع الأهل والأقارب في القري المجاورة, وفي ال3 أشهر تقام الأفراح والأغاني التي ما زال بعضها يتردد حتي الآن ومنها:
رايحة فين يا حاجة. يا امو شال قطيفة
رايحة ازور النبي محمد.. والكعبة الشريفة



ومن المثير أن أغلبية الأغاني كانت تدور حول الحاجة وليس الحاج رغم أن خروج المرأة عموما حتي ولو من بيت زوجها لبيت أبيها كان وربما لا يزال أمرا صعبا, ويبدو أن مؤلفي أو مؤلفات تلك الأغنيات كانوا يجدون في حج المرأة دلالات لها مغزي وفرحا بخروج يناقض القيود المفروضة علي المرأة وهو خروج مبرر بقدسية الرحلة, كما أن حج المرأة كان يدل علي عزتها وشرفها بين أهلها...
وعامة كان الحجاج يخرجون من بلادهم ويتجمعون في قوص مارين بالعديد من المدن والقري علي ضفتي النيل ـ التي كانت تمتاز بكثرة أسواقها ومرافقها وكانت ملتقي الحجاج والتجار من مختلف الأنحاء. وينتظرون بعض الشيء في قوص تمهيدا لانتقالهم إلي ميناء عيذاب علي البحر الأحمر بعد أن يتزودوا بما يحتاجون إليه, ويتجمعوا في المبرز ـ قبلي قوص ـ وهناك يتم وزن أمتعتهم وأثقالهم لتقدر الأجرة عليها حيث تحمل أصحابها علي ظهور الإبل حيث يمكن استخدام غيرها من وسائل النقل عبر الفيافي المقفرة التي تقل فيها المياه, وكان أصحاب الجاه والثراء يركبون الشقاديف ـ وهي أشباه المحامل ـ وأحسن أنواعها اليمانية وهي مجلدة متسعة, يوصل الاثنان منها بالحبال الوثيقة, وتوضع علي الإبل, ولها ذراع قد حفت بأركانها ويكون عليها مظلة, فيكون الراكب مع عديله في وقاية من لفح الشمس المحرقة خصوصا وقت الهاجرة, ويجلس في مكان أو يتكيء, دون أن يشعر بالتعب, ويتناول أحيانا مع عديله الطعام, أو يقرأ في مصحف أو كتاب, أو يلعب الشطرنج مع عديله إذا أحبا اللعب للترويح من عناء السفر.
أما أغلب المسافرين فكانوا يركبون فوق الأحمال, ويقاسون من ذلك كثيرا لشدة الحر الذي يشبه السموم.



وبعد الانتهاء من الإجراءات يقلع الحجيج من المبرز إلي عيذاب عبر الصحاري القفرة في حوالي ثمانية وثلاثين يوما, وبعد تلك المعاناة التي كان يلقاها الحجاج في عيذاب يركبون الجلاب إلي جدة والجلاب هو نوع من المراكب التي كانت تسير في المحيط الهندي والبحر الأحمر, ومفردها جلبة, وهي عبارة عن قارب كبير أو قنجة مصنوع من ألواح موصولة بأمراس ألياف النارجيل, وقد استعملها أهل مصر والحجاز واليمن في نقل الحجاج والأزواد.



وكان الحجاج يلقون الأهوال في البحر الأحمر من عيذاب إلي جدة بسبب عواصفه, وكان ربان الجلبة الذي يسمونه الرائس يستدل علي الطريق ببعض النجوم, وكثيرا ما كانت تغرق تلك الجلاب في البحر, ويصل الحجاج إلي جدة بعد معاناة ثمانية أيام, ويبدو أن عملية الرسو في ميناء جدة كانت بالغة الصعوبة وكانت تحتاج إلي مهارة خاصة من رؤساء الجلاب, وقد وصف ذلك ابن جبير وصفا يدل علي الإعجاب بقوله: ويصرفونها ـ أي السفن ـ خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان, السلس القياد, ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
ثم يعودون بنفس الطريقة من جدة إلي عيذاب متجاوزين البحر الأحمر ومن عيذاب إلي بلادهم ليرجع الحاج إلي بيته الذي يكون مستعدا بمظاهر احتفالية كثيرة اهمها إعادة طلاء البيت من الخارج وإظهار الرسومات الشهيرة مثل السفن والجمال والكعبة التي تعني أن الحاج.. حج وزار بيت الله الحرام.. ليصبح بعد ذلك علامة في القرية كلها.

(7 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع