أفكار

روح أى قضية ودليل للإثبات والنفى..

الطرق الفنية والأحراز الأثرية فى كشف جرائم تهريب الآثار

فى منتصف القرن التاسع عشر، انتشرت أعمال التنقيب عن الآثار فى كل ربوع مصر، ووجدت الكثير من كنوزنا الأثرية طريقها إلى السوق فى الخارج، حتى أن أيسر السبل للحصول عليها كانت عن طريق شرائها من التجار- كانت التجارة فى الآثار مسموح بها قانونا حتى عام 1983م- ويتطلب هذا النوع من التجارة خبرة تختلف عن تلك التى كانت تتوافر لدى المنقب الميدانى، إذ أن الحاجة لم تكن للاكتشاف وإنما للتمييز بين الأصلى والمزيف منها، وأصبح المزيفون المقلدون فى ذلك الوقت، يتمتعون بمهارة فائقة وحذق يبلغ حدا كبيرا من الدقة، فكانت "الجعارين"على سبيل المثال تنتج بالمئات فى حجرات خلفية فى محال الأقصر، وكان يتم إخفاؤها بحذق بطلاء رقيق مصنوع من الخرز المهشم الذى يوجد بين أربطة المومياوات، وكانوا يضيفون إليها مسحة الزمن والقدم عن طريق إطعامها للديوك الرومية، إذ يبدو أن جهازها الهضمى يؤثر فى لون الجعارين أو الآثار فتبدو وكأنها قد دفنت تحت الأرض لمدة ألفى عام !
 
وكانت أفضل طريقة لضمان أصالة وصحة قطعة أثرية مصرية هى التنقيب عنها واستخراجها من الأرض، فكانت المتاحف والملوك والحكومات والأفراد على حد سواء يقومون بتمويل الحملات بهدف وحيد، هو اقتناء الكنوز التى لا يرقى الشك فى أصلها لأنها استخرجت من باطن الأرض. 
 
وعلى الرغم من وجود أجهزة فحص حديثة للآثار الآن مثل.
جهاز التحليل بأشعة التحليل بأشعة التفلور"إكس راى فلورسنس"، وجهاز التصوير بطيف الأشعة فوق البنفسجية "ألترا فيلوت"، كذلك الميكروسكوب الضوئى وغيرها من التقنيات الحديثة للكشف عن الآثار إلا أن هذه الأجهزة غير متوفرة فى المناطق الأثرية ولا توجد إلا فى المتحف المصرى بالتحرير فقط.

الحرز قانونا:
الأحراز.. روح أى قضية، إذ تُعد أقوى دليل لإثبات، أو نفى التهم عن مرتكبى الجرائم، إرهابية كانت أم جنائية، فهى تصاحب المتهم سنوات طويلة، فبها تبدأ القضية رحلتها منذ لحظة الضبط، حتى وصولها إلى آخر مراحل التقاضى أمام محكمة النقض، وبدونها تصبح القضية فى إطار العدم، وباختفائها تتعرض الجهة المسئولة عن تأمينها للمساءلة القانونية.
وتختلف الأحراز حسب طبيعة كل قضية والجهة المختصة بضبطها، بدءًا من الأسلحة الثقيلة، وصولًا إلى أبسط الأحراز مثل الكتب والمواد الغذائية.
 
الأحراز الأثرية..
إن فحص الأحراز الأثرية من أهم مهام الآثاريين، وذلك لتمييز الأصيل من الدخيل، والحقيقى من الزائف من الأحراز الأثرية أو الشبية بالأثرية، وذلك بهدف الحفاظ على تراثنا من الضياع بأحد الأساليب غير المشروعة، بالإضافة إلى استبعاد الآثار المزيفة أو المقلدة حتى لا تثير تشوشا لدى الدارسين.وبرغم خطورة وأهمية عملية فحص الأحراز الأثرية، إلا أننا نفتقد إلى مادة علمية مكتوبة عن الطرق الفنية والأساليب العلمية لمعاينة وفحص الأحراز الأثرية، بحيث يمكن أن يطلع عليها الآثارى المكلف بهذا العمل لتساعده على اتخاذ القرار باطمئنان لا يعترية لبس، ولا يشوبه شك. 
 
أولا: المحاور التى ترتكز عليها معاينة الأثر..
 
- الحاسة الأثرية:
لما كانت حواس الإنسان هى وسائل إدراكه العقلى لكل ما يحيط به من أشياء، فعلى الآثارى أن يعتمد عليها ويوظفها فى المقام الأول، لأنها ستقرب له الطريق فى الحكم على قيمة الحرز من عدمها، وقد توفر له كثيرا من الوقت والجهد فى دراسة الحرز، إضافة إلى كون الحاسة الأثرية عاملا مهما فى بعث اطمئنان الآثارى إلى قراره فى الحكم.
ولا شك أن هذه الحاسة تنمو وتتزايد مع الخبرات المتراكمة للآثارى فى المواقع الأثرية والمتاحف، ومن معايشته الدائمة للآثار، ولا تتأتى من مجرد الدراسة النظرية فى المرحلة الجامعية أو غيرها.
كذلك فإن للقطع الأصلية طابعا خاصا يجعل لها تأثيرا غير محسوس فى نظر من يراها،  ومع اعتياد الآثارى الخبير فى التعايش مع الآثار ما يجعله يشعر بألفة معها تجعله- بسلطان الحواس-قادرا إلى حد كبير على التفرقة بين ما هو أصلي، وما هو زائف، غير أنه-وكما سبق القول- لا يجب الاعتماد كليا ودائما على هذه الحاسة (مع التسليم بأهميتها)، فما يدريك لعل أحد المتاجرين يبلغ من المهارة والدقة فى التزييف وأساليب الخداع ما يجعل القطعة المقلدة شبيهة بالقطعة الأصلية أو العكس، لذلك فلابد من الاعتماد على محاور أخرى يجب العمل عليها لتأكيد حكم ما تراه الحاسة الأثرية أو نفيه.
 
 
- مادة الحرز:
عادة ما تُصنع القطع المقلدة من مادة سهلة التشكيل (كالجبس، أو الحجر الجيرى) لأن المقلًد للقطع الأثرية لا بد وأنه يريد إنجاز عمله بوقت وجهد أقل، معتقدا أن شكل المادة أو نقوشها هو أهم ما يجب التركيز عليه.
وفى القطع المقلدة، عادة ما يميل المقلدون إلى صبغ مادة الصنع الأساسية (الجبس مثلا) ببودرة معينة أو طلاء لجعل الشكل النهائى للقطعة شبيها بمادة أثرية، وقد يتم تلوين القطعة بالتراب أو الطين لتفقد بريق حداثتها(كى تبدو قديمة)،  وقد يتم إحداث كسور بها فى مناطق معينة (ككسر جزء من تمثال أو لوحة، أو جعل حواف اللوحة غير منتظمة، أو ما شابه)، وهذا لا يمنع من أن يحاول بعض المقلدين الحصول على أحجار أصلية-غشيمه أى ليس مدون عليها أية نقوش أو كتابات- من المحاجر أو المواقع ثم نقشها بنقش حديث، فيبدو نوع الحجر مادة مقنعة للآخرين بأثرية القطعة؛وبذلك يكون أمامنا حجر قديم (أى أثرى) لكن لا قيمة تاريخية له، لكون مادته الفنية غير أصلية.

وفى القطعة الأصلية يميل المتاجرون إلى إخفاء معالم أصالتها بوسائل شتى بهدف إخفاء مادة الصنع من جهة، والتدخل بالطلاء يمواد معينة لتغيير شكل المادة أو ما عليها من طلاء أصلى، ولتوضيح ذلك نذكر ما قام به المهندس الألمانى لودفيج بورخاردت عام 1912م من أخفاء جمال وألوان التمثال النصفى للملكة "نفرتيتى" لتستولى عليه ألمانيا ويظل بمتحف برلين إلى الأبد. ففى 26 ديسمبر 1912 اكتشف عامل بسيط فى تلال اطلال تل العمارنة مابين ملوى وأسيوط تمثال الملكة المصرية الجميلة" نفرتيتى ".. وراح يصيح لأحد رجال البعثة الألمانية للتنقيب : والله ملون..تمثال حلو جوى ياولاد... حلو يا خوى.
ولم يكن العامل البسيط مبالغا عندما تطلع إلى ملامح التمثال النصفى الذى يرتفع 48سم وعرضه عند أعلى الصدر 19.5سم ..إذ كان أيضا ملونا تلوينا بديعا بسبعة ألوان:الأسود للحواجب و"بروزة" تكحيل العينين، والأزرق لتاجها، والأحمر لشفتيها، واللون الوردى البمبى لجلد وجهها وعنقها، ثم الذهبى والأخضر لزخرفة شرائط كانت من حول وخلف تاجها وتحته، والبياض داخل عينيها من حول "النينى" والذى ظهر جليا فى العين اليمنى..بينما اختفت قرنية العين اليسرى.
ومن هنا لابد لمن يقوم بمعاينة الحرز الأثرى أن يتعامل بحذر مع مادة الحرز من جهة، ومادة الأصباغ المستخدمة من جهة أخرى، فعليه إذن أن يكون على خبرة بطبيعة المواد المستخدمة فى صناعة الآثار الأصلية، لأن ذلك يؤدى بالطبع إلى امتلاك الآثارى لواحد من أهم معايير تقييم القطع محل المعاينة.
 
- المحاور الفنية لتقييم الحرز:
بعد التقييم الظاهرى للقطعة (من خلال الحاسة الأثرية، ودراسة مادة الصنع)، يجىء دور الدراسة العلمية والفنية لها، وذلك للحكم على قيمتها الأثرية من منظور علمى: ويعتمد التقييم العلمى والفنى للقطعة على أساس طبيعة القطعة ذاتها، فلكل نوع منها أسلوب فى التقييم، فقد تكون القطعة: تمثالا(حجريا، أو خشبيا، أو معدنيا)، وقد تكون القطعة : لوحة ذات نقوش(من مناظر، أو كتابات)، وقد تكون: عملات معدنية، ، أو نماذج من الفنون الصغرى (كالحلى بأنواعها، والجعارين، والأختام)، وبالتالى فإن تقييم كل نوع من الآثار سيكون له معاييره المحددة فى الحكم، ومن هنا تظهر لنا أهمية التخصص فى مجالات علم الآثار، فيجب أن يكون هناك متخصص فى الفخار مثلا، أو فى الفن المصرى القديم وسماته، وآخر فى العملات، إلى غير ذلك.
أما المحتوى الفنى للنقوش فيتطلب آثاريا له خلفية بالعقائد الدينية القديمة (للتعرف على صور الأرباب، وألقابها، ورموزهم، وأساطيرهم)، وكذا خلفية بالتاريخ القديم (لمعرفة أسماء الملوك، وقراءة الخراطيش، والألقاب الملكية)، كذلك لابد من وجود خبير فى قواعد الكتابات والخطوط القديمة (لقراءة النقوش من منظور فنى ولغوى).

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع