أفكار

السهرة

تاكسى السهرة.. فيلم السهرة.. سهرة اليوم.. سهرة رأس السنة.. 
كلها مصطلحات لا أقصدها.. فها أنذا أتأهب لموعد الإفطار، أجلس بين إخوتي، ومعنا أبى وأمي،" نتحلق حول الطبلية"، أجمل ما فى "الطبلية" دائريتها، وأجمل ما فى دائريتها حميميتها.
 
سينطلق مدفع الإفطار فى "الراديو"، ولكننا لن نفطر إلا على صوت المؤذن تحسباً لفروق التوقيت، لا أتمكن من جلسة القرفصاء، فأستحوذ على مساحة أكبر من حقى فى الجلسة، لكن الأمر مسموح بالنسبة لي، الآن أنقض على كوب "الكشك" هذا المشروب الساحر بالنسبة لي، وضعت أمى مساء الأمس "دورتين" كشك فى الماء، أى 6 قطع دائرية من الكشك، فـ "الدورة" تعنى رقم 3، والكشك نفسه، هو خليط من القمح واللبن "الرايب" الذى يسمى عندنا "الحادق"، يتم خلط القمح باللبن، وتشكيله على شكل كرة صغيرة، توضع تحت الشمس إلى أن تجف، أظن أن هذا المشروب أفضل بكثير من الوصفات التى أصبحت شائعة الآن.
 
بملابسى البيضاء أخرج مع أبى متوجهين إلى المسجد، نصلى العشاء والتراويح، وأثناء عودتنا أستأذنه لأنخرط مع أقرانى من أطفال الشارع لنلعب سوياً.
ساعة أو يزيد، ثم أتوجه إلى مندرة بيت خالى عبدالعال، هذه الغرفة التى تطل على الشارع، يجلس فى صدارتها الشيخ عبد العليم، يتلو آيات الذكر الحكيم، وفى المشهد أرى أقاربى بينهم أبى وخالى الحاج على رحمه الله، أبى وخالى الحاج علي، هم أبطال السهرة، حيث يتناقشون عقب الانتهاء من كل تلاوة حول تفسير بعض الآيات، وإعراب بعض الجمل، كلٌ لديه حجته، ومصادره، بينما الجميع منصتون رغبة فى التعلم، أو هروباً من الموقف الذى يستعصى على فهمهم.
 
تلك هى السهرة، كل عائلة من عائلات القرية أو معظمها يقيمون سهرة فى رمضان تبدأ مع اليوم الأول منه، وتنتهى بنهايته، قد تختلف أصول السهرة بين عائلة وأخرى، وما يثار من أحاديث خلال فترات التوقف عن قراءة القرآن، لكن الثابت أن العائلات تتزاور فيما بينها، كلٌ يحيِّى سهرة الآخر، وبالطبع فإن المشروب الأساسى هو الشاي، لكن ما أسعدنى حينا يزور السهرة وفد من قرية أخرى، حيث العصائر الطازجة التى يكون لى نصيب منها.
 


الشيخ عبد العليم لا بد أن يتسحر قبل أن يمضى إلى منزله، سحور الشيخ لا بد أن يكون "طبيخاً" ترافقه اللحوم أو الطيور، يا له من شيخ محظوظ.
أحب هذه العادة كثيراً، الجلسة التى يصدح فيها القرآن، ويحضر فيها العلم بجماله وألقه، بينما يتم التزاور الذى لا يخلو من مودة غامرة، صرت لا أترك السهرة تقريباً، بل أنتظرها بشغف عاماً تلو الآخر.
التخمة التليفزيونية فى قريتنا غير واردة، فهناك فقرات يومية أخرى، لدينا ما يشغلنا، فإذا عدنا إلى منازلنا رشفنا من الفن التليفزيونى ما لا يزيد على حاجتنا.
لكن الفترة التى أحكى عنها لم يكن مارد الفضائيات قد خرج فيها من أسره، كنا قانعين بالقناتين الأولى والثانية، مستمعين بفوازير "نيللي" أو "فطوطة"، وكذلك "شريهان".
 
أظن أن الفن ساعتها كانا ينضج على نار إبداعية هادئة، لا تتسم بالتعجل الذى يجرنا خلفه لاهثين، ولا يصيب أذهاننا بالتشتت الذى نحن عليه الآن.
 
كل شيء كان يتيح للسهرة أن تسير فى هدوء إلى أعماق وجداني، ليس هناك هواتف محمولة، تليفون بيت خالى عبد العال يدق مساء، فيكون على الطرف الآخر أحد أقاربنا المسافرين للخليج فى الغالب، ينتهز فرصة السهرة، ليحدث جميع أقاربه.
 
العيون ليست منشغلة بقراءة الأخبار ومتابعة ما يفيض به الفيسبوك من ثرثرة لا تسمن ولا تغنى من جوع، والأيدى لم تكن على هذه العلاقة الوطيدة بشاشات الهواتف.. الجو العام هادئ يتمايل فى عذوبة، ينثر على الحاضرين سكينة السهرة الرمضانية.
لكننى سأنسحب فى هدوء قبل موعد السحور، لأتناول بعضاً من الطعام الذى تبقى من الإفطار، قبل أن يقوم إخوتى بإعداد السحور المنتظر.
 
 
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع