أفكار

قصة أقدم مرصد فلكي في جنوب الكرة الأرضية..

الرصدخانة الخديوية

يعد المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية أقدم مرصد فلكى فى جنوب الكرة الأرضية على الإطلاق، وهو من المؤسسات الكبرى التى تمتعت برعاية الحكومات المصرية منذ عشرات السنين، وقد سلط الضوء عليها حينما كنت أعمل فى إعداد رسالتى للدكتوراه نظرا لأهمية تلك المؤسسة العظيمة وعراقتها ومنافستها بشكل فاعل لأعظم المراصد الفلكية الدولية، ولما لها من سمعة طيبة بين أقرانها فى مجالات الرصد والبحوث الفلكية. ويعد هذا المعهد أقدم المعاهد البحثية فى مصر والمنطقة العربية، تمثل الغرض من إنشائه فى حساب الأهلة، ومواقيت الصلاة، وبدايات الشهور العربية، والتقاويم وبحوث النشاط الشمسي، وتطور للبحث فى الأجرام السماوية ذات الاهتمام العالمي. وهو الأمر الذى أضفى اهتماماً عالمياً كبيراً بتلك المؤسسة منذ تنظيمها الأول.
 
لم تكن مصر فى ذلك الزمن حديثة العهد بمعرفة الرصد الفلكي، فقد عرف الأزهر علماء فى الفلك منهم الشيخ "حسن الجبرتي"، كما عرفت مصر أول نواة لمرصد فلكى حينما أقام العلماء الفرنسيون خلال الغزوة الفرنسية على مصر مرصداً فلكياً مصغراً. كذلك اهتم "محمد علي" بإيفاد عدد لا بأس به من الطلبة المصريين إلى أوروبا لدراسة آلات الهندسة والعلوم الفلكية وصناعة أدواتها، وقد ذكر "عمر طوسون" أن بعثة عام 1825 ضمت كل من "عمر أفندي" و"محمد أفندي"، اللذين أرسلا إلى إنجلترا لتعلم صناعة البوصلة وميزان الهواء والمناظير ومقاييس الأبعاد. وقد اختلف "أمين سامي" فى كتابه "تقويم النيل" مع "طوسون" حينما ذكر أن وجهة بعثة عام 1825 كانت إلى فرنسا وليست إنجلترا.
 


على أى حال، تشير البيانات الصادرة عن "الهيئة العامة للأرصاد الجوية" أن نشاط الأرصاد الجوية العملى فى مصر بدأ منذ عام 1829 فى عصر "محمد على باشا"، حينما كان قياس درجة حرارة الجو يؤخذ خمس مرات يومياً، وكانت مصر لا تمتلك وقتئذ مراصد فلكية، فاستقر رأى الباشا على إنشاء رصدخانة فى عام 1839 فى حى بولاق بالقاهرة وأصدر أمره بذلك، وكان الهدف منها أن تكون هيئة علمية يتمرن فيها تلاميذ المهندسخانة على استخدام آلات الرصد الفلكي. وخضع ذلك المشروع لإشراف ديوان المدارس، وكان بدء الرصد فيه فى سنة 1846. 
 
لكن تلك الإجراءات لم تشبع رغبات المصريين فى مواكبة ركب التقدم فى العالم، فنادى بعضهم بضرورة إنشاء مرصد فلكى حديث فى مصر، يسير وفق قواعد ومنهج علمى سليم فى الرصد، والاستفادة من مزايا إنشاء مثل تلك المؤسسة، ومن أبرز تلك الدعوات ما كتبه "محمود الفلكي" بعنوان "رسالة فى بيان المزايا التى تترتب على إنشاء مرصد فلكى للحوادث الجوية فى الديار المصرية". وقد أوضح فيه وجهة نظره بشكل علمى ومنهجى كعادته فى كتاباته الأخرى.
 
ولكن خلال عصر عباس الأول (1848 – 1854) وبعد انهيار مشروع "محمد على باشا" النهضوي، حدث تدهور فى العملية التعليمية برمتها، حيث أراد عباس تقليص ميزانية التعليم إلى أقل قدر ممكن، فشرع "على مبارك" بوضع نظام جديد فى مصر كان له تأثيره على وضع الرصدخانة، حيث أشار بإلغائها "لعدم وجود من يقوم بها حق القيام من أبناء الوطن مع احتياجها إلى الأموال". وكانت لا تزال تتبع ديوان المدارس حتى ذلك الحين، وعلى هذا فقد أسقطت الرصد خانة من ميزانية عام 1850، لعدم وجود العناصر المؤهلة التى تقوم على إدارتها. إلا أنها ظلت تعمل ولكن بميزانية مهملة حتى عام 1860.
 
وقد طرح "على مبارك" صاحب خطة تقليص ميزانية التعليم، فكرة لسفر عدد من الطلبة إلى أوربا لدراسة علم الفلك حتى يمكنهم بعد العودة إدارة الرصد خانة. وهكذا توقف العمل بالرصدخانة، وصار مآلها إلى الإهمال، فتكدست آلاتها وأدواتها داخل المخازن الدراسية وسُرح موظفوها. وكان من بين أعضاء البعثة المقترحة أستاذه بالمهندسخانة "محمود أفندي" (الفلكي)، و"إسماعيل أفندى مصطفي" (الفلكي) الذى كان حديث العهد بالتخرج من المهندسخانة، و"حسين أفندى إبراهيم" الذى كان برتبة ملازم ثان، وكان يعمل مدرساً (باليومية) بالمدرسة المفروزة (هى مدرسة أنشأها الوالى عباس الأول فى العباسية، واستعاض بها عن المدرسة المصرية فى باريس، ودمج معها مدرسة المدفعية والمشاه لتصبح مدرسة عسكرية واحدة تضم العديد من أسلحة الجيش داخلها كأقسام). 
 

الفلكي باشا 
وقد وافق "سعيد باشا" على اقتراح مبارك، وسافرت البعثة بالفعل إلى باريس فى مارس 1850. وبعد عودتها، تم منح "إسماعيل أفندى الفلكي" البكوية وتكليفه بإنشاء مرصد فلكى فى عام 1868 برئاسته، واختار "إسماعيل بك" العباسية مقراً للمرصد الجديد، وهو تحديداً فى شمال شرق القاهرة فى الميدان الذى عرف فيما بعد بميدان "الرصدخانة". وتم إنشاء عدة محطات للرصد كان أشهرها تلك المحطة التى نجح "إسماعيل بك" فى إنشائها بالإسكندرية فى 1869، والتى كانت تسمى "محطة كوم الناضورة"، وكانت مهمتها أخذ الأرصاد والقياسات، وجاءت أرصاد هذه المحطة ذات قيمة فريدة، وخاصة فى تحديد كميات المطر المتوقعة.
 
ويمكننى الاعتقاد بأن اختيار "كوم الناضورة" لهذه المهمة، كان بسبب ارتفاع تلك المنطقة، التى كانت تل مرتفعة يقوم الجنود فيها بدور حرس الحدود حتى وقت قريب، لرصد أى تحركات غير معتادة فى البحر، ويبدو أن الاسم قد جاء من "الناضورجية" أى المراقبين، وبالطبع تكون مثل تلك المنطقة المرتفعة ملائمة للرصد أكثر من غيرها، ويحتل موقعها حالياً شارع الجزائر شرقاً وشارع بحرى بك جنوباً وشارع الباب الأخضر غرباً وشارع حمام الورشة شمالاً.
 
وبمرور الوقت تطورت وظيفة الرصدخانة حتى شملت الرسم الضوئى (الفوتوغرافي) للأجرام السماوية، وأخذ الأرصاد الخاصة لمقارنة الساعة بواسطة الإشارات اللاسلكية الزمنية الدولية، وكذلك أرصاد الإشعاع الشمسى وحالة المناخ والأرصاد المغناطيسية المستمرة والزلازل. كما كانت تقوم الرصدخانة بأخذ أرصاد خاصة بتعيين اتجاه الرياح وسرعتها فى الطبقات العليا من الجو بواسطة منطاد الاستطلاع. وكانت نظارة المعارف العمومية تنشر جدولاً شهرياً ببيان الحالة الجوية، ونتائج كل تلك الأبحاث الفلكية التى تنتجها تلك المؤسسة العلمية المرموقة.
 
ولما كانت رئاسة "الرصدخانة" قد أسندت إلى "إسماعيل بك الفلكي"، وإلى جانبها نظارة مدرسة المهندسخانة، فقد رأت الحكومة أن حصر كلا النظارتين فى شخص واحد مع أهميتهما، فسوف يكون مقصرا فى أداء المهام الموكلة إليه، فتقرر فى الرابع من يونيو 1871، أن تكون نظارة الرصدخانة من نصيب "إسماعيل بك الفلكي" ونظارة المهندسخانة يعين فيها "محمود بك الفلكي"، والذى لم تنقطع صلته بالرصدخانة بعد ذلك.
 
وشهدت الرصدخانة الخديوية حدثاً كونياً، كان فارقاً فى تاريخها، ودعماً لها فى الأوساط العلمية الدولية، فقد تشاركت مع المراصد الدولية الأخرى، فى رصد ظاهرة عبور كوكب الزهرة، والذى تم تحديده بعام 1874. وكان عالم الفلك "إيري" قد وضع خطته لرصد الكوكب منذ عام 1857. وبحلول عام 1870 كانت المراصد العالمية تبنى الآلات اللازمة لعملية الرصد، وكانت ثمة خطط مشابهة يجرى إعدادها فى مصر، سلطت عليها صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء آنذاك، فقد كانت الحكومة المصرية قد انتوت بالفعل تطوير الرصدخانة ليصبح من المراصد الحديثة. وبالطبع كان الانتهاء من تطوير الأجهزة فى عام 1872، مهماً فى ملاحظة ورصد الظواهر الكونية، خاصة بعد أن تم إنشاء القبة السماوية بها فى بداية عام 1874. بالإضافة إلى ما كانت تمتلكه من أحدث الآلات التى جلبت من أوروبا تحت إشراف "محمود باشا الفلكي".
 


واستعدت الرصدخانة الخديوية لهذا الحدث الفريد، بعد أن استطاع "محمود الفلكي" أن يجرى حسابات أثبتت أن تلك الظاهرة لا تتكرر سوى مرتين كل 120 عاماً، تزيد أو تنقص فى حدود العامين، المرة الأولى بعد 105 عاماً، والثانية تليها بثمانية أعوام، أى بعد 113 عاماً (وهو الأمر الذى أثبته مرور كوكب الزهرة بالفعل فى عام 2004). ونظراً لأن تنبؤات الرصد أكدت أن مرور كوكب الزهرة فى مصر سيكون عند شروق شمس التاسع من ديسمبر 1874، بينما سيتعذر على المراصد الأوروبية رصده وقتئذ، نظرا لمروره ليلاً فى بلادهم، لذلك أرسلت المراصد العالمية إلى مصر وفودا لرصد تلك الظاهرة. وبالفعل تم رصده فى الأقصر وجبل المقطم، وأصبحت الرصدخانة بعد ذلك تنافس كبريات المراصد فى العالم، وأصبحت حديث كبرى المحافل الأكاديمية الدولية.
 
ومن خلال وثائق مجلس الوزارة المحفوظة فى دار الوثائق القومية، يتضح أن السردارية فى الجيش طلبت فى عام 1885 نقل ميزانية "الرصدخانة" إلى ميزانيتها بدلاً من نظارة المعارف، لأنه من الطبيعى أن تضم الرصدخانة إلى الجيش، وليس لجهة مدنية، إلا أن الحكومة رفضت الطلب، وظلت تتبع نظارة المعارف دون رقابة من أى جهة أخرى. وعندما لاحظت إدارة الرصدخانة بالعباسية فى عام 1888، أن مبنى الرصد يحتاج إلى ترميمات ضرورية، قدمت طلبا لنظارة الأشغال العمومية حتى تقوم بأعمال الترميم اللازمة، فوافقت النظارة ووعدت بالإسراع فى اتخاذ اللازم. ولا توجد أية معلومات عما ترتب على تلك الموافقة، وإذا كانت الأشغال قد قامت بما طلب منها أم لا. وظلت "الرصدخانة" تتبع نظارة المعارف حتى زادت أعمالها زيادة لم تستطع متابعتها منفردة. وجاءت لها الفرصة حينما بدأ التفكير فى إدخال قياس ورصد شدة المجال المغناطيسى الأرضي، وتبين أن العباسية لا تصلح موقعاً لهذا المرصد، وظهرت الحاجة إلى ضرورة نقلها إلى مكان آخر يكون أكثر ملاءمة. فكلفت نظارة المعارف "ليونس" مدير المساحة الجيولوجية بتعهد الرصدخانة، وعمل تقرير بما يلزم فعله. ورفع تقريره الذى نشر بعضه فى مجلة المقتطف (عدد أكتوبر 1898) إلى النظارة، وجاء فيه: "أن وجود سكة الحديد وأسلاك الترامواى بقربه مضر بالأرصاد الجوية". كما أشار بنقله إلى مكان آخر بعيد عن الأسلاك الكهربائية والسكك الحديدية، وأن يبدل نظامه بنظام آخر يزيد علاقته بالمراصد الأوروبية، وأن يتولى إدارته رجل درس الفلك علماً وعملاً فى أشهر المدارس الأوروبية، وله خبرة بالأمور الميكانيكية حتى يصلح ما يقع من الخلل فى آلات الرصد. 
 
وكان ثمة سبب آخر وراء الإسراع بنقل الرصدخانة من العباسية، تمثل فى كثرة الأضواء المنبعثة من مدينة القاهرة، والتى قللت من كفاءة الرصد الفلكى باستخدام مرصد العباسية، لذا كان من الضرورى أن يجرى البحث عن مكان آخر يصلح للأرصاد الفلكية بعيداً عن أضواء المدن وتأثيرات المغناطيسية الأرضية، واستقر الرأى على إقامة المرصد بحلوان. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك مشكلة حدثت فى عام 1889 بين الرصدخانة ونظارة الأشغال ومصلحة الصحة والجيش، بسبب بناء بعض المراحيض بين الرصدخانة فى العباسية وشريط السكة الحديد، فاعترضت نظارة الحربية بأن ذلك يهدد الأمن العام، وأن تلك المنطقة عسكرية لا يجب التجاوز فيها عن الحدود المسموحة، وتبادلت كل الجهات المذكورة المكاتبات بسبب المراحيض لفترة ليست بالقليلة.
 


وفى عام 1899، وبعد المجهود الذى قام به "ليونس" مدير المساحة الجيولوجية، رفعت نظارة الأشغال العمومية تقريرها إلى مجلس النظار، بشأن ضرورة فصل إدارة الرصدخانة وخدمتها من نظارة المعارف العمومية، وإلحاقها بإدارة عموم المساحة، وبالفعل وافق المجلس على طلب النظارة، ونقلت إدارة الرصد إلى إدارة عموم المساحة فى نفس العام. وبعد مداولات عديدة استقر الرأى على اختيار قرية صغيرة لا يتجاوز سكانها خمسة آلاف نسمة فى عام 1903 على ربوة من الحجر الجيرى تقع إلى الشمال الشرقى من مدينة حلوان. وسُمح للجمهور بزيارة الرصدخانة من الساعة الثالثة إلى الساعة الخامسة بعد الظهر من كل يوم أربعاء فقط فى المدة الواقعة بين منتصف أكتوبر إلى 30 إبريل. أما رؤية القمر والكواكب بواسطة المنظار الاستوائى فتم تخصيص أوقات أخرى لها كان يتفق عليها.
وعلى الرغم من بعض الإنجازات العلمية التى قامت بها الرصد خانة فى القرن التاسع عشر، إلا أن تلك المرحلة تعد مرحلة تأسيس تطورت بعدها نظم الرصد فى مصر مع بداية القرن العشرين، فبعد الاستقرار فى حلوان، بدأت الرصدخانة استخدام أجهزة تسجيل قيم بعض عناصر الرصد السطحية، مثل درجة الحرارة والرياح ومدة سطوع الشمس وكمية المطر. وتشكلت فى نفس الوقت إدارة الأرصاد الجوية بمصلحة المساحة لتشرف على شبكة محطات الأرصاد التى أخذت تنتشر فى مصر والسودان.
 
وتقرر فى عام 1914، نقل إدارة الأرصاد الجوية لأحدى مصالح وزارة الأشغال العمومية، وهى مصلحة الطبيعيات التى تعرف حالياً باسم "تفتيش عام ضبط النيل"، ولما اشتعلت الحرب العالمية فى العام نفسه ظهرت الحاجة لمزيد من محطات الرصد الجوي، فاتسعت رقعة شبكات هذه المحطات فى كل من مصر والسودان وفلسطين وقبرص، وتطورت عمليات الرصد الجوى بها تطوراً ملحوظاً، وأصبحت تقوم بأبحاث جوية تخدم النواحى العسكرية، وقد تولى قيادة تلك الأبحاث رجال سلاح الطيران الحربي. 
 
وفى منتصف عام 1934 تم إنشاء قسم الطيران المدنى على ان يتبع فى ذلك الوقت كل من وزارة المواصلات وإدارة الأرصاد الجوية، بغرض تأمين سلامة الطيران التجاري، وبعد زيارة الملك فاروق لمرصد حلوان عام 1944 قرر نقل تبعيته لجامعة القاهرة والبدء فى بناء مرصد أكبر بميزانية ضخمة. وفى 24 فبراير 1947 تم إدماج كل إدارات الأرصاد الجوية فى مصر فى جهاز إدارى واحد تحت اسم (مصلحة الأرصاد الجوية). وتنقلت المصلحة كثيرا بين الهيئات والوزارات حتى أصبحت هيئة مستقلة منذ عام 1971، تحت اسم (الهيئة العامة للأرصاد الجوية)، والتى ألحقت فيما بعد بوزارة النقل والمواصلات، واستمر ذلك حتى الوقت الراهن.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع