أفكار

الحرير والخشب عندما يكتبان تاريخا..

"أخميم وحجازة" إبداعات جديدة لـ"جمعية الصعيد"

معزوفة جديدة رائعة تعزفها "جمعية الصعيد للتربية والتنمية" فى معرضها السنوى للحرف اليدوية،"حجازة وأخميم"، والذى تواظب الجمعية على إقامته سنويا منذ ما يزيد على 60 عاما مضت.
المعرض المقام فى الفترة من 29 نوفمبر حتى 9 ديسمبر 2018، والذى يضم منتجات "مركز الخدمة الجماعية بأخميم"، و"ورشة حجازة"، و"مركز نقادة"، التابعين لجمعية الصعيد، يأتى ضمن برنامج تنمية المهارات فى الجمعية، الذى يهدف، كما تقول سيسل رمزي، مسئولة المعرض، للحفاظ على التراث الفني، ورفع الأحوال الاقتصادية والمعيشية للفتايات والشباب.
 


"أخميم" مدينة ومركز، فى محافظة سوهاج، على بعد نحو 450 من القاهرة، وهى تشتهر بحرفة النسيج اليدوية منذ القدم، ويضم مركز الخدمة الجماعية بها، التابع للجمعية، 120 فتاة وسيدة، وتتنوع منتجاته ما بين "النسيج"، و"التطريز"، و"الفن التلقائي".
يبدأ إعداد النسيج، كما تقول سميرة عطية، مديرة المركز، بشراء خيوط القطن من مصنع الغزل والنسيج، ثم صبغها فى القاهرة بالألوان المطلوبة، لتبدأ بعد ذلك مراحل نسجها على النول، إلى أن تخرج فى شكل قماش سادة أو مفروشات جاهزة، مثل مفارش السرير و"الكوفرتات" والستائر، وهو نفس القماش الذى يتم تطريزه بعد ذلك.



ولأن المركز يهدف للمحافظة على التراث القبطى والإسلامى والفرعوني، فإنه يستمد رسوماته من هذا التراث، حسبما تؤكد مديرته، حيث يتم طبعها بالفحم والجاز على القماش، وبعدها يبدأ اختيار ألوان الحرير المناسبة للون القماش، ثم يتم تطريز القماش، وبعدها غسله وكيه، ثم تغليفه، ليكون جاهزا للعرض.
وينظم المركز رحلات للعاملات فى قسم "الفن التلقائي" لـ"تغذيتهن بصريا"، لأن البنات "لازم تشوف المناظر وتتخيلها، ولو قصة حياتها ممكن ترسمها، وفيما مضى كان الفنان التشكيلى الراحل عدلى رزق الله يتابع هؤلاء الفنانات، ويحكيلهن حكايات مثل أبو زيد الهلالي، وغيرها من الحكايات التراثية، لتنعكس هى الأخرى فى فنهن".
 


نعيمة أديب، 63 عاما، هى إحدى هؤلاء العاملات أو بالأحرى الفنانات، كانت تقف بفخر بجوار أعمالها فى المعرض، مؤكدة رضاها عن مسيرتها الطويلة داخل المركز التى بدأتها وعمرها 11 سنة، حيث تعلمت الفن هناك فى صغرها على أيدى متخصصات أجانب.
تقول "نعيمة": "كانوا بيدربونا، وهما إللى علمونا الفن، وإزاى نرسم فى كراسة ورق، وإزاى نمسك الإبرة، وكانوا بياخدونا رحلات، نشوف ناس بتزرع وتخبز، وجوامع، وآثار، ونرسم، وإللى رسمناه نحطه على القماش"، مؤكدة أن "الشغل ده رفع من نفسيتنا، وخلانا عرفنا إيه شكل الدنيا، بعد ما كنا مغمضين".
فى الجانب الآخر، وفى ركن صغير من المعرض، كان "مركز نقادة"، بمحافظة قنا، التابع لجمعية الصعيد أيضا، والذى يعمل فى مجالات متعددة منها محو الأمية والتمكين الاقتصادي، والذى انضم بمنتجاته للمعرض قبل 3 سنوات، يعرض جانبا من منسوجات نقادة التى تعود جذورها لأيام الفراعنة، والمعروفة باسم "الفركة".
 


وعن هذا النسيج، تقول مارى إبراهيم، مسئولة المركز، إنه "قل جدا الآن، إلى الدرجة التى أصبح معها مهددا بالانقراض، بينما يحاول المركز إحيائه والحفاظ عليه، باعتباره تراث مصري، مشيرة إلى أن المركز درب مجموعة من البنات الذين مروا ببرامج محو الأمية، ثم أصبح يعمل معهم "بالإنتاج".
لكن إلى جانب أعمال النسيج والتطريز والكوروشية الغالبة، يزدان المعرض بإبداعات "ورشة حجازة" للنحت على الأخشاب، التى تتنوع ما بين تماثيل لطيور وحيوانات، وأدوات مائدة، وشمعدانات، وكراسي، وترابيزات، وديكورات منزلية، وغيرها، معظمها مصنوعة من خشب "السرسوع".
كانت بداية النحت على هذا الخشب النادر ذو الألوان المميزة، كما يقول بهاء فاروق، المدير الإدارى لورشة حجازة، على يد راهب فرنسي، يدعى "بطرس"، جاء إلى "حجازة" عام 1979، وكانت وقتها فقيرة ماديا، وهو الذى ابتكر النحت على الأخشاب، وتحديدا "السرسوع"، الذى ينمو فى جنوب مصر، وتحديدا فى إدفو وكوم امبو، وأسوان، فضلا عن جنوب أفريقيا.
 


علم الأب "بطرس" عددا من الشباب هذا الفن، وبعدها تبنت جمعية الصعيد الفكرة، من خلال "ورشة حجازة" التى تعرف أيضا ابسم مركز التدريب المهنى الفنى للنحت على الأخشاب، وأصبحت تعلم هذا الفن للشباب، ليفتحوا بعدها ورش خاصة لحسابهم، أو تسوق الجمعية لهم أعمالهم فى الخارج.
"ثمرة الخشب إللى بنشتغل بيها ألوانها طبيعية، ما بنضيفش عليها أى لون، وما ببتلمعش، وفى حاجات بنديها طبقة شفافة تعطى للخشب لمعة، لكن الأوانى التى تُستخدم فى الأكل ندهنها زيت زيتون، وهو الذى يضفى لمسة جمال لها، وممكن تتغسل بماء وصابون لكن لا يترك فيها الماء، وكلما دهنتها زيت زيتون تعيش أكتر"، بحسب بهاء.



أما عن مراحل إعداد المنحوتات الخشبية، "فتبدأ بأن يقوم الفنيين بالرسم على الخشب، سواء تصميمات يعطيها لهم المركز، أو من خيالهم، بيبتكر كل شوية فى الشغل، وبعد الرسم، يتم النحت بالأزاميل اليدوية، والشغل ده كله بيمر على صنفرة، بتقوم بيها السيدات فى البلد، لزيادة دخلهم".
ونتيجة لأن خشب "السرسوع" الذى كان يستخدمه الأهالى فيما مضى لصنع الفحم، أصبح قليلا فى السوق، بدأت الجمعية، حسبما يضيف بهاء، تبحث عن مكان لزراعة هذا النوع من الشجر المعمر، لتستفيد منه الأجيال القادمة، وهى تحاول إدخال فصائل أخرى من الخشب مشابهة للسرسوع للعمل بها، ومنها "الكايا" و"الأثل" و"النبق".

(77 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع