أفكار

بوالإصلاح في الكنيسة القبطية..

البابا كيرلس الرابع


  ولد "كيرلس" سنة 1816 بقرية نجع أبو زرقالي ببلدة صوامعة سفلاق الشرقية في إقليم أخميم، مديرية جرجا بالصعيد، وأسماه أبوه باسم "داوود". وفي سن الثانية والعشرين التحق بدير القديس أنطونيوس، ومارس الرهبنة فعرف بداوود الأنطوني. وعند وفاة رئيس الدير اختير رئيساً بدلا منه، وتبنى مشروعا لمحو أمية الرهبان وتشجيعهم على الدراسات اللاهوتية، وقام بتأسيس مدرسة في بلدة بوش لتعليم أولاد الفقراء. ولقد وافق الأساقفة في مجمع 17 أبريل 1853 الديني بعد عودته من بعثته بالحبشة على تعيينه مطراناً للقاهرة، ومنحه اسم "كيرلس" بالإضافة إلى مهام البطريركية الشاغرة لمدة عام واحد. وبعد نجاحه في إنشاء كلية اللاهوت بالأزبكية تم تعيينه في منصب البطريركية.

ولتعيينه بطريركا قصة طريفة، حيث تقدم المؤيدون للقس داوود بطلب لوالي مصر "عباس باشا" لتعيينه، ولكن الوالي سأل اليازيرجات (قراء الغيب عن طريق التنجيم) قبل البت في طلبهم، وطلب رأيهم فى اختياره لذلك المنصب، فقالوا له: "أن النجوم تشير إلى أن داوود سيكون شؤماً على الرئاسة، وسيحدث خصام وضيق، وأن الوالي سيموت وسيتمزق شمل أتباعه إذا تم اختياره". وعلى الرغم من أن عباس باشا قد قرر قبل ذلك الفتك بالمنجمين، إلا أنه صدق ما قيل له وخشي على حياته. لكنه بعد مداولات عديدة صدق على تعيينه في أواخر أيام حكمه، وأصبح اسمه بعد تنصيبه "كيرلس الرابع" في يوليو 1854. وبتعيينه تبنت الكنيسة المصرية مشروعات إصلاحية، مثلت رغبة مسيحية حقيقية أفراداً وجماعات في القيام بدور فعال لنهضة المجتمع. ولم تصلنا للأسف أي صور فوتوغرافية للبطريرك إلا تلك الصورة المرفقة بالمقال، وقد تفضل بأرسالها لي صديقنا الكاتب والباحث "ماجد كامل"، وقد التقطت في أثناء زيارته لإثيوبيا عام 1856، لحل مشكلة كانت قائمة بينها وبين مصر.

لقد انقسم الدور الثقافي المسيحي في مصر إلى شقين، الأول: الدور الرسمي الذي تبنته الكنيسة المصرية آنذاك، وكان له أكبر الأثر على المجتمع المصري ونهضته، والثاني: الدور المسيحي الأهلي، والذي تمثل في رغبة المسيحيين المصريين. وقد مارس "كيرلس" دوره من خلال الشق الرسمي، مما دعى البعض إلى إطلاق مصطلح (حقبة الإصلاح الكنسي) على تلك الفترة التي تولى فيها البطريرك كيرلس مهامه بين عامي (1854– 1861)، وانعكس ذلك بالطبع على العمل الأهلي المسيحي في فترة توليه شئون البطريركية، مما دعى الجميع تلقيبه بأب الإصلاح في الكنيسة القبطية. 

وعلى الرغم من قِصر مدة بطريركية "كيرلس الرابع"، إلا أنه نجح في تخصيص الجزء الأكبر من وقته لقضية التعليم، وكان يؤمن بأنه بالتعليم تنهض الأمم، فاستكمل إنشاء "مدرسة الأقباط الكبرى" المعروفة باسم (كلية اللاهوت) عام 1855، وتنوعت فيها المناهج الدراسية، كتدريس اللغات العربية والتركية والفرنسية والإيطالية، فضلا عن الدراسات التاريخية والرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والكيمياء، وكذلك الرسم والموسيقى. وجعل البطريرك ناظرها هو الأديب والشاعر والمترجم "إسكندر جروه السوري". وكانت الدراسة فيها بالمجان، إلى جانب توفير الكتب وأدوات الكتابة للدارسين مجاناً، حتى أنها اكتسبت سمعة طيبة جعلت الخديو إسماعيل يهب لها في عهد "ديمتريوس الثاني" خليفة "كيرلس الرابع" ألفاً وخمسمائة فدان من الأرض الزراعية؛ ليساعد ريعها على تكلفة نفقات المدرسة، والتوسع في برنامجها التعليمي، بالإضافة إلى تبرعه بمبلغ مائتين جنيها سنوياً للغرض نفسه.

ووجد "كيرلس" أن التعليم عند المسيحيين البسطاء لا يتعدى دخول أبنائهم (الكتاتيب) كغيرهم من أبناء مصر، فنظام التعليم المصري في بداية القرن التاسع عشر كان قاصراً على الكتاتيب فقط، وهو نظام سائد بين المسلمين والمسيحيين حتى اليوم في القرى المصرية والأحياء البسيطة، وهو من وجهة نظرهم قرين الحاجة إلى التعليم الأولي، وأذكر أنني تعلمت في أحد الكتاتيب في الحي الذي نشأت فيه قبل التحاقي بالمدرسة الابتدائية في بداية ثمانينيات القرن العشرين.



وهكذا قرر البطريرك التوسع في العمل الخيري التثقيفي في مصر، بإنشاء مدرستين للاهوت في أحياء متباعدة بالقاهرة، كما أنشأ عدة مدارس انضم إليها أبناء المصريين من كل الديانات، وعلى سبيل المثال "مدرسة الأقباط للبنين" بالدرب الواسع (شارع الكنيسة المرقصية بجوار بطريركية الأقباط)، ومدرسة أخرى للبنين بحارة السقايين بعابدين، كذلك أنشأ واحدة أخرى في المنصورة، ومدرسة للبنين بعزبة أوقاف دير الأنبا أنطونيوس ببني سويف. أيضاً "مدرسة البنات القبطية" بجوار البطريركية بشارع كلوت بك، ومدرسة أخرى للبنات بحارة السقايين بعابدين. وقد سبقت "مدرسة البنات القبطية" المدرسة السنية التي أنشأها الخديو "إسماعيل" سنة 1873. ولذلك يعد البطريرك "كيرلس الرابع" من رواد حركة تعليم الفتيات في مصر.
كذلك كان للبطريرك دور كبير في نشر الثقافة العربية بين أبناء المسيحيين والمسلمين على السواء، حينما أخذ الإذن عام 1860 من الوالي "سعيد باشا" بإنشاء مطبعة وتدريب عمالها في مطبعة بولاق، وكان يهدف إلى المساهمة في حركة نشر التراث العربي وطباعة الكتب التي تعود بالنفع على المصريين جميعهم، وهي المطبعة الأهلية القبطية، التي وصفتها مجلة الهلال بأنها من أوائل المطابع الأهلية التي أنشئت بعد مطبعة بولاق.

ويبدو أن ثقافة البطريرك "كيرلس الرابع" ورغبته في المشاركة بأكبر مشروع قومي لنهضة مصر هي ما دفعته إلى المبادرة بشراء ماكينة للطباعة، وكلف "روفائيل عبيد السوري" صاحب المدرسة العبيدية أن يستحضر أدوات المطبعة من أوروبا. والطريف أنه حينما سمع بنبأ وصول أدوات المطبعة إلى الإسكندرية، وكان في ذلك الوقت بأحد الأديرة الجبلية، بعث إلى وكيل البطريركية ليستقبل الأدوات الجديدة عند وصولها إلى القاهرة باحتفال رسمي. فقام الشمامسة بارتداء الملابس الرسمية المخصصة للخدمة الكنسية، واستقبلوا المطبعة بالتراتيل الروحية، وكان الاحتفال باستقبالها عظيماً، ذكرت الهلال أن الناس تحدثوا عنه زمنا لغرابته. ثم استطاع البطريرك أن يحصل على موافقة "سعيد باشا" لتدريب أربعة شباب مسيحيين بمطبعة بولاق على فن الطباعة.

وقد استمرت المطبعة تعمل لسنين طويلة بعد وفاة "كيرلس الرابع"، فاستأجرها من بعده الإخوان "رزق وإبراهيم جرجس لوربا"، وكانا يديرانها باسم "مطبعة الوطن"، وعرفها الناس باسم كتب خانة الوطن. ونشرت نخبة من كتب التراث العربي على نفقتها، مثل كتاب "حلبة الكُميت" للنواجي، و"قوانين الدواوين" لابن مماتي، و"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة " للسيوطي، و"الأحكام السلطانية" للماوردي، "الذريعة إلى مكارم الشريعة" للراغب الأصبهاني، و"رسالة حي بن يقظان"، "أدب الكاتب" لابن قتيبة، "مطالع البدور في منازل السرور" للغزولي، "السياسة في علم الفراسة" لشمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي المعروف بشيخ الربوة. وهكذا، عملت مطبعة الوطن على نشر كتب الأدب والدين ليقرأها الجميع بغض النظر عن الديانة.

على أي حال، أضفت أعمال "كيرلس الرابع" على الكنيسة المصرية هالة من الاحترام والتقدير، خاصة أنه كان دائم الدفاع عن مصالح المسيحيين في مصر، ودائم المطالبة بضرورة تقليد المسيحيين للوظائف الكبرى، وترقيتهم في الجيش حتى يصبحوا ضباطا عاملين، مما يؤهلهم للمناصب القيادية.ويبدو أن مساعيه حققت جزءاً من أهدافه، فيُذكر أن خريجي "مدرسة الأقباط الكبرى"، التي أنشأها أفرزت العديد من الشخصيات التي تبوأت أعلى المناصب الحكومية، ومن بينهم "بطرس غالي" وكيل المالية الذي وصل إلى منصب رئيس النظار في مصر، والأديب والصحفي "ميخائيل عبد السيد" مؤسس جريدة الوطن، و"ميخائيل شاروبيم" صاحب كتاب (الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث)، وعالم اللغة القبطية "باسيلي بك روفائيل الطوخي"، أيضاً "عبد الحميد مصطفى باشا" وكيل الداخلية، و"إسماعيل حسانين باشا" وكيل المعارف. 

ولقد توفي البطريرك "كيرلس الرابع" في 31 يناير عام 1861، بعد حياة حافلة قاد فيها نهضة ثقافية عادت على المسيحيين في المجتمع بالفضل الكبير، وبعد أن علم كل المصريين أن الذى يقتل الوقت بالتسلية لا يشعر أن لحياته قيمة أو هدف، وبلا رسالة. أما الذين يحترمون حياتهم، فكل دقيقة منها، منتجة ونافعة وذات رسالة.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع