أفكار

"بوابة الحضارات" تحتفل باليوم العالمى للغة العربية (2ـ2)..

الأقباط والحفاظ على اللغة العربية


 يكتشف القارئ، ومن خلال قراءة أولية لتاريخ مصر والمنطقة العربية، قديمًا وحديثًا، كيف أن المواطنين الأقباط، ونقصد بهم هنا المصريين المسيحيين، قد شاركوا في صناعة الحضارة العربية، بإيجابية وفعالية، في كثير من مجالات الثقافة والمعرفة، لاسيما وأن الحضارة العربية قد شكلت جانبًا مهمًا من ثقافة غير العرب، هؤلاء الأخيرين- ومنهم المواطنون الأقباط- الذين استوعبوا الثقافة العربية وشاركوا في صياغتها، والحفاظ عليها ونشرها ونقل تراثها من جيل إلى جيل. 
 
وفي مصر، قلب المنطقة العربية وعاصمة الثقافة فيها، شارك المواطنون الأقباط في صناعة الحضارة العربية، وذلك منذ أن دخل العرب مصر، وحدث تواجد عربي كثيف فيها، على يد القائد عمرو بن العاص (640/ 641م)، وتوالي الهجرات العربية إليها، وربما كان من عبقرية المواطنين الأقباط قدرتهم على استيعاب اللغة العربية بشكل تدريجي، بل والعناية بتعريب صلوات الكنيسة القبطية في مرحلة لاحقة، لتزداد المساحة المشتركة يومًا بعد يوم بين الساكنين على أرض مصر من مسلمين ومسيحيين، لاسيما وأنه لم يحدث صراع بين اللغتين القبطية والعربية، ولم يظهر- على حد علمنا- من دعا لمقاومة اللغة العربية في سبيل الاحتفاظ باللغة القبطية وحدها، إذ كان الاهتمام باللغة القبطية والحفاظ عليها لا يتعارض مع إتقان اللغة العربية والمشاركة في آدابها. 
 
لقد برز عدد في تاريخ مصر الحديث والمعاصر ممن اهتموا بتعلم وتعليم اللغة العربية وآدابها والترجمة، منها وإليها، بل كان هناك من دعا للحفاظ على اللغة العربية وحمايتها من محاولات المساس بها، خاصة وأن اللغة هي حامل ثقافة ووسيلة تعبير عن الفكر، ومن جانب آخر كان للصحافة- ومازال- دور كبير في مناقشة قضايا المجتمع على تنوعها واختلافها، من هنا تأتي أهمية هذا البحث وموضوعه، من خلال ثلاثة أضلاع: الأقباط واللغة والصحافة في تاريخ مصر الحديث. 

مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين..
وقعت مصر تحت براثن الاحتلال البريطاني في سبتمبر من عام 1882م، حيث عملت سلطات الاحتلال منذ ذلك الحين على فرض سيطرتها على واقع الحياة المصرية، فامتدت السيطرة البريطانية إلى نظارات الحربية والمالية والأشغال، بل لقد أصبح لكل نظارة (وزارة) مستشار بريطاني، ذلك أن الإنجليز ومنذ احتلالهم للبلاد قد رسموا سياستهم على أساس أن تظل مصر من أملاكهم إلى الأبد، ومن ثم فإنهم وجهوا كل اهتمامهم إلى تكوين الشعب المصري تكوينًا يجعله خادمًا لمصالح الشعب الإنجليزي، على حد تعبير حسين مؤنس، وهو يضيف أن الإنجليز "قضوا على كل العناصر الوطنية والمعارضة، وسلموا إدارة البلاد إلى باشوات الشركس والألبان والأتراك، يعاونهم المستشارون الإنجليز، وجعلوا سلطان مصر موظفًا لديهم، وفتحوا أبواب البلاد على مصاريعها للأجانب، وتوسعوا في منحهم الامتيازات حتى تكون هذه الجاليات عمادًا من أعمدة وجودهم". 



حالة التعليم في مصر..
في مجال التعليم، على وجه الخصوص وباعتباره كيان الأمة وأحد أركان هويتها، فقد ارتكزت السياسة التعليمية البريطانية في مصر على عدة أسس منها على سبيل المثال لا الحصر: "نجلزة" الإدارة المصرية، والتقتير في تعليم المصريين، وقصر الغرض من التعليم على الإعداد للوظائف، ونشر الثقافة الإنجليزية بين المصريين، وتشكيل المناهج التعليمية لكي تلائم أغراض الاحتلال التعليمية، ومن جانب آخر، فإن الاحتلال البريطاني لم يبذل أي مجهود فعلى في النهوض بالتعليم الفني/ العملي سواء من حيث المناهج أو من حيث التوسع فيه، حيث اتبع الاحتلال سياسة تعليمية تقوم على تضييق التعليم عامة على جميع المصريين، ومن ثم فقد كان التعليم بالنسبة للمثقفين المصريين وبتعبير محمد أنيس "معركة من معارك الحركة الوطنية اتخذت أشكالًا مختلفة"، وهو يضيف أنه "على هذا كانت مسألة التعليم تشكل جانبًا من معركة المثقفين المصريين ضد الاحتلال.  

إلا أنه كان للجمعيات الخيرية, الإسلامية منها والقبطية، جهود وطنية ملموسة من أجل نشر التعليم, وفي الوقت ذاته فقد جاء اهتمامهم بهذا المجال كرد فعل على سياسة الاحتلال البريـطـاني التعليمية(). لـيـس هــذا فحـسب بل كانت هناك أيضـًا الكثير من الجهود الأهلية الفردية والخاصة بنشر التعليم وإنشاء المدارس, سواء كخدمة للبلاد أو كمصدر لزيادة الدخل.
يقول محمد أنيس كان التعليم آنذاك بالنسبة للمثقفين المصريين بمثابة معركة من معارك الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني. ومن جهته رأى الصحفي رمزي تادرس (1878- 1951م) في مؤلفه (الأقباط في القرن العشرين), أنه "إذا كان للحكومات تأثير عظيم في أخلاق الشعوب وعاداتها، فللتهذيب والتعليم تأثير أعظم وأجل في تلك الأخلاق والعادات فتتغير وتتكيف بحسب هذا التأثير وقوته, لأن كيان الشعب بتعليمه وتعليمه بتهذيبه, وتهذيبه بحيويته وحيويته باتحاده".   

المواطنون الأقباط وقضية التعليم  
بشكل عام فقد احتلت قضية التعليم، وقضاياها الفرعية، مكانًا بارزًا من اهتمام الصحافة المصرية عمومًا والصحف التي أصدرها المواطنون الأقباط خصوصًا، وذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر والسنوات التالية.

قضية الحفاظ على اللغة العربية  
 اهتمت بعض الصحف التي أصدرها بعض المواطنين الأقباط، ومنها صحف (الوطن- مصر- المحيط- رعمسيس) بمناقشة قضية التعليم عمومًا وقضية الحفاظ على اللغة العربية خصوصًا، وهو ما يمكن رصده على النحو التالي..
تمنت جريدة (الوطن)، لصاحبها ميخائيل عبد السيد والتي صدرت بمدينة القاهرة سنة 1877م، لو أن المصريين يتنبهون لإنشاء مدارس عالية من أجل إحياء لغتهم، وأن يطلبوا من الحكومة أن تساعدهم ويبرموا معها اتفاقًا على أن توظف الذين يتخرجون من طلبتها في وظائف الحكومة، وأن يجعلوا لغة بلادهم (اللغة العربية) هي اللغة الأساسية في المدارس، ذلك لأنه "لا يوجد عار يلحق بالأمة المصرية كالعار الذي يلحقها من عدم اكتراثها بلغتها فإنها تنظر الأمم يتسابقون في نشر لغاتهم ومبادئهم والأمة المصرية غير مبالية بلغتها وكادت تنقص أهمية اللغة العربية من مدارس الحكومة. والمصريون نيام مع أنه كان يجب على نبلاء المصريين ووجهائهم أن يتأملوا في هذه الأمور التي يتوقف عليها حياتهم السياسية".



والجدير بالذكر أن ميخائيل عبد السيد، مؤسس جريدة (الوطن)، والذي عاش في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان واحدًا ممن تتلمذوا على يد رفاعة الطهطاوي (1801- 1873م)، قد اهتم بتشكيل جمعية لطبع الكتب العربية النادرة، بحيث تكون أثمانها للمشتركين على قدر تكاليفها، وذلك لكي يعم تداولها ويسهل تناولها بين الناس، من المهتمين بالثقافة والعلم، إذ كانت الغاية عنده هي إحياء علوم العرب وآدابهم.
ومن تلك الكتب التي اهتمت الجمعية بإعادة طبعها: كتاب (تهذيب الأخلاق) لابن مسكويه، كتاب (مطالع البدور في منازل السرور)، كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة، كتاب (الأحكام السلطانية) للإمام الماوردي، ذلك بالإضافة إلى عدة كتب أخرى منها (العقد الفريد) وهو كتاب من تأليف ابن عبد ربه الأندلسي، ويُعتبر من أمهات كتب الأدب العربي، ويشتمل على جملة من الأخبار والأمثال والحكم والمواعظ والأشعار وغيرها، وقد سُمي بالعقد لأن ابن عبد ربه قسّمه إلى أبواب أو كتب حمل كل منها حجر كريم، كالزبرجدة والمرجانة والياقوتة والجمانة واللؤلؤة، وغير ذلك مما تناول عقود الحسان الحقيقية. وكتاب (حلبة الكميت) لمؤلفه شمس الدين محمد بن الحسن النواجي، وغيرها من الكتب المفيدة والنافعة. 

وفي مجلة (المحيط)، لصاحبها عوض واصف والتي أصدرها بالقاهرة سنة 1902م، يكتب إسكندر تادرس- أحد موظفي مديرية الدقهلية- مقالًا في عام 1903م حول إصلاح نظام التعليم، يرى فيه أن مصر في حاجة إلى مدرسة جامعة تعلم باللغة العربية، كما يرى ضرورة تعميم التعليم باللغة العربية في المدارس الأميرية "فليست لغتنا بأحط في الوجهة العلمية من لغة اليابان حينما ابتدأت في الارتقاء ومع ذلك تجد عندها الآن عدة مدارس جامعة تعلم باللغة اليابانية". 

كما تتمنى المجلة وفي إطار ترحيبها بمشروع الجامعة المصرية أن يكون التعليم فيها باللغة العربية، لأن درس العلم باللغة الأجنبية يقتل روح المقدرة على التأليف بلغة البلاد وإفادة ساكنيها.
ومن جهتها ترى جريدة (مصر)، لصاحبها تادرس شنودة المنقبادي والتي أصدرها بالقاهرة سنة 1895م واستمرت في الصدور إلى سنة 1966م، أنه من بين الإصلاحات المهمة التي عزمت نظارة المعارف العمومية على إجرائها في سنة 1907م هو "جعل اللغة العربية في امتحان الشهادة الثانوية من لغات الامتحان بحيث يمكن للطالب أن يؤدي الامتحان في كل العلوم بها".
وهي تنشر خطابًا ألقاه حضرة الفاضل محمد الخضري- المدرس بمدرسة القضاء الشرعي بمصر- في نادي دار العلوم، ذكر فيه أن هناك رجلين فكرا في إحياء اللغة العربية وهما محمد علي باشا مؤسس الأسرة الخديوية وصاحب الدولة المخلص مصطفى رياض باشا، وأن هناك نهضة ثالثة بواسطة سعد زغلول باشا ناظر المعارف العمومية الذي يسعى لأن تكون اللغة العربية لغة تعليم وتعلم وكتابة وتكلم، ثم يتحدث الخطيب عن التعريب وأهميته وهو يقترح تكوين مجمع يُعهد إليه بالتعريب وأن يكون اختصاصه محصورًا في دائرة أسماء الأجناس الأعلام، وأن يكون للمجمع سجل تُقيد فيه هذه الظلمات بوضوح كما يرى ضرورة اهتمام رجال التعليم- وخصوصًا معلمي العربية منهم- بأمر تحسين اللغة وإصلاحها.

وفي (رعمسيس)، لصاحبيها رمزي تادرس وكيرلس تادرس والتي أصدراها بالقاهرة خلال الفترة من 1912م إلى 1930م، يكتب ب. ف بهمان- من كلية الملك بلندن- مقالًا عنوانه "نهضة الأمة ونهضة اللغة"، يقول فيه إن "اللغة من أجل مظاهر الأمة ومن أكبر عوامل رقيها وانتشار العلم والتهذيب فيها وحيث إن تقدم اللغة ورقي الأمة أمران ملازمان فقد أصبح من أهم الواجبات على الأقطار العربية وفي مقدمتها البلاد المصرية أن توجه التفاتها واعتناءها الخاص لهذه اللغة الشريفة فتأخذ بناصرها وتنهض بها حتى ترجع إليها ما فقدته من قوتها"، كما يشير ذلك الكاتب- ومن الواضح أنه كان أحد الطلبة المصريين المقيمين بلندن- إلى مشروع إنشاء جمعية آداب اللغة العربية بلندن من مجموعة من الطلبة التي تغار على وطنها ولغتها، فعنده أن إهمال اللغة يُضعف التعليم والتهذيب في البلاد.. بل يُضعف ويُؤخر الوطن، لأن العلم حياة الأمم، والدواء هو التعليم باعتباره مفتاح كل إصلاح اجتماعي.  

وفي إحدى مقالاتها تؤكد (رعمسيس) أن اللغة هي "أقوى عوامل الوطنية"، وأن الذي يخدم اللغة يخدم الوطن، فهي تقول إن "اللغة المشتركة من أقوى عوامل الوطنية، فهي قوية إلى درجة حملت بعض المفكرين على الظن بأنها أقوى العوامل كلها لأنه لا يوجد شيء يجعل المرء غريبًا بعيدًا عنك كعجزك قليلًا أو كثيرًا عن تفهيمه"، لذا فهي تذكر في مقال آخر أن اللغة والوطن يصح أن يكونا اسمين لمسمى واحد، وأن المدارس غير الوطنية (تقصد غير المصرية) أشبه بسارق يسرق نفائس المتاع، إلا أن هذا لا يعني عند المجلة مقاطعة تلك المدارس إذ تعترف صراحة بأنه لا غنى عن تعلم اللغات الأوروبية الراقية وآدابها، ولكن الواجب أن يتعلم أهل القطر ما شاءوا من اللغات والعلوم وذلك "بعد أن يحكموا لغتهم كتابة وخطابة حتى لا يُسرق أبناء مصر بتساهل آبائهم".

وختامًا
يتبين بذلك أن عددًا من المثقفين الأقباط قد اهتموا بقضية الحفاظ على اللغة العربية، وهو ما ظهر بوضوح في بعض الصحف التي أصدرها بعضهم من خلال بعض الكتابات الصحفية التي ظهرت على صفحاتها. 



حيث اتفقت تلك الكتابات على تأكيد أهمية اللغة العربية، وضرورة الحفاظ عليها، ونشر الوعي بضرورة الاهتمام بها وتعليمها جيدًا لأبناء البلاد..
فقد تمنت (الوطن) لو يتنبه المصريون لإنشاء مدارس عالية لإحياء اللغة العربية، إذ إنه من العار عدم الاكتراث بلغة البلاد الأساسية، وهو ذات المطلب الذي ظهر أيضًا على صفحات مجلة (المحيط)، كما رحبت جريدة (مصر) بجعل اللغة العربية من لغات امتحان الشهادة الثانوية، وطالبت كتابات (المحيط) بتعميم التعليم باللغة العربية في المدارس الأميرية، وطالبت المجلة- عند طرح مشروع الجامعة المصرية الأهلية- بأن يكون التعليم فيها باللغة العربية، كما طالبت بتحسين اللغة وإصلاحها، ومن جهتها ذهبت كتابات مجلة (رعمسيس) إلى أن اللغة هي واحدة من أجل مظاهر الأمة وأن تقدمها ملازم لرقي الأمة ونهضتها، وأن اللغة كذلك تُعد من أهم عوامل الوطنية فمن يخدمها يخدم الوطن، وأنه لا غنى عن تعلم اللغات الأوروبية ولكن بعد إتقان لغة البلاد كتابة وخطابة.

هكذا يمكننا القول إن المواطنين الأقباط قد اهتموا بأمر الحفاظ على اللغة العربية، كما أنهم ساهموا- وحسب كتابات ودراسات عدة- في إثراء اللغة العربية من خلال عدة روافد منها الكتابات الأدبية التي شملت قصائد الشعر والزجل والقصة والرواية، بالإضافة إلى أعمال الترجمة والتعريب من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية.
ولعل السؤال الآن بعد ما يقرب من مائة عام من هذه الكتابات: هل حدث حقًا اهتمام باللغة العربية؟! وهل يجيد المصريون اللغة العربية كتابة وخطابة؟! وهل يساهم المصريون في حفظ اللغة العربية وتطورها أم أنهم يساهمون في ضياعها؟!

إن الوضع الحالي للتعليم في مصر يثير القلق على المستقبل، حيث تعاني اللغة العربية، بل وغيرها من اللغات الحية، ضعفًا شديدًا وعدم اهتمام على نحو كاف، وهو ما يحتاج إلى وقفة جادة من قبل مؤسسات المجتمع المختلفة وفي مقدمتها وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة، بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية غير الحكومية، من أجل بعث الاهتمام باللغة العربية وعودة الروح إليها. 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع