أفكار

الأغنية الوطنية .. غاب عنها التجديد

أعتبرت الأغنية الوطنية فى مصر فى الأعوام الأخيرة السابقة أغنية مناسبات، فما أن يأتى الاحتفال بالسادس من أكتوبر، أو احتفالية 25 أبريل أو ثورة 23 يوليو أو غيرها، حتى تقوم وسائل الإعلام بإعادة بث الأغانى القديمة، والمحفوظة للجميع.. إلى أن بلغ المتابع قد حد الملل من هذه الأغاني.
 
لاشك أنه كانت هناك محاولات عدة لإعادة إنتاج أغان وطنية جديدة، غير أنها لم تجد صدى فى الشارع المصري، اللهم إلا الأغنيات المتعلقة بالانتصارات الرياضية وخاصة كرة القدم.
وحينما حانت لحظة الثورة المصرية طفت على السطح الأغنية الوطنية مرة أخرى فكانت أغنية "يا حبيبتى يا مصر"  للثلاثى محمد حمزة، بليغ حمدي.. وشادية، هى خلفية الثورة؛ فكانت تُذاع فى الميدان وتُبث فى وسائل الإعلام، لم تكن "يا حبيتى يا مصر" فقط هى التى تُذاع لكنها كانت الأبرز فى المشهد.
 
العلاقة إذن بين الحس الوطنى والأغنية علاقة وثيقة ولكن وجود الأغنية الوطنية بشكلها الحالى فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر مر بمراحل تطور عديدة.
منذ نهاية الدولة المصرية القديمة، ولم تحكم مصر بحكم مصرى خالص، ولم يكن لها جيش مصرى خالص، فدائما ما كانت تحكم تحت ألوية دول وإمبراطوريات أخرى، كما أن فترة حكم محمد على لم تكن مصرية خالصة فلقد كان محمد على يحكم تحت لواء الدولة العثمانية، بالإضافة لكونه ألبانيا ولكنه كان يمتلك حلما بالحكم الذاتى والذى كان يحتاج لتنفيذه لعدة أدوات كان من أهمها وجود جيش قوى يأتمر بأمره ليحقق به أطماعه التوسعية.
كان مفهوم الوطن والوطنية غير محدد فى نفس الإنسان المصرى فى تلك الحقبة، فهو لم يشارك منذ قرون عديدة فى حكم بلاده ولم يكن ينتمى لجيشها فكانت حدوده هى المساحة التى يعيش فيها وهى التى تعنيه، إضافة إلى أن الحكومات التى كانت مسئولة عن هذا الشعب وكان آخرها حكومات الدولة العثمانية والمماليك لم تقدم له أى خدمات من أى نوع وبالتالى كان شعوره بالانتماء والتضحية وخدمة الوطن شبه معدوم.
 

سعد زغلول
قد تكون تلك الفترة تغيرت قليلا مع مجيء الحملة الفرنسية حيث وقف المصريون يحاربونها بضراوة، ولكن كان الدافع الأكبر هو حماية الإسلام من معتقدات الفرنجة، وحماية دولة الخلافة. 
ولذلك حينما بدأ محمد على فى تكوين الجيش والذى سمى بالجهادية قاومه المصريون بشدة فقام البعض بفقأ عيون أولادهم وقطع إحدى أيديهم أو أرجلهم حتى لا يلتحقوا بالجيش إلا أن محمد على لم يهتم وبدأ فى إعداد كتائب للعور والمشوهين، حتى يعلم الجميع أنه لا سبيل من الالتحاق بالجيش.
استمرت هذه الروح لفترة طويلة خاصة أن عقب محمد على تعاقب حكام من سلالته لم يقتدوا به وأجحفوا حق المصريين مثل الخديو سعيد صاحب توقيع امتياز حفر قناة السويس، واختلفت تماما فى عهد الخديو إسماعيل وظهرت الروح الوطنية التى تزعمها الجيش بقيادة عرابى إلا أن نفيه ودخول الإنجليز مصر فى عهد توفيق أدى إلى الرجوع مرة أخرى. لم تستمر هذه الروح طويلا فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وصلح فرساى وظهور شخصية سعد زغلول كزعيم وطنى هبت الروح المصرية من جديد والتفت حول الزعيم واتخذت الأغنية شكل ساخر فحينما حرم الإنجليز نطق اسم سعد زغلول غنت منيرة المهدية:
يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح
يا بلح زغلول يا زرع بلدي
عليك يا وعدى يا بخت سعدي
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
عليك أنادى فى كل وادى
قصدى ومرادي
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
الله أكبر عليك يا سكر
يا جابر اجبر
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
ماعيتشى أبكى وفيه مدبر مين بس ينكر زغلول يا بلح
 


كل ذلك نكاية فى المستعمر، وسخرية من قراره، وحينما عاد من المنفى بناء على رغبة الشعب بعد ثورته العارمة لحن سيد درويش من كلمات بديع خيرى أغنية "سعد أملنا".
كل هذه الأغانى كانت موجهة لشخصية سعد زغلول بعيدا عن التغنى للوطن لأن الجيش المصرى كان تحت السيطرة الإنجليزية فكان وجود سعد زغلول هو البديل عن أى رمزية للوطن. وظهرت أغانى أخرى لسيد درويش مثل "قوم يا مصري"، و"أنا المصرى كريم العنصرين" وجميعها مستمدة من الحس الوطني.
 

ومع مرور الوقت وتزايد الوعى بأهمية الاستقلال الكامل عن أى حكم وبعد الانتصارات السياسية التى حققها سعد زغلول وحصول مصر على استقلال جزئي، ومع وتنامى التواجد المصرى فى كل المجالات، كانت هزيمة 1948 وما تبعها من فساد سياسى بالإضافة إلى حريق القاهرة من الأسباب الرئيسية لثورة 1952 والتى قام بها الجيش المصرى بدون أى تواجد أجنبي، حتى تم القضاء على الاستعمار تماما وكان من شأن تلك الأحداث وما تبعها مثل حرب 1956 أن أصبح الجيش والانتماء له هو نموذج الوطنية فنجد المطربة أحلام تغني:
ندراك لليوم ده يا ولدى تحمينى وتحرس بلدي
سافر مع ألف سلامة يوم نصرك أجمل عيد
يوم ما أوفى الندر ده يوم عيد 
يا أشوفك هنا بكرامة يا أشوفك فى الجنة شهيد
 

فهنا أصبح الالتحاق بالجيش أملا ولا بديل عن فكرة النصر أو الشهادة، وظهرت أغنية "قولوا لعين الشمس ما تحماشي" للفنانة شادية وغيرها من الأغانى التى تربط الوطنية بالقوات المسلحة والحياة العسكرية.
حتى فى فترة حرب 1967 وما بعدها ظهرت الأغانى التى تؤازر الجيش مثل "أحلف بسماها وبترابها" وأغنية "فدائي" وغيرها من الأغانى الوطنية. 

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع