أفكار

أسباب طبيعية وأخرى أخطاء بشرية..

الأزمات الاقتصادية وأثرها على الجريمة فى عصر الخلافة بالأندلس

- الكوارث الطبيعية أدت إلى الغلاء الفاحش للأسعار والبطالة وانعدام الأمن
- من الأخطاء البشرية التى أدت إلى فشل الاقتصاد الأندلسى فى مواجهة الأزمات وإهدار مخزون صوامع الغلاء
- غلاء الأسعار بالأندلس أدى إلى اتجاه الناس لأكل الميتة والدم من مذابح البقر
- زيادة الجريمة لا تعود إلى العامل الاقتصادى فقط بل إنها تعود إلى الحروب المختلفة فترات والفتن
 
لا شك أن للأزمات الاقتصادية دورًا واضحًا فى حدوث كثير من الجرائم؛ لأن الاتجاه ناحية الجريمة قد يحمل فى طياته حاجةً ماديةً ناتجةً عن أوضاع وأزمات اقتصادية سيئة تعم فئات عديدة من المجتمع؛ وعلى الرغم من اتصاف الاقتصاد الأندلسى بالقوة فى بعض الفترات خاصةً فى عصر الخلافة إلا أنه لم يسلم من التعرض لبعض الأزمات فى فترات أخرى.
 وتنقسم الأسباب التى كانت تدفع إلى وقوع هذه الأزمات إلى قسمين أولهما ـ أسباب طبيعية تتمثل فى الكوارث الطبيعية الكثيرة التى تعرضت لها الأندلس والتى تمثلت فى حوادث القحط المؤدية إلى حدوث المجاعات وحوادث السيول والفيضانات التى أدت إلى انهيار البنية الاقتصادية الممثلة فى الأراضى الزراعية؛ وهلاك كثير من الناس أو هجرتهم من البلاد. وهو الأمر الذى أدى بدوره إلى بوار المزيد من الأراضى الزراعية والانكماش الكبير فى الإنتاج الزراعى والذى يعتمد عليه الناس فى حياتهم ومعيشتهم. كما أدت تلك الحوادث إلى غلاء فاحش للأسعار والبطالة وانعدام الأمن. كل هذه الأمور واجهها الناس فى الأندلس بطرق مختلفة فبعضهم يعانى ويصبر، وبعضهم الآخر يهاجر من الأندلس ويغادر، ومنهم من اتجه ناحية الجريمة لسد رمقه والبحث عن طعام وكساء له ولذويه. إذن الرابط بين الاقتصاد والجريمة أمر له ما يبرره.
 


وثانى هذه الأسباب هى الأسباب البشرية والتى تتمثل فى السياسات الاقتصادية الخاطئة التى كان يطبقها رجال السلطة السياسية، وكان من شأنها إثارة الغضب والحنق لدى الرعية مما يدفع بالبعض إلى الشغب والتمرد والانضمام إلى الثائرين بما يحمله ذلك من خروج على قواعد النظام وارتكاب للمخالفات والوقوع فى براثن الجريمة.
 ومن هذه السياسات الخاطئة عدم قيام الدولة بالاستعداد الكافى لمواجهة أية أزمات اقتصادية محتملة؛ حتى أنها لم تكن تقوم بتخزين المؤن لمواجهة الأزمات، إذ أن صوامع الغلال لم يكن يخزن بها إلا ما يخص الجند والأغراض السلطانية بصفة أساسية، ويروى فى ذلك حادثة ترجع إلى عهد عبد الرحمن بن الحكم وفيها تم معاقبة يحيى بن حكم البكرى وهو الغزال الشاعر (ت250 هـ/ 864 م) والى الأعشار لأنه قام بفتح هذه الصوامع وبيع ما بها للناس كإحدى طرق معالجة آثار إحدى أزمات القحط وغلاء الأسعار .
 
 وفشلت السياسة الاقتصادية ـ خاصة فى فترة الفتنة البربرية ـ فى علاج الأزمة الاقتصادية فى البلاد فازداد الأمر تفاقمًا وسوءًا ، كما أدى إلى مزيد من الإفلاس والانهيار الاقتصادي، نتيجة لانتشار أعمال النهب والتخريب لخزانة الدولة المتمثلة فى الأموال والأسلحة والخزائن والأمتعة والآلات والسلطانية.
 ومن السياسات الاقتصادية الخاطئة أيضًا والتى كانت تؤدى إلى حدوث الفوضى: فرض الضرائب الباهظة والقسوة فى جمعها، وعدم مراعاة أوقات الأزمات وشدتها على الناس. ويؤكد الأثر السيئ لمثل هذه السياسات على حالة الأمن استغلال ذلك من قبل بعض الثوار لضم الأتباع إلى صفوفهم كقول ابن حفصون للبعض يحرضهم لمناصرته: "طال ما عنّف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وحملكم فوق طاقتكم... وإنما أريد أن أقوم بثأركم" . وقد أدت هذه السياسات الخاطئة إلى إحداث هوة سحيقة من سوء الظن وعدم الثقة تجاه الدولة، مما كان يجعل من الطبقة الدنيا ـ التى تعانى أكثر من غيرها بسبب هذه السياسة ـ مادةً معدةً للانضمام إلى أى ثورة أو تمرد أو عنف، ووراء أى قائد أو دعوة. 
 وبجانب ذلك كانت هناك طرق خاطئة اتبعتها الدولة الأموية فى مواجهتها للثائرين عليها كان لها تأثير سلبى على الأوضاع الاقتصادية لقطاعات عريضة من الناس مثل: إفساد الغلات والثمار، وإفساد الزروع وقطع الأشجار، وإحراق القرى، والتدمير .
 إن أهم ما عانت منه المناطق الزراعية يرجع إلى الحروب المختلفة وفى فترات الفتن والاضطرابات التى أدت إلى نتائج وخيمة على الميدان الزراعى وأسفرت عن إتلاف المحصولات وانتساف الزروع وانتهابها وإذهاب الثمار والأشجار، مثلما حدث فى عام 260هـ/873م عندما احتل القائد هاشم بن عبد العزيز سرقسطة "وانتهب زروعها، وأذهب ثمارها وأشجارها" . وعندما انهزم سليمان المستعين دخل محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدى قرطبة هو ومن معه سنة 399هـ/ 1008م "فأفسدوا غاية الفساد، ونهبوا الأموال، واستطالوا على الناس.. وابن عبد الجبار وجنده فى انهماك على اللهو وارتكاب المحارم وإظهار الفسق، وإفساد ما قدروا عليه، والنزول على الناس فى دورهم، وقتل من دافعهم" .
 


 ومن معالم السياسات الاقتصادية الخاطئة ما درج عليه بعض الحكام من إسراف وتبذير كبيرين، ويصور ابن خلدون هذه الحالة من الإسراف بقوله: " يكون صاحب الدولة فى هذا الطور متلفًا لما جمع أولوه فى سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفى مجالسه واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الأمور التى لا يستقلون بحملها". ومن النماذج الواضحة على ذلك ما أنفقه عبد الرحمن الناصر فى إقامة مدينة الزَّهْراء Medina Al-Azahra من أموال طائلة. 
وقد يكون للإسراف والتبذير مبرر يرجع إلى حالة الثراء والانتعاش الاقتصادى التى عاشتها الأندلس فى بعض فتراتها، إلا أن قيام العديد من الاضطرابات والثورات ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية الراجعة إلى سوء الأوضاع وقسوة الضرائب يؤكد أن كان لإسراف الدولة وتبذيرها ـ من المرجح ـ دور فى إثارة المشاعر لدى فئات عديدة من المجتمع الأندلسي، أى أنها قامت بدور العامل المساعد فى التمرد على الدولة وإثارة الفتن والاضطرابات بها.
وتضافر الأسباب الطبيعية والبشرية فى إحداث الأزمات الاقتصادية فى وقت ما يؤدى إلى انتشار ظاهرة الفقر المؤدية هى الأخرى إلى ما سبق ذكره من جنوح البعض فى مواجهتهم للفقر ـ إلى محاولة رد غائلته بأى وسيلة حتى ولو كانت ارتكاب الجرائم؛ أى أن الخصاصة والفقر تؤدى بالبعض إلى ارتكاب جرائم السرقة.
 
وصورت لنا المصادر الأندلسية صورًا عديدةً من حالات الفقر وتردى أوضاع كثير من الفئات الاجتماعية فى المجتمع الأندلسي، فعلى سبيل المثال عندما اشتد الغلاء بالأندلس سنة 197هـ/812م مات كثير من الناس وكان أكثرهم يطوون الأيام للعدم، كما يروى ابن عذارى فى أخبار سنة 401هـ/1010م أن غلاء الأسعار بالأندلس أدى إلى اتجاه الناس إلى السواحل والبوادى واشتداد حال أهل قرطبة حتى أكل الناس الدم من مذابح البقر والغنم وأكلوا الميتة.
 ومن صور الفقر كذلك اتجاه بعض ممن عانوا من الفقر إلى اقتراض الطعام على أن يؤدوا مثله فى وقت لاحق وأجاز الفقهاء ـ مثل ابن لبابة (ت314هـ/926م) ـ فى مثل هذه الحالة أنه إذا لم يستطع المقترض رد نفس نوعية الطعام فله أن يرد بأى نوع من الطعام حتى ولو كان من التبن والزيت والملح. 
 
ونتج عن الفقر خاصةً زمن الأزمات الاقتصادية الكبيرة انتشار قطع الطريق والسلب والنهب، ومما يدل على ذلك انتشار هذه الحركة فى عدة أماكن فى الريف مثل الجبال والقرى والكهوف والأحواز الريفية للمدن، ويستدل من ذلك على العلاقة بين سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار حركات السلب والنهب. ويؤكد هذا ما حدث عقب مجاعة سنة 303هـ/915م من ازدياد أعداد قطاع الطرق الذين " كانوا مع استيلاء الجوع يغارون من قرب منهم، ويغدرون على من مر من رفاق المسلمين وطالبى المعاش ومستجلبى الميرة" .
 ولا شك أن الفقر وتفاقم المشكلات الاقتصادية فى بعض الأوقات كان هو السبب الرئيس الذى أسفر عنه قيام العديد من الحركات التى تبين ارتباط بعض أنواع الجرائم بالأزمات الاقتصادية. ومن ذلك ارتباط حركات اللصوص بالمجاعات وما ينجم عنها من تفش للأوبئة وفى ذلك يذكر الخشنى (ت361هـ/971م) أن " تطاول الفسدة" كان فى المجاعة التى حدثت إبان حكم الأمير محمد بسبب " ضر السنة".
 ويُجدر الذكر فى نهاية هذا المقال أن الجريمة لم تكن ناتجةً عن العامل الاقتصادى وحده، بل إنها تعود فى أصولها إلى عوامل مختلفة ومترابطة (السياسية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والنفسية)، وتمثل هذه العوامل مظاهر للعلاقات بين الفرد ونفسه من ناحية، وبينه وبين أسرته ومجتمعه من ناحية ثانية، وبينه وبين نظم الدولة المختلفة من ناحية ثالثة. وتضافر عدة عوامل أو تضافر العوامل جميعها هو الذى ساعد على وجود الجريمة فى الأندلس.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع