أفكار

إيريك رولو ..

اليهودي المصري الذي لعنته إسرائيل

 "الصدق ".. هو الصفة الأكثر وضوحاً فى مكونات شخصية  " إريك رولو" .. الصحفي المصري اليهودي .. الذى بدأ حياته باسم شرقي هو "إيلي رافوول"، والذى اضطرته مواقفه الثورية وتزايد دوره في النضال كسياسي مصري يساري قبل ثورة يوليو 1952م، منذ إنشاء اللجنة الوطنية للعمال والطلبة إلى النفي خارج مصر ليستقر في فرنسا.
ولد "رولو" عام 1926م، وتوفي فى الخامس والعشرين من فبراير 2015م . ولأننا نعيش في أجواء مرور عام كامل على وفاة ، وجب علينا أن نلقي الضوء على هذا "المصري الاستثنائي" ، الذي حمل على كاهله، عبر ذلك الزمن الواصل مابين ولادته ووفاته، الكثير من "الصدق".. ومن "الصداقات".

بالرغم من  كونه يهودياً، إلا أنه كان شديد التعاطف مع القضية الفلسطينية ورافضا للوجود والسياسات الصهيونية طوال حياته، وبدا ذلك جلياً في كتابه " في كواليس الشرق الأوسط .. مذكرات صحفي في جريدة لوموند". وفى مذكراته تلك، يكشف "رولو" صداقته مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ويروى أحداثاً مهمة فى تاريخ العرب والقضية الفلسطينية ومعاناة شعب فلسطين . وقد كتب المفكر الكبير الدكتور جلال امين مقالاً ماتعاً عن الكتاب بعنوان "إريك رولو .. صديق جمال عبد الناصر".


إريك رولو مع ياسر عرفات


شهادة الأب
كان رولو يهودى الأب ورغم ذلك وصفه أبوه بأنه مؤيد لعلمانية الدولة والاندماج الكامل للمواطنين اليهود فى وطنهم وبناء عليه فقد كان مناوئا لجميع صور القومية اليهودية .ولادته في عشرينيات القرن الماضي  جعلته ينتمى إلى حقبة من المثقفين الذين جذبتهم الأفكار الماركسية وتعاطفوا مع التجربة السوفيتية وكانوا يفسرون الدعاية الغربية المضادة للاتحاد السوفيتي على إنها ضرب من العداوة المغرضة وشائعات كاذبة  ضد تجربة حضارية وإنسانية راقية وفريدة وتقدمية تهدف للارتقاء.

شتات جديد
نشأ "إريك رولو" وترعرع في القاهرة وعمل في الصحافة في سن مبكرة نظرا لثقافته التي سبقت سنه،بينما كان يكمل دراسته بكلية الحقوق- جامعة القاهرة في نفس الوقت . وبدأت إنطلاقته الصحفية  عندما اختار رئيس تحرير"الإجيبشيان جازيت" موضوعاً له ليتصدر الصفحة الأولي .
ترك رولو مصر منفياً ومتجهاً إلي فرنسا وذلك بعد أن جعل الصراع العربي الإسرائيلي حياته فى مصر مستحيلة إلى جانب اتجاهاته السياسية فقد أصبح مثل غيره من اليهود ضحية للموجات الداعية لكراهية اليهود فى العالم العربي، ومن ناحية أخرى ضحية لمحاولات إسرائيل تجنيده هو وأبناء جلدته كطابور خامس ضد أهلهم وأوطانهم فأصبح فى "شتات جديد" كتب عليه  إلى ان وجد طريقه الزائغ مرة أخرى.
في فرنسا ، وبعد أن عانى البطالة في البداية،عاد "رولو"إلي بلاط صاحبة الجلالة ليعمل فى وكالة الأنباء الفرنسية . وكما كانت له إنطلاقة مصرية بدأت فى"الإيجيبشيان جازيت"، كانت له إنطلاقة فرنسية .. ومن ثم عالمية .. بدأت فى صحيفة "اللوموند "الفرنسية الشهيرة  ليتصدر موضوع له صفحتها الأولي عنوانه: " القاهرة تؤكد سد أسوان سيقام رغم كل شيء" . ولم ينس رولو يوماً مصريته، بل كان دائم الاستماع للإذاعات العربية. وكان أول من نقل للصحافة الفرنسية محاولة اغتيال عبد الناصر(حادث المنشية 1954م)، وأول من أعلن خبر تأميم القناة 1956م لدرجة أن وكالات الأنباء العالمية وقتها ترددت في نقل الخبر مشككةً في مصداقيته ؟!!.

اليهودي الملعون
صدقه الإنسانى وحسه الصحفي جعلاه يسبق الأحداث ويستبق تسجيلها من القاهرة 67 إلى مذابح الفلسطينيين في الأردن، ناقداً وفاضحاً للاحتلال الصهيوني ومن يعاونه ، مما جعل إسرائيل تعتبره يهودياً ملعوناً مسكوناً بـ "كراهية الذات"؟!!.
وبنفس الصدق والاحترافية ، غطى رولو حركات التحرر من الاستعمار فى أفريقيا السوداء ضد المستعمر(حتى وإن كان فرنسياً). كما أن قدراته الصحفية تشهد عليها تحقيقاته في إيران وتركيا وإسرائيل. ولشدة كراهيته لـ "إسرائيل العنصرية" ومحاربة الأخيرة له دعائياً،  قرر رولو أن يتخلى عن منصبه الذى تبوأه بصحيفة "لوموند" كمتخصص فى شئون الشرق الأوسط  وأفريقيا السوداء، ليتجه إلى الكتابة عن مناطق أخرى فى العالم نظراً لحساسية وضعه كـ "مصري يهودي" في الأصل،ولكن كان للقدر كلمة فصل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتران" قد عينّ "رولو" في منصب دبلوماسي بوزارة الخارجية الفرنسية فيما بعد وتحديداً عام 1986م حين عيُن سفيراً لفرنسا في تونس ولدى منظمة التحرير الفلسطينية حيث استمر "رولو" في العمل الدبلوماسي لسنوات تالية ثم تقاعد.


رولو مع جمال عبدالناصر

صداقته بـ "ناصر"

في حلقاته التي أهداها لجريدة الأهرام عام 2012 م، تحدث رولوعن بداية علاقته بجمال عبد الناصر وسر اختصاص ناصر له بأول مقابلة والتي كانت بسبب رغبة ناصر في أن يبلغ العالم بخبر الإفراج عن المعتقلين السياسيين . 
ويحكى رولو أنه تحدث مع ناصرعن وحدته مع سوريا ، ورفض واشنطن تمويل مشروع السد العالي، والعدوان الثلاثي، وعملية الخداع الكبري التى قامت بها أميركا والدور الخطير الذى لعبته فى 1967 م. وقد دعيّ رولو عام 1963 م من قِبل عبد الناصر بشكل خاص - لم يحدث من قبل مع أى صحفي أوروبي- ليحمل رسالة صداقة  لـ" فرنسا الديجولية"، وقد تمت الدعوة من خلال الصحفي لطفي الخولي  محرر جريدة الأهرام اللامع الذى كان فى زيارة عابرة إلي باريس ، والذي  قدم لـ "رولو"عرضاً كان من شأنه إحداث تغييراً هائلاً  في حياته المهنية التي كانت على وشك التحول إلي منحدر جديد وغير معلوم أبعاده لشدة معاناته من هجوم الصحافة العالمية المدعومة من التيار الصهيونى الأميركى ضده.
 
وقد صرح له الخولي بأنه مكلف من الأستاذ هيكل شخصياً بدعوته لمصر بلده وتسهيل كل الإجراءات له لكى يجرى تحقيقاته الصحفية بحرية وصدق تام وتوفير جميع الاتصالات حتى ولو كانت بأعضاء المعارضة وسوف تنشر جميع كتاباته بدون رقيب وسوف يُمنح إقامة ممتدة في مصر.
 وعندما علمت صحيفة "لوموند" بتلك الدعوة الكريمة، اشترطت تحمل كل مصاريف السفر لـ "رولو"،وكانت تلك مزايا لاتجود بها "مصر الناصرية" على صحفي غربي أياً كان وضعه، ولكن تحرر الجزائر وعدد من الدول الإفريقية دفع بـ "ناصر" إلى محاولة فتح صفحة جديدة ، خصوصاً وإن عبد الناصر كان يري أن "فرنسا الجديدة " تمثل للدول المستقلة حديثاً طريقاً ثالثاً يسمح بالخروج من الدائرة السوفيتية، و الأمريكية الخانقة ، لا سيما مع تبنيه مبادرة عدم الانحياز مع كل من : تيتو ، ونهرو، وآخرين.

وقد بدأ "رولو"  حواره مع هيكل حين أستقبله فى اليوم التالي لدعوته إلي القاهرة فى يونيو 1963م بسميراميس أثناء العشاء الذى أقيم على شرفه  حول معاييره الخاصة فى الكتابة والتزامه الصدق الشديد وأنه قد ينشر عند عودته إلي باريس سلسلة من المقالات التى قد لاتجد الاستحسان لدى مصر ولكن يشفع لها وله إلتزام الأمانة، وقد استقبل الأستاذ كلماته بابتسامة توحى بالفهم.
وقد عبر "رولو" أثناء لقائه بهيكل أيضاً عن رفضه لاضطهاد  السجناء وتعذيبهم وبأن تلك المسألة سوف يقوم بطرحها على الرئيس جمال عبد الناصر عند لقائه، فلم تفارق "رولو" ذكرى اثنين من مفكري الصف الأول التقدميين كان قد عرفهما شخصياً فى مطلع شبابه وقد فقدا حياتهما تحت التعذيب في المعتقل وهما :أولهما .. فريد حداد الملقب بـ "طبيب الفقراء"، وكان زميلاً لـ "رولو" في المدرسة الثانوية . والثانى.. هو شهدي عطية الذى تعرف به "رولو" حين كان شهدي رئيساً لتحرير صحيفة "الجماهير" الأسبوعية، وكان من رموز الحركة الشيوعية وقتها. وقد تبين فيما بعد أن الأستاذ هيكل كان متفقا مع ما قاله رولو فى هذا الشأن كل الاتفاق.

إنحاز"إريك رولو" لمصر الناصرية في مواجهة الغرب، وكتب عن تعاطفه مع ناصر وعن محاولات الغرب النيل منه بقسوة تفوق ما حيك ضد محمد مصدق رئيس وزراء إيران ، والذى تخلصت منه أميركا فى عملية إنقلابية مدبرة عام 1953م. كما تحيز لمصر ضد العدوان الثلاثي الذى شاركت فيه بلده الثاني فرنسا ، فضلاً عن انحيازه لجميع حركات التحرر في أفريقيا .وقد احترم عبد الناصر صدق "رولو" وقسوة مقالاته أحياناً، وأعتبر أن ذلك داعم لمصر ولنظامها وليس العكس.



عميل مصري خائن
غطى "إريك رولو" حربي 1967 و1973 م بين العرب وإسرائيل ، كما أجرى مقابلات مع السادات، الذي  كتب بصراحته المعهودة عن تهوره وشبقه بالعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وذكر مقابلته السرية لممثلي الولايات المتحدة فى جنازة عبد الناصر وطلب الدعم منهم له بينما الجثمان والضيوف فى الانتظار!!. كما أجرى "رولو" مقابلات مع ياسر عرفات، والملك حسين، وديفيد بن جوريون، وموشيه دايان، وإسحق رابين، وشيمون بيريز، ومع جميع قادة المنطقة الذين لعبوا أهم الأدوار فى أحداثها . 
وقد انتقد رولو إسرائيل بشدة لدرجة إصدار بيانات إدانة منها ضده، واعتبره رئيس وزرائها الأسبق مناحم بيجين عميلاً مصرياً؟!!.
 وقد كان لـ" رولو" كلمة يرددها اقتبسها من صديقه اليهودي المصري الشهير شحاتة هارون تقول: "أنا يهودي حين يتم قمع اليهود، وفلسطينى حين يتم قمع الفلسطينيين، وزنجى حين يتم قمع الزنوج".
صحيح أن "رولو" فارق عالمنا منذ عام، ولكنه بقي واحداً من الصادقين حقاً في زمن بات الصدق هو طاقة النور الباقية للبشرية.

اقرأ ايضاً

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع